تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

في الطريق إلى بدر



النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه

نقلت الاستخبارات الإسلامية خبر هروب القافلة، كما نقلت خبر أن جيش مكة على مقربة من بدر.
أصبح الوضع الآن من الخطورة بمكان، فإعداد المسلمين كان قويًّا جدًّا بالنسبة لقافلة تجارية، لكنه ضعيف جدًّا بالنسبة لجيش نظاميّ خرج مستعدًّا للقتال، وأصبح أمام المسلمين أحد خيارين: الرجوع إلى المدينة وتجنُّب القتال، أو التقدم إلى بدر والصدام المروع.
كان خيار الرجوع له آثار سلبية كبيرة؛ لأنه سيهزُّ صورة المسلمين جدًّا، وسيضيِّع مكاسب سرية نخلة، وسيشجع الكفار على التمادي في الحرب على المسلمين، لذلك قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستشير الجنود والقادة.

عقد الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسًا استشاريًّا كبيرًا، تبادل فيه الرأي ليس فقط مع قادة الجيش ولكن مع عامة الجيش، فقام أبو بكر الصديق وأيد قرار الحرب ضد، وكذلك قام عُمَر بن الخطاب فقال نفس الكلام، ثم قام المقداد بن عمرو وقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لاَ نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ حَتَّى تَبْلُغَهُ".
وقد روي عبد الله بن مسعود هذا الموقف فقال: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحبُّ إليَّ مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على أعدائه فقال: "لا نقول كما قال قوم موسى: { قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك"، فرأيت الرسول صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّه». سر رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا بكلام المقداد، ومن قبله بكلام أبي بكر وعمر، لكنه ما زال يطلب الاستشارة ويقول: "أشيروا عليَّ أيها الناس".
لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم رأي الأنصار بعد، فقد أعلنوا قبل ذلك موافقتهم على الخروج معه إلى القافلة، لكن الآن هناك جيش كبير، والرسول يعلم أنه لو أمر الأنصار لأطاعوه، لكنه يذكر بيعة العقبة الثانية، التي بايع الأنصار فيها على نصرة الرسول إذا قدم إليهم في المدينة، ولم يبايعوه على الحرب خارج المدينة، وكان الانصار يمثلون ثلثا جيش المسلمين.

وهنا قام سعد بن معاذ وقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال رسول الله بصراحة: "أجَلْ".
فقال سعد: "فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَّا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّنَا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ".
ثم قال: "لَعَلَّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُونَ الأَنْصَارَ تَرَى حَقًّا عَلَيْهَا أَنْ لاَ تَنْصُرَكَ إِلاَّ فِي دِيَارِهِمْ، وَإِنِّي أَقُولُ عَنِ الأَنْصَارِ وَأُجِيبُ عَنْهُمْ، فَاظْعَنْ حَيْثُ شِئْتَ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَأَعْطِنَا مَا شِئْتَ، وَمَا أَخَذْتَ مِنَّا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ، وَمَا أَمَرْتَ فِينَا مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنُا تَبَعٌ لِأَمْرِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غُمْدَانَ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ". وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم للناس في حماسة: "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَوَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ".

في الطريق إلى بدر

ارتحل الرسول صلى الله عليه وسلم من "ذفران" فسلك على ثناياً يقال لها الأصافر، ثم انحط إلى بلد يقال لها الدبة، ثم نزل قريباً من بدر، ثم ركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له سفيان الضمري الكناني، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: «لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟»، فقال له الرسول: «إذا أخبرتنا أخبرناك»، قال: «أذاك بذاك؟»، قال: «نعم»، قال الشيخ: «فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم)، وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي فيه قريش)»، فلما فرغ من خبره قال: «ممن أنتما؟»، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: « نحن من ماء»، ثم انصرف عنه والشيخ يقول: «ما من ماء، أمن ماء العراق؟».

وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عليًّا بن أبي طالب والزّبيرَ بن العوام وسعداً بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر، ليأتوا له بالأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين لقريش يستقيان للجيش، فأتوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسألوهما، فقالا: «نحن سقاة قريش؛ بعثونا لنسقيهم من الماء»، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: «نحن لأبي سفيان»، فتركوهما، وركع الرسول، وسجد سجدتين، ثم سلَّم، فقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش»، وقال لهما: «أخبراني عن جيش قريش»، فقالا: «هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى»، فقال لهما: «كم القوم؟»، قالا: «كثير»، قال: «ما عدتهم؟»، قالا: «لا ندري»، قال: «كم ينحرون كل يوم؟»، قالا: «يومًا تسعًا ويومًا عشرًا»، فقال الرسول: «القوم ما بين التسعمائة والألف»، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟»، فذكرا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد، فأقبل الرسول إلى أصحابه قائلاً: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها».
أخذ رسول الله جيشه، واتجه إلى أرض بدر قبل عدوه؛ ليختار الأرض التي ستتم عليها الموقعة، وليضع جيشه في مواقع إستراتيجية داخل أرض الموقعة. واختار الرسول مكانًا للنزول فيه في أرض بدر، واستقر رسول الله في هذا المكان، وكان ذلك ليلة بدر.

قصة الحباب بن المنذر وبناء العريش

جاء إلى رسول الله الصحابي الحُبَاب بن المنذر الأنصاري، وهو من الخبراء العسكريين المعروفين بدقة الرأي وعمق النظرة، سأل الحباب رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، فقال: "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ"، قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونغوِّر (أي نخرب) ما وراءه من القُلُب (جمع قليب، أي آبار بدر)، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم؛ فنشرب ولا يشربون، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم دون تردد: "لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ". وبالفعل غيَّر مكانه الأول، ونزل في المكان الذي أشار به الحباب.
وبعد نزول الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين على أدنى ماء بدر من قريش، اقترح سعد بن معاذ على الرسول بناء عريش له يكون مقرّاً لقيادته ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله سعد في اقتراحه: «يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك، ويجاهدون معك»، فأثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له بخير، ثم بنى المسلمون العريش على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر الصديق، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولم ينعزل الرسول صلى الله عليه وسلم عن جيشه، ولكنه قاتل معهم بنفسه بل كان أقربهم إلى العدو كما يقول علي بن أبي طالب كما في رواية الإمام أحمد: "لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله، وكان من أشد الناس، ما كان -أو لم يكن- أحدٌ أقرب إلى المشركين منه".

الليلة التي سبقت معركة بدر

وفي رواية مسلم أن عمر بن الخطاب، ذكر أن الرسول مرَّ مع المسلمين على أرض بدر ليلة المعركة، وعرَّفهم أين يموت كل طاغية من طواغيت مكة، وكان يقول: "هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله". فما أخطأ رجلٌ الموضع الذي حدده رسول الله.
وفي ليلة بدر حدث أمران مهمان، وهما النعاس الذي غلب المسلمين في ليلة بدر، والمطر الذي نزل في نفس الليلة.
أما النعاس فعجيب، فالمسلمون على بُعد خطوات من الجيش المكي الكبير، ومع ذلك يصلون إلى حالة من السكينة وهدوء الأعصاب التي تجعلهم ينامون في هدوء. ففي هذه الليلة نام الجميع اطمئنانًا، والوحيد الذي لم ينم كان رسول الله فقد ظل طوال الليل يدعو ويناجي ربه، قال علي بن أبي طالب: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح».

وعلى الجانب الآخر كان جيش مكة لا يعرف للنوم سبيلاً، قَلِق، حيران، فغدًا موقعة مرعبة بالنسبة له. فقد جاء في سورة الأنفال: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } [الأنفال: 11]، قال القرطبي: «وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبًا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، وكأن الله ربط جأشهم».
ونزل المطر في ليلة بدر على أرض بدر، في هذه المساحة الصغيرة، ولعله من سحابة واحدة، ولكنه نزل هينًا لطيفًا خفيفًا على المسلمين، ونزل وابلًا شديدًا معوِّقًا على الكافرين. وشرب المسلمون واغتسلوا وتماسك الرمل في معسكرهم فثبتت أقدامهم، وذهبت عنهم وساوس الشيطان والتي كانت قد أتت إلى بعضهم بسبب الجنابة وقلة الماء، ولم تكن آية التيمم قد نزلت بعدُ {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]. أما الكفار فقد كوَّن المطر عندهم مخاضة كبيرة منعت تقدمهم، وأعاقت حركتهم.

وفي صباح يوم بدر دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أمام الناس جميعًا ليذكرهم بالله الذي بيده النصر والتمكين، فقال: "اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلاَئِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ أَحْنِهِمُ الْغَدَاةَ".
وأثناء القتال كان شديد الابتهال إلى ربه، كان يرفع يده إلى السماء ويستقبل القبلة ويقول: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ".
واستمر في دعائه وهو رافع يده حتى سقط رداؤه من على كتفيه، حتى أتاه الصديق فرفع الرداء من على الأرض، وألقاه على كتف الرسول وقال له برقة، وهو يمسك بكتفيه: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربّك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك.

وكان أبو جهل أيضاً يدعو، فقد كان يقول: "اللهم أقطعَنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه، فأَحِنْه الغداة، اللهم أيُّنا كان أحبَّ إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم". فهو الآن يدعو وبصوت يسمعه الجميع أن ينصر اللهُ الأحبَّ إليه، فنزلت في ذلك الآية: { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}.

الاستعداد للقتال في الجيشين

وبدأ الرسول بالتخطيط للمعركة، فصفَّ المسلمين فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبل أعداؤه الشمس، أي جعل الشمس في ظهر جيشه وفي وجه أعدائه حتى تؤذي أشعتها أبصارهم، وكانت هذه أول مرة يحارب فيها العرب في صفوف، وكان رسول الله حريصًا على جعل الصفوف متساوية ومتراصة بنظام ودقة عالية.
وبدأ الرسول يلقي على جيشه بعض الأوامر العسكرية لتنظيم العملية الحربية، ومنها أنه أمرهم برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم، وليس وهم على بعد كبير، فقد قال: «إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل»، كما نهى عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف، قال: «ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم»، كما أمر الصحابةَ بالاقتصاد في الرمي، قال: «واسْتَبْقُوا نَبْلَكم».
وأثناء تسوية الصف وجد الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة متقدمًا على غيره من الصحابة في الصف، غير مستوٍ في مكانه، فجاء إليه رسول الله وكان يمسك بيده قدحًا -القدح هو السهم بدون نصل- فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصحابي وكان اسمه سَوَاد بن غَزِيَّة، ضربه بالقدح ضربة خفيفة في بطنه وقال له: "استوِ يا سواد"، فقال: «يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني»، فكشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد»، فاعتنقه سواد فقبّل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟»، قال: «يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك»، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بخير.

وقبل وصول قريش إلى بدر بعثت عمير بن وهب الجمحي، للتعرف على مدى قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: «ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد»، فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال: «ما وجدت شيئاً، ولكني قد رأيت يا معشر قريشٍ البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجلٌ منهم حتى يَقتلَ رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم»، ولكن أبا جهلٍ رفَضَ العودة إلى مكة بدون قتال وأصر على المضي لقتال المسلمين.
ولما وصل جيش مكة إلى بدر دب فيهم الخلاف وتزعزعت صفوفهم الداخلية، فعن ابن عباس أنه قال: لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر، فقال: «إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا»، وكان عتبة يقول: «يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا»، فقال أبو جهل: «انتفخ والله سحره (أي جَبُنَ) حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور لو قد التقينا»، فقال عتبة: "ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي وكأن وجههم السيوف".

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب