محاولة أخيرة لإيقاف القتال
وقد أراد النبي صلي الله عليه وسلم أن يستنفد كل وسائل الصلح
والسلام قبل أن يخوض المعركة، فلما نَزَلَ الجيش الوثني أرض بدر أَرْسَلَ
رسولُ الله عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ إلى قُرَيْشٍ، وقد كان سفيرهم في
الجاهلية، فنصحهم عمر بالرجوع إلى ديارهم حقنًا للدماء.. فتلقفها حَكِيمُ
بْنُ حِزَامٍ أحد عقلاء المشركين، فقال: قد عَرَضَ نصْفًا، فَاقْبَلُوهُ،
والله لا تُنْصَرُونَ عليه بعد ما عرض من النّصْفِ. فقال أبو جهل: والله لا
نرجع بعد أن أمكننا الله منهم
وقال النبي في هذا اليوم أيضًا:
"مَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ
أَسَدٍ فَلا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ
الْمُطّلِبِ، فَلا يَقْتُلْهُ؛ فَإِنّهُ إنما أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا". وقد
كان العباس في مكة بمنزلة قلم المخابرات للدولة الإسلامية، وقد كان مسلمًا
يكتم إيمانه.. أما أبو الْبَخْتَرِي فقد كان أكف المشركين عن المسلمين، بل
ساند المسلمين في محنتهم أيام اعتقالهم في الشِّعب، وكان ممن سعى في نقض
صحيفة المقاطعة الظالمة، ومن ثَمَّ كانت له يدٌ على المسلمين، فأرد النبي
يوم بدر أن يكرمه.
روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال لأصحابه: إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد
أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى أحدًا من بني هاشم فلا يقتله،
ومن لقى أبا البَخْتَرِيّ بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب
فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا، فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل
آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه ـ
أو لألجمنه ـ بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن
الخطاب: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالسيف، فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد
نافق.
فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت
يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عنى الشهادة، فقتل يوم اليمامة
شهيدًا.
ولكن أبا البختري قتل على رغم هذا كله، وذلك أن
المُجَذَّر بن زياد الْبَلَوِىّ لقيه في المعركة ومعه زميل له، يقاتلان
سويًا، فقال المجذر: يا أبا البخترى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
نهانا عن قتلك، فقال: وزميلي؟ فقال المجذر: لا والله ما نحن بتاركي
زميلك، فقال:والله إذن لأموتن أنا وهو جميعًا، ثم اقتتلا، فاضطر المجذر
إلى قتله.
معركة بدر ....... يوم الفرقان
بدأت المعركة بخروج رجل من جيش قريش
هو الأسود بن عبد الأسد المخزومي قائلاً: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو
لأهدمنه، أو لأموتن دونه»، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه
حمزة فأطَنَّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخُب رجلُه
دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تُبَرَّ يمينُه،
ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض.
فنهض
ثلاثة من الزعماء بأنفسهم يطلبون المبارزة مع ثلاثة من المسلمين، وكانت هذه
عادة في الحروب القديمة، أن يتبارز أفراد قلائل كنوع من الاستعراض، ثم
يبدأ الهجوم العام الشامل بعد ذلك.
خرج من جيش قريش ثلاثة رجال من عائلة
واحدة هم: عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة،
وطلبوا المبارزة، والعجيب الذي يلفت النظر هو قيام عتبة بن ربيعة، فقد كان
من الحكماء المعدودين في قريش، وكان من أصحاب الرأي السديد في أمور كثيرة،
وكان يدعو قريشًا أن تخلي بين رسول الله وبين العرب، ولا يقاتلوه، وكان
يقول إن هذا الرجل ليس بشاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا بكاذب، وكان يرفض فكرة
القتال في بدر بعد إفلات القافلة، وكان إلى آخر لحظة يجادل المشركين في
قضية القتال، لدرجة أن الرسول نظر إليه من بعيد قبل بدء المعركة، وكان عتبة
يركب جملاً أحمر، فقال لأصحابه: "إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ
خَيْرٌ، فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ
يَرْشُدُوا".
فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم: عوف ومعوذ ابنا
الحارث وعبد الله بن رواحة، فقالوا لهم: «من أنتم؟»، قالوا: «رهط من
الأنصار»، قالوا: «أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا»، ثم
نادى مناديهم: «يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا»، فقال الرسول صلى
الله عليه وسلم: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي»، وبارز
علي شيبة فقتله، وبارز حمزة عتبة وقتله، وبارز عبيدة الوليد فضرب كل واحد
منهما الآخر بضربة موجعة، فكرَّ حمزة وعلي على الوليد فقتلاه، وحملا عبيدة
وأتيا به إلى الرسول محمد، ولكن ما لبث أن تُوفّي متأثراً من جراحته.
وفي
هؤلاء الستة نزلت هذه الآيات من سورة الحج:{ هَذَانِ خَصْمَانِ
اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ
مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ
مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
(21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا
فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ
الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ
مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)}
ولما شاهد
الكفار قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة غضبوا وهجموا على المسلمين هجومًا
عامًا، فصمد وثبت له المسلمون، وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبل
كما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان شعارُ المسلمين: «أَحَد أَحَد».
ثم
أمرهم الرسول بالهجوم وواعدًا من يُقتل صابرًا محتسبًا بأن له الجنة، ومما
زاد في نشاط المسلمين واندفاعهم في القتال سماعهم قول الرسول:{ سَيُهْزَمُ
الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ }
جنود الله عزّ وجل التي شاركت في المعركة
تحقق
النصر يوم بدر بفضل من الله، يقول تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ
بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ
عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]. فهذا أسلوب قصر
يوضح أن النصر لا يكون إلا من عند الله، فالنصر يكون عن طريق الله، وهو لا
ينزل إلا على عباد الله المؤمنين، فالنصر ربما يأتي من حيث لا يتوقع
المسلمون، وأحيانًا يأتي النصر من حيث يكره المسلمون، وقد يأتي النصر
بطريقة تثبت أن النصر من عند الله، وهناك جنود لله عز وجل شاركت في تحقيق
النصر {وما يعلم جنود ربك إلا هو } ومنهم:
1- قلل الله تعالى
المشركين في أعين المسلمين و أكثر المسلمين في أعين المشركين، فقد كان
الرسول قد رأى في منامه ليلة اليوم الذي التقى فيه الجيشان، رأى المشركين
عددهم قليل، وقد قص رؤياه على أصحابه فاستبشروا خيرًا، جاء قال تعالي:{
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ
كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ
سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ
إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي
أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)} ووجه الحكمة في تقليل المسلمين في أعين
المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلاً أقدموا على قتالهم غير خائفين ولا
مبالين بهم، ولا آخذين الحذر منهم، فلا يقاتلون بجد واستعداد ويقظة وتحرز،
ثم إذا ما التحموا بالقتال فعلاً تفجؤهم الكثرة فيبهتون ويهابون، وتُكسَر
شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، فيكون ذلك من أسباب خذلانهم
وانتصار المسلمين عليهم.
وقال عبد الله بن مسعود: قلت لرجل إلى جنبي:
أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرون
المشركين لا يتجاوزون المائة، وكذلك رأى المشركون المسلمين عددًا قليلاً لا
يتجاوز المائة، وكان أبو جهل يقول عن عدد المسلمين: إنما هم أكلة جزور، أي
أن المسلمين لا يتجاوزون المائة أو أقل.
2- ألقى الله تعالى في
قلوب الكفار الرعب في غزوة بدر، وكان الرعب أحد جنود الرحمن في يوم بدر،
وكان الرعب سببًا من أسباب النصر؛ قال تعالى عن جيش المشركين في يوم بدر في
سورة الأنفال: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}
[الأنفال: 12].
فقد كان جيش الكافرين ثلاثة أضعاف المسلمين يوم بدر، ولكن الله ألقى الرعب في قلوب الكافرين.
وألقى
الله الطمأنينة والأمان الذي يصل إلى حدِّ في قلوب المؤمنين، يقول تعالى:
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ
الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11].
3- أنزل الملائكة تقاتل معهم أعداءهم،
وأن إمداده للمؤمنين بالملائكة أمر قطعي ثابت لا شك فيه، يقول تعالى عن يوم
بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9].
مردفين أيْ: متتابعين يردف بعضهم بعضًا، أو عونًا لكم. يقول الربيع بن أنس
-وهو من التابعين-: "أمدَّ الله المؤمنين بألفٍ، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم
صاروا خمسة آلاف".
ويقول تعالى في سورة آل عمران يصف موقعة بدر: يقول
تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ
لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ
بِثَلاَثَةِ آَلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ
رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل
عمران: 123- 125]. و"مسوِّمين" أي: مُعلَّمين بعلامات. وهذا عدد كبير من
الملائكة، وكان يكفي مَلَك واحد، ولكن نزول هذا العدد الكبير لأجل إدخال
السرور والفرح على المؤمنين
والملائكة التي اشتركت في يوم بدر هم
مجموعة منتقاة، فهم مجموعة من أفضل الملائكة، روى البخاري عن رفاعة بن رافع
قال: جاء جبريل إلى النبي فقال: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟
قال: "مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ"، أو كلمة نحوها. قال: "وَكَذَلِكَ
مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ".
وهذا رسول الله يصف للصحابة
نزول الملائكة من السماء تقاتل مع المسلمين؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما،
أن النبي قال يوم بدر: "هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ
أَدَاةُ الْحَرْبِ"، فجبريل بنفسه نزل يشارك في الموقعة، وأتى وهو يمسك
بلجام فرسه، والتراب يتصاعد من حول الفرس، ومن ورائه ألف من الملائكة ترفع
سيوفها وعليها عدة الحرب.
والصحابة سمعوا عن الملائكة من الرسول، ومنهم
من سمع الملائكة بنفسه، أو رآه رأي العين؛ روى مسلم عن ابن عباس: بينا رجل
من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه
وصوت الفارس يقول: أقدم حَيْزُوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا.
قال: فنظر إليه فإذا هو قد حُطِم وشُقَّ وجهه كضربة السوط، فاخضرَّ ذلك
أجمعُ. فجاء الأنصاري فحدَّث ذلك رسول الله، قال: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ
مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَة"، وكانت ضربات الملائكة يوم بدر تترك أثرًا
لونه أخضر على جسد الكافرين.
وعن أبي داود المازني وكان شهد بدرًا قال:
"إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصلَ
إليه سيفي، فعرفتُ أنه قد قتله غيري".
وقال الرسول صلى الله عليه
وسلم يوم بدر: «هذا جبريل آخذُ برأس فرسه عليه أداة الحرب»، وروي عن علي بن
أبي طالب أنه قال: «فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب
أسيرًا، فقال العباس بن عبد المطلب: «يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني،
لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم»،
فقال الأنصاري: «أنا أسرته يا رسول الله»، فقال: «اسكت فقد أيدك الله بملك
كريم».
4- والرؤيا يراها المسلمون تبشرهم بنصر الله، ويراها
المشركون فتحطم معنوياتهم، وتنزل اليأس والهزيمة في نفوسهم، وهذه رؤيا رآها
جُهَيْم بن الصَّلْت بن المطلب؛ فقبْل غزوة بدر رأى في منامه حيث نام
فأغفى، ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف عليَّ آنفًا؟
فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقف عليَّ فارس آنفًا. فقال: قُتِل أبو
جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختريّ وأمية بن خلف. فعدَّ أشرافًا من كفار
قريش. والرؤيا انتشرت في مكة كلها، حتى وصلت إلى أبي جهل، فقال: "وهذا
أيضًا نبيٌّ من بني عبد المطلب، سيعلم غدًا مَن المقتول إنْ نحن التقينا".
وقد
رأت عاتكة بنت عبد المطلب وهي عمة رسول الله، وذلك قَبْل قدوم ضمضم بن
عمرو الغفاري إلى مكة بثلاث ليال، رأت رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس
بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني،
وخشيت أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتم عليَّ ما أحدثك. قال لها:
وما رأيتِ؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ
بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غُدُر (أهل مكة) لمصارعكم في ثلاث؛ فأرى
الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله
مَثَلَ به بعيرُه على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته: ألا انفروا يا
آل غدر لمصارعكم في ثلاث؛ ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها،
ثم أخذ صخرة فأرْسَلَها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت،
فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة. فقال
العباس: والله إن هذه لرؤيا رأيت، فاكتميها ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج
العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه
إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال
العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود، يتحدثون
برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك
فأقبل إلينا. قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم. فقال لي أبو جهل: يا بني
عبد المطلب، متى حَدَّثت فيكم هذه النبيَّة؟، قلت: وما ذاك؟ فأراد العباس
أن ينكر، قال أبو جهل: الرؤيا التي رأت عاتكة؟، قال العباس: وما رأت؟
قال
أبو جهل: "يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبَّأ
نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فإن يكُ ما قالت
حقًّا فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابًا أنكم
أكذب أهل بيت في العرب".
وقبل أن تمرَّ ثلاثة أيام جاء ضمضم بن عمرو
الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جَدَّع بعيره، وحوَّل
رحله، وشَقَّ قميصه وهو يقول: "يا معشر قريش، اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالكم
مع أبي سفيان قد عَرَض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوثَ
الغوثَ"، فتحققت رؤيا عاتكة، وخرج جيش مكة.
وعلى الجانب الآخر فنرى
رُؤَى المؤمنين تبشرهم باقتراب وعد الله لهم بالنصر، وكسر شوكة الكافرين؛
ففي ليلة بدر يرى الرسول رؤيا توضح قلة عدد المشركين في المعركة، وما رآه
المسلمون قبل نشوب القتال: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً
وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ
وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال:
43].
5- اجتهد الشيطان كل الاجتهاد حتى يقع القتال فلم يكتفِ
بالوسوسة، ولكن جاء في صورة سُراقة بن مالك سيِّد بني كِنانة ليجيرهم من
بني بكر، فقد خرج معهم إلى بدر، وقال لهم: إني جار لكم. فلما رأى الملائكة
تقاتل في ميدان المعركة وإبليس يعرف الملائكة تمام المعرفة من قبلُ فرَّ من
المعركة، فلما رآه أحد المشركين وهو الحارث بن هشام يفر من المعركة، قال
له: إلى أين يا سراقة؟ ألم تقل لنا أنك جار لنا؟ فقال له إبليس: إني أرى ما
لا ترون، إني أخاف الله رب العالمين.
يقول تعالى في سورة إبراهيم:
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ
وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي
عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا
أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ
إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].
6-
وقد أخذ رسول الله يوم بدر ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة
في ميسرة القوم، وبحصاة بين أظهرهم وقال: "شاهت الوجوه"؛ فانهزموا، فذلك
قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ
مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17]، أي
أن من أخذ الحصى إلى مرماه الحقيقي هو الله عزَّ وجلَّ، إذ ليس في وسع أحد
من البشر أن يرمي كفًّا من الحصى إلى وجوه جيش، فلا يبقى فيهم عين إلا
ويصيبها منه شيء.
وبدأت أمارات الفشل والاضطراب تظهر في صفوف قريش،
واقتربت المعركة من نهايتها، وبدأت جموع قريش تفِرُّ وتنسحب، وانطلق
المسلمون يأسرون ويقتلون حتى تمت على قريش الهزيمة.

إرسال تعليق