نسبه
هو أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عديّ بن
كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشَم بن
الخزرج، الأنصاريّ، الخزرجيّ، ثم الجشميّ.
إسلامه رضي الله عنه
أسلم
وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد بيعة العقبة الثانية، ولما أسلم تولّى معاذ
مع ثعلبة بن عنمة وعبد الله بن أنيس تكسير أصنام بني سلمة، ولما هاجر النبي
صلى الله عليه وسلم، آخى بين معاذ وعبد الله بن مسعود، وقد شهد معاذ بن
جبل غزوة بدر وعمره 20 أو 21 سنة، ثم شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم باقي
المشاهد كلها،ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة في رمضان سنة 8هـ،
استخلف عليها عتاب بن أسيد يصلي بهم، وخلف معاذًا يُقرئهم القرآن، ويفقههم
في دينهم؛ كما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن بعد غزوة تبوك
وشيعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب.
وعن عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال:
لما بعثه رسول الله إلى اليمن خرج معه رسول الله يوصيه، ومعاذ بن جبل راكب
ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: "يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني
بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري"، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول
الله، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: "إن أولى الناس بي المتقون
من كانوا وحيث كانوا".
وقد لزم معاذ بن جبل النبي صلى الله عليه وسلم
منذ هجرته إلى المدينة، فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الإسلام حتى صار أقرأ
الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على
عهد رسول الله.
عن الصُّنَابحي، عن معاذ بن جبل أنه قال: أخذ رسول الله
يومًا بيدي، فقال لي: "يا معاذ، والله إني لأحبك". فقلت: بأبي أنت وأمي،
والله إني لأحبك. قال: "يا معاذ، إني أوصيك، لا تدعَنَّ أن تقول دبر كل
صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
وعن عبد الله بن عمرو
بن العاص، أن معاذ بن جبل أراد سفرًا فقال: يا نبي الله، أوصني. قال: "اعبد
الله لا تشرك به شيئًا". قال: يا نبي الله، زدني. قال: "إذا أسأت فأحسن".
قال: يا رسول الله، زدني. قال: "استقم وليحسن خلقك".
ثم عاد وقد توفي
النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الشام، فشهد الفتح الإسلامي للشام،
وشارك في معركة اليرموك، قال محمد بن كعب القرظي في سبب خروجه إلى الشام:
«جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ وعبادة
وأُبيّ وأبو أيوب وأبو الدرداء، فلما كان عمر، كتب يزيد بن أبي سفيان
إليه: «إن أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم»،
فقال: «أعينوني بثلاثة»، فقالوا: «هذا شيخ كبير - لأبي أيوب -، وهذا سقيم -
لأُبيّ -»، فخرج الثلاثة إلى الشام، فقال: «ابدءوا بحمص، فإذا رضيتم منهم،
فليخرج واحد إلى دمشق، وآخر إلى فلسطين».
علم معاذ بن جبل رضي الله عنه
شهد
له النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاح ومدحه فعن أبي هريرة قال: قال رسول
الله: "نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن
الجموح، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، وبئس الرجل
حتى عدَّ سبعة".
حفظ القرآن رضي الله عنه وكان من قراء الصحابة قال أنس
بن مالك: «جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من
الأنصار: أبي بن كعب وزيد ومعاذ بن جبل وأبو زيد أحد عمومتي»، وروى عبد
الله بن عمرو بن العاص عن النبي محمد قوله: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن
مسعود وأبي ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة».
وكان معاذ بن جبل أعلم
الأمة بالحلال والحرام عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: "أرحم أمتي
بأمتي أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب
الله أبيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن
جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذة الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
كما
كان معاذ بن جبل من قلة ممن سُمح لهم الفتيا على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم، فقال سهل بن أبي حثمة: «كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين: عمر وعثمان وعلي، وثلاثة من الأنصار: أبي بن
كعب ومعاذ وزيد».
وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا
بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن
المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني
قال: قال معاذ بن جبل: إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا
رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات.
وعن محمد بن سيرين قال: أتى
رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه يسلمون عليه ويودعونه فقال: إني موصيك بأمرين
إن حفظتهما حُفِظْتَ إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من
الآخرة أفقر، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه لك انتظاما
فتزول به معك أينما زلت.
وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ بن جبل فقال: اجلسوا بنا نؤمن ساعة.
عن
أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال: إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها
المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير
والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا
يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما
ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في
الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على
الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟
قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء
ويراجع بعض ما تعرفون.
وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل:
علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل
ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم.
وعن
أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة
الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء
إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما
لا يجد.
عن الحارث بن عمرو الثقفي بن أخي المغيرة قال: أخبرنا أصحابنا
عن معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، إلى اليمن
قال لي: "بِمَ تَقْضي إن عُرض لك قضاء؟" قال قلت: أقْضي بما في كتاب الله،
قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟" قلتُ: أقضي بما قضى به الرسول، قال: "فإن
لم يكن فيما قضى به الرسول؟" قال قلت: أجْتَهِدُ رأيي ولا آلو. قال فضرب
صدري وقال: "الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم،
لما يُرضي رسول الله".
من صفاته رضي الله عنه
عن ابن كعب بن مالك
قال: كان معاذ بن جبل شابًّا جميلا سمحًا من خير شباب قومه لا يسأل شيئًا
إلا أعطاه حتى أدان دينا أغلق ماله فكلم رسول الله أن يكلم غرماءه أن يضعوا
له شيئًا ففعل فلم يضعوا له شيئا، فدعاه النبي فلم يبرح حتى باع ماله
فقسمه بين غرمائه فقام معاذ بن جبل لا مال له قال الشيخ رحمه الله: كان
غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيئًا.
عن مالك الداري أن عمر بن
الخطاب أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى عبيدة
بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال:
يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم
قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان،
وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد
أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت
ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل
هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية
اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت:
ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما
إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
وعن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء.
وعن
يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم
يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام والناس في شغل فدفنتا
في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر.
عن ثور بن يزيد قال: كان
معاذ بن جبل إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم
وأنت حي قيوم: اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي
عندك هدى ترده إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
ومن ورعه رضي الله
عنه أنه عندما خرج إلى اليمن فلم يزل بها حتى تُوفّي رسول الله صَلَّى الله
عليه وسلم، ووافَى السنةَ التي حجّ فيها عمر بن الخطّاب، استعمله أبو بكر
على الحجّ، فالتقيا يوم التّرْوِية بِمنًى فاعتنقا وعزّى كلّ واحد منهما
صاحبَه برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثمّ أخلدا إلى الأرض يتحدّثان،
فرأى عمر عند معاذ غلمانًا فقال: ما هؤلاء يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبتهم
في وجهي هذا، قال عمر: من أيّ وجه؟ قال: أُهْدوا إليّ وأُكْرِمْتُ بهم،
فقال عمر: اذكُرْهم لأبي بكر، فقال معاذ: ما ذكري هذا لأبي بكر. ونام معاذ
فرأى في النوم كأنّه على شفير النّار وعمر آخذ بحُجْزَته من ورائه يمنعه أن
يقع في النار، ففزع معاذ فقال: هذا ما أمرني به عمر. فقدم معاذ فذكرهم
لأبي بكر فسوّغه أبو بكر ذلك وقضى بقيّة غرمائه وقال: إني سمعتُ رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلم، يقول: "لعلّ الله يجبرك".
مرض معاذ بن جبل ووفاته
وعن
عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة بن الجراح في طاعون عمواس استخلف
على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ بن جبل ادع الله أن
يرفع عنا هذا الرجز فقال: إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين
قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال
من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا: وما هن
قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول
الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة،
ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله،
اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف
تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا
ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في
إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في
الصغيرة حتى هلك.
مات رضي الله عنه في طاعون عمواس بناحية الأردن من
الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين: أحدهما: ثمان وثلاثون
سنة، والثاني: ثلاث وثلاثون.
ثناء النبي وصحابته علي معاذ بن جبل
أثني
النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ، فقد روى أنس بن مالك عن النبي محمد
قوله: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء
عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، ولكل أمة أمين وأمين
هذه الأمة أبو عبيدة». وقال الصنابحي أنه سمع معاذ يقول: «لقيني النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: «يا معاذ، إني لأحبك في الله». قلت: «وأنا والله يا
رسول الله أحبك في الله»».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «معاذ أمام العلماء يوم القيامة برتوة أو رتوتين».
وقال
أبو هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم الرجل أبو بكر،
نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير،
نعم الرجل جعفر، نعم الرجل ثابت بن قيس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل
معاذ بن عمرو بن الجموح».
كما كان لمعاذ منزلته بين صحابة النبي صلى
الله عليه وسلم، فعندما خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية، قال: «من أراد
الفقه، فليأت معاذ بن جبل».
وقال عبد الله بن مسعود: «إن معاذ بن جبل، كان أُمة قانتًا لله حنيفا، ولم يك من المشركين».
كما
قال أبو إدريس الخولاني: «دخلت مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلاً من
الصحابة، فإذا فيهم شاب أكحل العينين، براق الثنايا ساكت، فإذا امترى
القوم، أقبلوا عليه، فسألوه، فقلت: «من هذا؟» قيل: «معاذ بن جبل». فوقعت
محبته في قلبي».
عن أبي بحرية يزيد بن قطيب السكونى قال: دخلت مسجد حمص
فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور
ولؤلؤ، فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل.
وعن الواقدي عن أشياخ له قالوا: كان معاذ رجلا طَوَالا أبيض حسن الشعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعدا قططا.
وعن شهر بن حوشب قال: كان أصحاب محمد إذا تحدثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له.

إرسال تعليق