تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

قصة الأسري والغنائم في غزوة بدر



قضية الأسري يوم بدر

أسر المسلمون في غزوة بدر سبعين أسيرًا، ولم يكن هناك حتي هذه اللحظة تشريعٌ يوضح أمر التعامل مع هؤلاء الأسرى، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم بعمل مجلس استشاريّ بأنْ جمع صحابته، وبدأ يسألهم ويستشيرهم في أمر الأسرى.

فقال أبو بكر الصديق لرسول الله: "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا".
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: مَا تَرَى يَابْنَ الْخَطَّابِ؟.
فقال عمر بن الخطاب: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنني من فلان -وذكر قريبًا له- فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل بن أبي طالب -أخيه- فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.

لقد كان يغلب على رأي أبي بكر جانب الرحمة، فهو يرى أنهم بنو العم والعشيرة، والدولة في حاجة إلى ما سيؤخذ من أموالهم، وربما يؤمنون بعد ذلك.
وكان رأي عمر شديد الحسم؛ ففي رأيه أن يُقتل السبعون، وعلى أن يقتل كلٌّ قريبه؛ حتى يُظهِر كل مسلم حُبَّه لله، وأنه ليس في قلبه ولاء لأيِّ مشرك مهما كان، حتى وإن كان أقرب الناس إليه.


يقول عمر بن الخطاب: "فهوى رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وأخذ منهم الفداء". فلما كان من الغد، يقول عمر: "فغدوتُ إلى رسول الله وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما".
فقال صلى الله عليه وسلم: "لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهُمُ الْفِدَاءَ، فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ". وأشار إلى شجرة قريبة، وأنزل الله قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].
ثم قال: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68]. والعذاب العظيم هو ما تحدَّث عنه النبي لعمر بن الخطاب، أنه كان أدنى من الشجرة. والكتاب الذي سبق هو الآيات التي نزلت قبل ذلك في سورة محمد، قال الله في شأن الأسرى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4].

وكان سعد بن معاذ يرى مثل رأي عمر بن الخطاب، وقد قال ذلك مبكرًا عندما بدأ المسلمون يأسرون المشركين، وقد نظر النبي لسعد بن معاذ عندما بدأ المسلمون في أسر المشركين، فوجده حزينًا، فقال له: "وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَفْعَلُ الْقَوْمُ"، أي من أسر المسلمين للمشركين. فقال سعد: "أجَلْ، والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال". وعندما أوحى الله بالآيات لم ينكر عليهم هذا الأمر، ومع أن الله ذكر أن الأولى كان الإثخان في الأرض، إلا أنه أقرَّ أخذ الفداء، وكان ما يُدفع هو ما بين ألف إلى أربعة آلاف درهم للرجل.

وفي رواية أخرى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟»، فقال أبو بكر الصديق: «يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستأْنِ بهم لعل الله أن يتوب عليهم»، وقال عمر: «يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قرِّبهم فاضرب أعناقهم»، وقال عبد الله بن رواحة: «يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم اضرم عليهم نارًا»، فقال العباس: «قطعت رحمك»، فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يَرُدَّ عليهم شيئاً، فقال ناس: «يأخذ بقول أبي بكر»، وقال ناس: «يأخذ بقول عمر»، وقال ناس: «يأخذ بقول عبد الله بن رواحة»، فخرج عليهم الرسول محمد فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال:{ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال:{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا }، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ }»، ثم قال: «أنتم عالة، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق»، قال عبد الله بن مسعود: «يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء فإنه يذكر الإسلام»، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ابن مسعود: «فما رأيتُني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء في ذلك اليوم»، حتى قال الرسول: «إلا سهيل بن بيضاء»، فنزلت الآية: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.

أساليب معاملة الأسري

لقد كانت معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم للأسرى بأساليب متعددة، فهناك من قتله، وبعضهم قبل فيهم الفداء، والبعض الآخر منَّ عليهم، وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المنِّ عليهم.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بإكرام الأسري ورعايتهم رعايةً أخلاقية سامية تليق بدين الإسلام، وقال لهم منذ اليوم الأول لوجود أسرى معهم: "اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا".
وقد بذل الصحابة كل خير للأُسارى، مع أنهم كانوا منذ أيام قليلة يحاولون قتل المسلمين، يقول أبو عزيز بن عمير -وهو ممن أسر في بدر، وهو أخو مصعب بن عمير- يقول: "كنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم، أكلوا التمر وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله إياهم بنا".
وقد مر ومصعب بن عمير في يوم بدر فرأى أخاه أبا عزيز أسيرًا، فأوصي من أسره وهو رجل من الأنصار أن يشدَّ عليه؛ لأن أمَّه ذات متاع، ولعلها أن تفديه بمال كثير، فعندها أخذ أبو عزيز يلومه: أهذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك.

وكان أبو العاص بن الربيع أيضًا في أسارى بدر، يقول: "كنت في رهط من الأنصار، جزاهم الله خيرًا"، كنا إذا تعشَّينا أو تغدَّينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ".

وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة -وهو أخو خالد بن الوليد- من أسارى بدر، كان يقول مثل ذلك وأكثر، يقول: "وكانوا يحملوننا ويمشون"، أي إذا رأوا منهم جريحًا أو مريضًا أو متعبًا، حملوه رفقًا به.
وقد أسلم أبو العاص بن الربيع، وأبو عزيز بن عمير، والسائب بن عبيد، والوليد بن الوليد.

وكان الذين قتلهم المسلمون من الأسرى في بدر: عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، لأنهما كانا من أكابر مجرمي قريش، فقد كانا من أكبر دعاة الحرب ضد الإسلام، فبقاؤهما يعد مصدر خطر كبير على الإسلام، فقد كان النضر بن الحارث يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسًا فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب قبْلَهم من الأمم من نقمة الله، خلفه النضر في مجلسه إذا قام، ثم قال: «أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلم إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه»، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ثم يقول: «بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟»، فلما أسره المسلمون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتله علي بن أبي طالب.

ولمـا وصل إلى عِرْق الظُّبْيَةِ أمر بقتل عُقْبَة بن أبي مُعَيْط ـ وكان يقوم بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي كان ألقى سَلا جَزُور على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهو الذي خنقه بردائه وكاد يقتله، لولا اعتراض أبي بكر رضي الله عنه ـ فلما أمر بقتله قال‏ عقبة:‏ من للصِّبْيَةِ يا محمد‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏النار‏)‏‏.‏ فقتله عاصم ابن ثابت الأنصارى، ويقال‏:‏ علي بن أبي طالب‏

فداء أسري بدر

1- من أروع الأمثلة التي تُذكر في أمر الفداء، ما دار بين رسول الله والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله، وقد كان أسيرًا في يوم بدر، وكان قد خرج مُستكرَهًا إلى بدر، وقاتل مع المشركين، وأُسِر مع من أُسر، وكان رجلاً غنيًّا،
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو الْيَسَرِ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَسَرْتَهُ يَا أَبَا الْيَسَرِ ؟ قَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ وَلَا قَبْلُ، هَيْئَتُهُ كَذَا هَيْئَتُهُ كَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ. وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ جَحْدَمٍ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. قَالَ: فَأَبَى وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُونِي. قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ عِشْرِينَ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْسُبْهَا لِي مِنْ فِدَايَ. قَالَ: لَا، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ مِنْكَ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ. قَالَ: فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ بِمَكَّةَ حَيْثُ خَرَجْتَ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ وَلَيْسَ مَعَكُمَا أَحَدٌ غَيْرَكُمَا، فَقُلْتَ: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَلِلْفَضْلِ كَذَا وَلِقُثَمَ كَذَا وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا. قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ غَيْرِي وَغَيْرُهَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
وأنزل الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70].
وهذه الآية نزلت في العباس، وقد قال بعد ذلك: "فأعطانا الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله".

هذا الأمر يوضِّح لنا كيف كان رسول الله يطبِّق القانون على الجميع، حتى على العباس بن عبد المطلب، وقد كان في قلوب الأنصار رِقَّة عجيبة، فلما رأوا هذا الأمر أشفقوا على رسول الله من أن يأخذ الفداء من عمه، وعمه الذي يحبه، فجاء الأنصار إلى الرسول وحاولوا أن يُعفوا العباس من الفدية لكن بطريقة في غاية اللطف والأدب، فقالوا له: "يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه".
وجَدَّة العباس من بني النجار من الخزرج، الذين هم من الأنصار، فهم يطلبون من الرسول أن يُعفِي عمَّه، لا لأنه عمه، لكن لأنه قريب لهم من هذه الناحية. ولكن الرسول رفض ذلك تمامًا، وأصرَّ على أخذ الفداء، وقال: "والله لا تذرون منه درهماً".
وساق محمد بن إسحاق بسنده إلى عبد الله بن عباس، قال: لما أمسى القوم من يوم بدر، والأسارى محبوسون في الوثاق، بات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساهراً أول ليلة، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام! فقال: "سمعت تضور العباس في وثاقه"، قال: فقاموا إلى العباس فأطلقوه، فنام رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

2- كان سهيل بن عمرو من قادة قريش، وكان أسيرًا في بدر، وهو ممن عرفوا بحسن البيان والخطابة، وكان يحمِّس المشركين على قتال الرسول، وعندما أخذه المسلمون أسيرًا قال عمر بن الخطاب: "يا رسول الله، دعني أنزع ثَنِيَّتَيْ سهيل بن عمرو، فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا". ورفض رسول الله هذا الأمر، وتظهر نبوءة جديدة لرسول الله في هذا الموقف، حين قال: "عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لاَ تَذُمُّهُ". وقدم مكرز بن حفص بن الأخيف فى فداء سهيل بن عمرو، وكان الذى أسراه مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف.
قال ابن إسحاق: فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم قالوا: هات الذى لنا. قال: اجعلوا رجلى مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه، فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم.

3- قال ابن إسحاق: وكان فى الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاء فى طلب فداء أبيه". فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه؛ قال المطلب بن أبى وداعة، وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنى: صدقتم لا تعجلوا، وانسل من الليل وقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به. قلت: وكان هذا أول أسير فدى ثم بعثت قريش فى فداء أسراهم.

4- وكان فى الأسارى عمرو بن أبى سفيان صخر بن حرب، وكان الذى أسره على بن أبى طالب.
قال ابن إسحاق: وحدثنى عبد الله بن أبى بكر قال: فقيل لأبى سفيان: أفد عمرا ابنك، قال: أيجتمع على دمى ومالي، قتلوا حنظلة وأفدى عمرا؟ دعوه فى أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف، ثم أحد بنى معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما فى غنم له بالبقيع، فخرج من هنالك معتمرا ولم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد قريش أن قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير. فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمر. قال: ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفكوا به صاحبهم فأعطاهم النبى فبعثوا به إلى أبى سفيان فخلى سبيل سعد.

5- قال ابن إسحاق: وقد كان فى الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب، وكان الذى أسره خراش بن الصمة أحد بنى حرام.
قال ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى فداء أبى العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذى لها فافعلوا»، قالوا: نعم! يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذى لها. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلى سبيل زينب يعني: أن تهاجر إلى المدينة فوفى أبو العاص بذلك.

كانت هذه إحدى صور الفداء وهي الفداء بالمال، وكان بعض الأسرى من الفقراء، فرأى النبي أن بعض الأسرى يعرفون القراءة والكتابة، فكان يفتدي هؤلاء المشركين بأن يُعلِّم كلٌّ منهم عشرة من غلمان المدينة المنورة.
وقد منَّ النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الأسرى بغير فداء، وأطلقهم هكذا دون أن يأخذ منهم شيئًا، ومنهم أبو عزة الجمحي وكان رجلاً فقيرًا، وقال للرسول: "لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن عليَّ". فمنَّ عليه، لكن أخذ عليه عهدًا ألاَّ يظاهر عليه أحدًا.

قصة الغنائم يوم بدر

وقع خلاف بينهم حول هذه الغنائم، إذ لم يكن حكمها قد شُرِّع بعد، ومن ثم كان أمر الغنائم عرضة لاختلاف وجهات النظر بينهم، فنزل القرآن الكريم بمشروعيتها وكيفية تقسيمها وتوزيعها.
وما إن نزل حكم الله عز وجل في الغنائم وكيفية توزيعها، حتى اختفى كل خلاف، وكان هذا شأن الصحابة رضوان الله عليهم في كل أمر يقطع فيه الله ورسوله بحكم. فبمجرد سماعهم لهذه الآيات القرآنية من سورة الأنفال، اجتمعت قلوبهم، وقبلوا أمر الله عز وجل وسلموا له،

روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به، فنزلت ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ ﴾ الآية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين.

وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا»، قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله عليهم قال المشيخة: كنا ردءاً لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان، وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فأنزل الله ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [الأنفال: 1]، إلى قوله: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ [الأنفال: 5]. يقول: فكان ذلك خيراً لهم، فكذلك أيضاً فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.

ورى الإمام الترمذي في سننه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله: إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: «هذا ليس لي ولا لك»، فقلت عسى أن يُعطَى هذا من لا يبلي بلائي، فجاءني الرسول فقال: «إنك سألتني وليس لي، وإنه قد صار لي، فهو لك»، فنزلت ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ ﴾ الآية.

يستنكر ربنا سبحانه وتعالي على المسلمين الذين حققوا هذا الانتصار الباهر في غزوة بدر، أن يهتموا بأمر الدنيا للدرجة التي ينشأ فيها الخلاف بينهم بسببها {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 1- 8].

وفي الآيات نوعٌ من الشدة على المسلمين، ونوع من اللوم؛ كيف تفكرون في أمر الدنيا وقد تحقق لكم هذا الانتصار العظيم لأنكم فكرتم في الآخرة، فلا تضيِّعوا النصر.
ونزلت هذه الآيات على المسلمين بردًا وسلامًا، وبمجرد سماعهم لهذه الآيات ثابوا إلى رشدهم، وعادوا إلى ربهم، واجتمعت القلوب من جديد، وقبلوا أمر الله. فالمسلمون في بدر لم يخرجوا عن كونهم من البشر، يخطئون كما يخطأ عامة البشر، لكن عندما ذُكِّروا بالله تذكروا. وقسَّم النبي الغنائم على السواء، كما يقول عبادة بن الصامت، فأعطى أربعة أخماس الغنائم للجيش وتمَّ تقسيمها بالتساوي، واحتفظ بالخمس للدولة، وكان له حق التصرف فيه.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب