عرفجة بن هرثمة بن عبد العزى بن زهير بن ثعلبة البارقي، نشأ عرفجة بن هرثمة
في بيت مترف، وكان خطيباً مفوهاً فصيحاً، قوي الحجة، قوي البنية ماهراً
بالقتال بالسيف وبضروب الفروسية، حاضر البديهة، عمل بالتجارة وأكسبه ذلك
سعة الأفق ومعرفة الناس، إضافة إلى إطلاعه على أوضاع البلاد التي تاجر معها
وأحوالها، وكان في الجاهلية حاكمًا كثير المال لا يُرد، قويًا يتبعه
الرجال.
كان عرفجة بن هرثمة من دهاة العرب، ذوي الرأي والمكيدة في
الحرب، والنجدة، ومن أجلاء الصحابة الأبطال، ولقد كان أمير لواء من الألوية
الإحدى عشرة التي عقدها الخليفة الأول أبو بكر الصديق لقتال المرتدّين في
مناطق شبه الجزيرة العربية، وهو أول قائد عربي في الإسلام ركب السفن غازيًا
بلد فارس وجرَّأَ العرب من بعده على ركوب البحار.
وهو أحد الأمراء
القادة في معارك البويب، والبصرة، والأبلة، والسواد، والقادسية، وكان في
وفد الحكماء القادة الذي فاوض رستم، وبعد فتح المدائن قاد عرفجة جيش
الفرسان في فتح تكريت والموصل، وولي خراج الموصل ونينوى بعد فتحها صلحًا.
وما لبث أن أعاده عمر بن الخطاب مع عتبة بن غزوان إلى جنوب العراق وأمرهما
بتمصير البصرة وتوطين المقاتلة العرب، ثم بعثه عتبة بن غزوان ضمن قادة
البصرة لفك الحصار الساسانيَّ عن قوات العلاء الحضرمي في فارس، كما أُرسل
بأمر عمر إلى محاربة الهرمزان، فزحف مع جيش البصرة إلى الأهواز، فشهد
وقائعها. وتقدم إلى تستر، وهزم الهرمزان.
ولاه عمر بن الخطاب أميرًا
على ولاية الموصل سنة 22 هـ، وبقي عرفجة والياً على الموصل في خلافة عثمان
حتى وفاته سنة 34 هـ. ويُذكر أنه كان محبًا للعمران، عُمِّرت الموصل في
أيامه، وجعلها خططا لقبائل العرب، وابتنى بها جامع فكثرت الدور فيها، ثم
أَتى شرق دجلة وبَنَى مدينة الحديثة، فحصنها وعسكر ثغورها، وقام بتوطين
آلاف الجند، فاستقر أمنها. ويُشار إلى أنه كان محبوباً من أبناء الموصل،
حكمها عدلاً، ونظم إدارتها، وقام بأعمال كثيرة تعد بالنسبة إلى زمانها من
المشروعات الجبارة.
أخبر محمد بن إسحاق قال: لما انتهت إلى عمر
مصيبة أهل الجسر قدم عليه جرير بن عبد الله من اليمن في ركب من بجيلة
وعرفجة بن هرثمة وكان عرفجة يومئذ سيد بجيلة وكان حليفا لهم من الأزد
فكلمهم وقال: قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق فسيروا إليهم
وأنا أخرج إليكم من كان منكم في قبائل العرب وأجمعهم إليكم قالو: نفعل يا
أمير المؤمن فأخرج إليهم قيس كبة وسحمة وعرينة من بني عامر بن صعصعة وهذه
بطون من بجيلة وأمر عليهم عرفجة بن هرثمة فغضب من ذلك جرير بن عبد الله
فقال لبجيلة: كلموا أمير المؤمنين ؛ فقالو: استعملت علينا رجلا ليس منا
فأرسل إلى عرفجة فقال: ما يقول هؤلاء قال: صدقوا يا أمير المؤمنين لست منهم
؛ لكني من الأزد ؛ كنا أصبنا في الجاهلية دما في قومنا فلحقنا ببجيلة
فبلغنا فيهم من السؤدد ما بلغك فقال عمر: فاثبت على منزلتك ؛ فدافعهم كما
يدافعونك. فقال: لست فاعلا ولا سائرا معهم فسار عرفجة إلى البصرة بعد أن
نزلت وأمر عمر جريرا على بجيلة فسار بهم مكانه إلى العراق وأقام جرير
بالكوفة.
بعث العلاء عرفجة بن هرثمة الى أسياف فارس فقطع في السفن فكان
أول من فتح جزيرة بأرض فارس واتخذ فيها مسجدًا وأغار على باريخان والأسياف
وذلك في سنة أربع عشرة.
وهو الذي أَمد به عمرُ بن الخطاب عتبة بن عزوان
لما ولاه أَرض البصرى وكتب إِليه: "إِني قد أَمددتك بعرفجة بن هرثمة وهو ذو
مجاهدة ومكايدة للعدُوِّ، فإِذا قدم عليك فاستشره".

إرسال تعليق