شهداء المسلمين في غزوة بدر
انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين على قريش،
وكان قتلى قريش سبعين رجلاً، وأُسر منهم سبعون آخرون، وكان أكثرهم من قادة
قريش وزعمائهم، وقُتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً.
منهم ستة من المهاجرين هم:
عبيدة بن الحارث المطلبي القرشي.
عمير بن أبي وقاص الزهري القرشي.
صفوان بن وهب الفهري القرشي.
عاقل بن البكير الليثي الكناني.
ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي.
مهجع بن صالح العكي.
وثمانية من الأنصار هم:
سعد بن خيثمة الأوسي.
مبشر بن عبد المنذر العمري الأوسي.
يزيد بن الحارث الخزرجي.
عمير بن الحمام السَلَمي الخزرجي.
رافع بن المعلى الزرقي الخزرجي.
حارث بن سراقة النجاري الخزرجي.
معوذ بن الحارث النجاري الخزرجي.
عوف بن الحارث النجاري الخزرجي.
ومكث
الرسول صلى الله عليه وسلم في بدرٍ ثلاثة أيام بعد المعركة، ودُفن من
استشهد من المسلمين في أرض المعركة، ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم على
القتلى من قريش فقال: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني
الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس»، ثم أمر بهم،
فسحبوا إلى قليب من قلب (آبار) بدر فطُرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يا
عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم
ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا»، فقال عمر بن الخطاب: «يا رسول
الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟»، فقال: «والذي نفس محمد بيده، ما أنتم
بأسمع لما أقول منهم».
قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً، ونقيمة، وحسرة وندماً
وصول خبر النصر إلى المدينة
ولما
تم النصر أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة
ليبشرا المسلمين في المدينة بانتصار المسلمين وهزيمة قريش.
ولما وصلت
أخبار هذه الغزوة إلى المدينة المنورة اختلطت بعض المشاعر في قلوب
المؤمنين؛ مشاعر الفرح والسرور بهذا النصر العظيم بمشاعر الندم لعدم
المشاركة في هذا النصر العظيم، والتفّ المسلمون حول البشير الذي جاء
بالخبر، يطمئِنُّون على النبي الذي لم يرجع مباشرةً من بدر، فقد مكث في أرض
بدر ثلاثة أيام كعادة الجيوش المنتصرة، روي عن أنس أنه قال: «إنه صلى الله
عليه وسلم كان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعرصة ثلاث ليال»، وبعد ذلك رجع
إلى المدينة المنورة، واستقبلت وفود التهنئة الرسول بمنتهى الترحاب والفرح
والسرور، وفي الوقت نفسه جاء الكثير من الأنصار يعتذرون من عدم مشاركتهم في
هذه الغزوة، وهم لم يكونوا يعرفون أن هناك قتالاً، ومن بينهم أُسيد بن
حضير الذي جاء إلى النبي وقال: "يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقرَّ
عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًّا،
ولكن ظننت أنها عيرٌ، ولو ظننت أنه عدو ما تخلّفت". فقال له "صَدَقْتَ".
وكان
اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة، حتى
إنهم أشاعوا خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رأي أحد المنافقين
زيد بن حارثة راكبًا القَصْوَاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لقد قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء
فَلاّ.
فلما بلغ الرسولان أحاط بهما المسلمون، وأخذوا يسمعون منهما
الخبر، حتى تأكد لديهم فتح المسلميـن، فَعَمَّت البهجة والسرور، واهتزت
أرجاء المدينة تهليلًا وتكبيرًا، وتقدم رءوس المسلمين الذين كانوا بالمدينة
إلى طريق بدر، ليهنئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح المبين.
قال أسامة بن زيد: أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان.
ولما وصل صلى الله عليه وسلم إلى
الرَّوْحَاء لقيه رءوس المسلمين الذين كانوا قد خرجوا للتهنئة والاستقبال
حين سمعوا بشارة الفتح من الرسولين يهنئونه بالفتح. وحينئذ قال لهم
سَلَمَة بن سلامة:ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لَقِينا إلا عجائز
صُلْعًا كالْبُدْن المعُقَّلَةِ، فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ثم قال: يا بن أخي، أولئك الملأ.
وصول خبر الهزيمة إلى مكة
كان أول من وصل إلى مكة من المشركين الْحَيْسُمان بن عبد الله الخزاعي، وهو مَنْ أبلغ الخبر إلى أهل مكة.
قالوا: "ما وراءك؟"
قال:
"قُتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف،
في رجال من الزعماء سماهم"، فلما أخذ يعد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو
قاعد في الحِجْر: والله إن يعقل هذا، فاسألوه عنى. قالوا: ما فعل
صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذا جالس في الحجر، وقد والله رأيت أباه
وأخاه حين قتلا.
ووقع الخبر كالصاعقة على أهل قريش، ولم يصدِّقوا ما
قال لهم الحَيْسُمان، وانتظروا رسولاً آخر يخبرهم بالخبر اليقين، فلا يُعقل
أن يُقتل كل هؤلاء وفي يوم واحد.
ثم جاء أبو سفيان بن الحارث بن عبد
المطلب، ابن عم الرسول، فأول من رآه أبو لهب وهو لم يخرج في غزوة بدر فقال
أبو لهب لأبي سفيان: "هلم إليَّ؛ فعندك لعمري الخبر".
قال أبو رافع
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلامًا للعباس وكان الإسلام قد
دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس
يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله
وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزًا، وكنت رجلًا ضعيفًا أعمل الأقداح،
أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أم الفضل
جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس
على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهرى، فبينما هو جالس إذ قال الناس:
هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال له أبو لهب: هلم
إلىَّ، فعندك لعمرى الخبر، قال: فجلس إليه،والناس قيام عليه. فقال:
يابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم
فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا وايم الله مع
ذلك ما لمت الناس، لَقِينَا رجال بيض على خيل بُلْق بين السماء والأرض،
والله ما تُلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب
الحجرة بيدى، ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده،
فضرب بها وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملنى فضرب بى الأرض، ثم برك علىّ
يضربني، وكنت رجلًا ضعيفًا فقامت أم الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة
فأخذته، فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن
غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه
الله بالعدسة [وهي قرحة تتشاءم بها العرب] فقتلته، فتركه بنوه، وبقى
ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه
حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه.
ومن
الطرائف أن الأسود بن المطلب أصيب ثلاثة من أبنائه يوم بدر، وكان يحب أن
يبكي عليهم، وكان ضرير البصر، فسمع ليلًا صوت نائحة، فبعث غلامه، وقال:
انظر هل أحل النَّحْبُ؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي
حكيمة ابنه فإن جوفي قد احترق، فرجع الغلام وقال: إنما هي امرأة تبكى على
بعير لها أضلته، فلم يتمالك الأسود نفسه وقال:
أتبكي أن يضل لها بعير
ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن
على بدر تقاصرت الجدود
على بدر سراة بني هصيص
ومخزوم ورهط أبي الوليد
وبكى إن بكيت على عقيل
وبكى حارثا أسد الأسود
وبكيهم ولا تسمى جميعاً
وما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال
ولولا يوم بدر لم يسودوا
نتائج انتصار المسلمين في معركة بدر
كانت
غزوة بدر من أعظم الغزوات في تاريخ المسلمين، وهي كما سماها رب العالمين
يوم الفرقان، فقد كان لغزوة بدر أثرٌ كبيرٌ، ليس فقط على المدينة المنورة
أو مكة المكرمة، بل على الجزيرة العربية كلها وعلى العالم بصفة عامة.
وكان
الميلاد الحقيقي للدولة الاسلامية بعد غزوة بدر، وهذا هو الأثر الأول
والأعظم لهذه الغزوة العظيمة؛ الميلاد الحقيقي للأمة الإسلامية والدولة
الاسلامية بقيادة الرسول، وعلي اكتاف الجيش الإسلامي الذي ولد في هذه
الغزوة قامت دولة الاسلام، وقد عرف صحابة النبي صفات الأمة المنتصرة وصفات
الجيش المنتصر.
وكان من نتائج غزوة بدر أن قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين في المدينة وما جاورها.
وقد
أصبح للمسلمين هَيْبَة في الجزيرة العربية بكاملها، وبدأ أهل الجزيرة
العربية جميعًا يتساءلون عن الإسلام وعن المسلمين، فقد بدأ يسأل كثيرٌ من
الناس عن الإسلام وعن المسلمين. ولا شك أن هذا الأمر فتح للإسلام قلوبًا
كثيرة، فكان هذا الأثر هو أول الآثار وأعظمها، وبدأ الرسول ينظم دولته
كدولة مستقلة، لها كيانها ولها احترامها ولها مكانتها العظيمة في داخل
الجزيرة العربية.
وقبل بدر كان تقسيم الطوائف السكانية داخل المدينة
المنورة: مسلمين ومشركين ويهود، لكن الآن وبعد بدر تغيُّر الوضع كثيرًا،
فأصبحت الطوائف مسلمين ويهود، وتغيّرت شريحة المشركين فأصبحوا إما مسلمين
عن اقتناعٍ بالإسلام، وإما منافقين.
وعلى رأس هذه الطائفة من المنافقين
كان الرجل الذي يكره رسول الله كراهية شديدة، وهو عبد الله بن أُبيّ بن
سلول؛ فبعد أن كان زعيمًا لمشركي المدينة أصبح زعيمًا للمنافقين في المدينة
المنورة، وقد جاء هؤلاء المنافقون جميعًا بعد بدر يعلنون إسلامهم ظاهرًا
وهم يبطنون الكفر في داخلهم.
وفي الوقت الذي كان لغزوة بدر آثارها
الإيجابية على المسلمين كان هناك أثرٌ سلبيٌّ على المشركين في مكة الذين
فجعوا بهذا الحدث الضخم، فكانت بدر ضربة قاسمة هائلة لقريش، وهزة عظيمة
جدًّا لكبرياء وكرامة وعزة قريش؛ فقد كانت أمنع قبيلة في العرب وأعز قبيلة،
وصاحبة التاريخ المجيد، وكانت تحظى باحترام كل القبائل العربية، ولكن بعد
بدر اهتزَّت مكانتها واختلف وضعها كثيرًا عن ذي قبل، فقد قُتل سبعون من
المشركين ممن شاركوا في بدر، وأُسر سبعون آخرون.
وترتَّب على انتصار المسلمين في بدر أزمات كثيرة للمشركين في مكة:
1- فقد فَقَدت قريش مكانتها بين العرب واهتزت هيبتها تمامًا.
2- فلا يوجد بيت في قريش إلا وقد أصيب منه واحد أو اثنان.
3-
وهناك أيضاً المشكلة الاقتصادية، حيث كانت قريش تعتمد على التجارة في رحلة
الصيف ورحلة الشتاء، وتمر إحدى الرحلتين على المدينة في طريقها إلى الشام،
ووجود دولة في المدينة المنورة بهذه القوة بحيث إنها تسيطر على المداخل
والمخارج المؤدية إلى الشام، ولو مُنعت التجارة مع الشام سقطت التجارة
كُلِّيَّة في مكة، وستتأثر كذلك تجارة اليمن؛ لأنهم كانوا يأتون من الشام
بما يبيعونه في اليمن، ومن اليمن بما يبيعونه في الشام، وهكذا.
وقد
خاف الأعراب خوفاً شديداً بسبب قيام دولةً للإسلام في المدينة المنورة، حيث
ستقوم هذه الدولة بالطّبع على القِيَم والمبادئ الإسلاميّة التي ستمنعهم
من القيام بما اعتادوا عليه من النّهب والسّلب التي تعدّ مصدر رزقهم
وقوّتهم، ومن هنا كانت العدواة من قِبلهم أشدّ، ورغم أنّ المسلمين حقّقوا
النصر في غزوة بدر إلّا أنّهم أصبحوا في خطرٍ أكبر من كلّ من حولهم من
الوثنيّين واليهود، وعلى الرغم من ذلك فإن مَن يريد أن يغزو المدينة من هذه
القبائل فإنّه يفكّر مرّاتٍ ومرّات، فها هي قريش على عددها وعدّتها قد
هُزمت من قبلهم هزيمة كبيرة.

إرسال تعليق