نسبه وإسلامه
دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج الكلبي
كان
دحية من السابقين الأولين إلى الإسلام قبل الهجرة النبوية إلى المدينة
المنورة، سمع وهو بمنطقته في دومة الجندل بأمر ودعوة النبي صلى الله عليه
وسلم بمكة، فسار إليه، وأسلم، ثم عاد إلى منطقته ببلاد كلب يدعو إلى دين
التوحيد، وفي ذلك قال ابن سعد: «وأسلم دحية بن خليفة قديمًا، ولم يشهد
بدرًا».
ثم هاجر إلى المدينة المنورة وأخذ مكانه في الصفوف الأولى بين
أصحاب رسول الله منذ أوائل السنة الثالثة للهجرة، وكان ممتطيا صهوة بغلته
البيضاء، وكان إذا دخل المدينة لم تبق فتاة إلا خرجت تنظر إليه لأنه كان
أحسن الناس صورة وجمالا وجلالا، وفي ذلك قال ابن قتيبة: «كان دحية إذا قدم
المدينة، لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه»، وعلق الذهبي قائلًا: «ولا ريب
أن دحية كان أجمل الصحابة الموجودين بالمدينة».
وكان دحية الكلبي من
الصحابة المدافعين عن الدعوة النبوية، فقد شهد موقعة أحد، وغزوة بدر
الآخرة، وغيرهما من المشاهد مع رسول الله، ومع زید بن حارثة، وفي ذلك قال
الواقدي: «وشهد دحية مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، المشاهد كلها بعد
بدرٍ». ولما حشدت قريش أحلافها من الحجاز ونجد لغزو المدينة المنورة في
شوال سنة 5هـ في غزوة الخندق، كان دحية بن خليفة من الصحابة المهاجرين
الذين تصدّوا لقريش في المعركة، إذ إنه في غزوة الخندق: كان لواء المهاجرين
بيد زيد بن حارثة ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، فكان ممن شهد الخندق من
الصحابة المهاجرين بقيادة زيد بن حارثة: دحية بن خليفة، وحمل بن سعدانة،
وأسامة بن زيد بن حارثة وغيرهم، وقد انسحبت قریش وأحزابها من المدينة، ورجع
رسول الله إلى منزله يوم الخندق.
قالت عائشة بنت أبي بكر: «رجع
النبي يوم الخندق، فبينما هو عندي إذ دق الباب، فارتاع لذلك رسول الله صلى
الله عليه وسلم وخرج، فخرج في إثره، فإذا رجل على دابة والنبي متكئ على
مَعْرفَة الدابة يكلمه، فرجع فلما دخل قلت: من ذلك الرجل الذي كنت تکلمه؟
قال: ورأيته؟ قلت: نعم. قال: بمن تشبهينه؟ قلت: بدحية بن خليفة الكلبي.
قال: ذاك جبريل، أمرني أن أمضي إلى بني قريظة».
وجاء في السيرة
النبوية لابن هشام: «ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه
بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: يا رسول
الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها
قطيفة ديباج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك جبريل، بعث إلى بني
قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم».
سرية دحية إلى دومة الجندل
وكان
لدحية بن خليفة الكلبي دور أساسي في إسلام الذين بدومة الجندل من قبيلة
كلب القضاعية في السنة السادسة للهجرة، وذلك أن القبيلة كانت تسكن منطقة
دومة الجندل وما يليها من تبوك بأعالي الحجاز إلى أداني الشام، قال أبو
الفداء: «وكانت بنو كلب في الجاهلية ينزلون دومة الجندل وتبوك وأطراف
الشام.».
وقد بعث رسول الله دحية الكلبي إلى قبيلة كلب بدومة الجندل
وحده وكان مبعوثًا من رسول الله لدعوة قبيلة كلب بدومة الجندل إلى الإسلام،
وهم بنو علیم بن جناب، وبنو زهیر بن جناب، وبنو عدي بن جناب، فاستجاب
لدحية بنو عليم وبنو زهیر بن جناب، ووفد حارثة بن قطن الكلبي وكذلك ابنه
قطن بن حارثة إلى رسول الله بالمدينة المنورة، وهما من الصحابة، وكتب رسول
الله كتاب عهد لحارثة بن قطن وطوائف کلب بدومة الجندل، وقد شهد على الكتاب
دحية بن خليفة الكلبي.
وكان لدحية الكلبي دور في إسلام بني الضبيب
من قبيلة جذام فيما يلي دومة الجندل وتبوك بأعالي الحجاز إلى آيلة
(العقبة)، وكان أولهم إسلاما رفاعة بن زيد الضبيبي الجذامي وحسان بن ملة
الضبيبي بعد صلح الحديبية في أواخر السنة السادسة، وجاء في نبأ مرور دحية
بأرض جذام عند عودته من مسيرة إلى هرقل بالشام: «وقد كان حسان بن ملة
الضبيبي قد صحب دحية ابن خليفة الكلبي قبل ذلك، فعلمه أم الكتاب».
دحية الكلبي وقيصر الروم
ولقد
كان من أجل وأخلد المواقف في سيرة دحية بن خليفة الكلبي حين بعثه الرسول
محمد إلى القيصر هرقل إمبراطور الإمبراطورية الرومانية، ولذلك وصفته تراجم
الصحابة وكتب التاريخ بأنه «رسول رسول الله إلى هرقل ملك الروم».
أرسل
النبي صلّ الله عليه وسلم سيدنا دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل بعد صلح
الحديبية، وكان رجل جميل المحيا كما علمنا من قبل ، ووصل هرقل للقدس ليشكر
الله على دخوله القسطنطينية في وصول دحية الكلبي رضي الله عنه ، فقال هرقل
هذا رسول قد قرأنا عنه في الكتب المقدسة ولو كنت عنده لغسلت قدميه ولكن
ادخل واسأل كبير الأساقفة فهو أعلم مني بالكتب المقدسة وكلمته أنفذ عند
الرومان مني ، فدخل عليه سيدنا دحية الكلبي برسالة رسول الله صلّ الله عليه
وسلم.
فقرأها فبكى وقال هذا أحمد فدخل إلى غرفته وأغتسل وخرج السواد
ولبس ثياب بيضاء وخرج على شعبه ولما رأوه سجدوا فقال لهم أيها الناس إني
عشت زمنًا انتظر هذا الخطاب وهذا أحمد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن
أحمد رسول الله، فضربوا وتحولت الثياب البيضاء لحمراء ولفظ أنفاسه ودخل
الجنة وما سجد لله سجدة واحدة.
حينها قال هرقل إن الرجل الذي نزل
بأرض العرب أرسل إلى إحدى ثلاث خصال: أن أتبعه على دينه أو أن نلقي إليه
الحرب أو ندفع إليه الجزية، ولكن الشعب غضب وثار عليه وقال نترك النصرانية
لنكون عبيد لأعرابي، فقالوا نرسل له برسالة ولكن لا تغضبوا وأحضر نصراني
أعرابي من قبيلة تنوخ، وطلب أن يدقق في أمور ثلاث حين يقابل النبي صلّ الله
عليه وسلم، وطلب منه أن يأخذ الكتاب ويذهب به مع دحية الكلبي رضي الله عنه
لرسول الله صلّ الله عليه وسلم.
كانت الأمور الثلاث هي، أن يرى هل
يتذكر من كتابة الذي أرسله شيئًا؟ والثانية أن انظر لو قرأ كتابي هل يذكر
الليل؟ والثالثة انظر بين كتفيه هل ترى شيئًا؟، ووصل الرجل للنبي صلّ الله
عليه وسلم بكتاب هرقل، فأخذه الرسول صلّ الله عليه وسلم ووضعه على حجره ثم
سأل الرجل من أين هو فقال من تنوخ.
فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام
فقال أنا على ديني ولا أريد تغيره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام إني
قد أرسلت رسالة إلى صاحبك فأمسكها فلم يزال الناس يمسكون منه الخير وله
فيهم خير بمعنى أنه احترم الكتاب فقال الرجل في نفسه تلك الأولى، فلما قرأ
معاوية بن أبي سفيان كتاب هرقل وجاء فيه ” يا محمد بعثت إلي تدعوني إلى جنة
عرضها السماوات والأرض ، ولكن فأين النار ؟ فقال رسول الله صلّ الله عليه
وسلم عجبا سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ؟ فقال الرجل فتلك
الثانية فمشا الرجل ثلاث خطوات ولكنه ينتظر الثالثة فدعاه الرسول صلّ الله
عليه وسلم وأراه خاتم النبوة بين كتفيه وقال له انظر هنا وأرجع إلى صاحبك .
ثم
إن دحية رجع من الشام في جمادى الأول 7هـ ومر بمنطقة جذام في أعالي الحجاز
قاصدًا المدينة المنورة، وكان معه ما أجازه له هرقل من مال وكسوة، فأغار
عليه الهنيد بن غوص وعشيرته الضلعيون، وفي ذلك جاء في الطبقات الكبرى أنه:
«أقبل دحية بْن خليفة الكلبي مِن عند قيصر وقد أجازه وكساه. فلقيه الهنيد
بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمى. فقطعوا عليه الطريق
فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب. فسمع بذلك نفر مِن بني الضبيب فنفروا إليهم
فاستنقذوا لدحية متاعه».
فمضی دحية الكلبي حتى قدم على رسول الله
بالمدينة المنورة. فأخبره بنتائج لقائه مع هرقل عندما سلمه کتاب رسول الله،
كما أخبره بحادثة قطع الطريق التي تعرض لها في أرض حسمى، فبعث رسول الله
زید بن حارثة في خمسمائة رجل من الصحابة ومعه دحية الكلبي إلى أرض حسمى
بأعالي الحجاز وذلك في جمادی الثاني سنة سبع للهجرة، فتم القضاء على الهنيد
وعصابته. وتثبيت سلطة الإسلام في تلك المنطقة من أرض جذام.
دحية وفتوح الشام
شهد
دحية فتوح الشام وخاضوا غمار معاركها ضد الرومان منذ انطلاق الجيوش
العربية الإسلامية إلى الشام في صفر 13هـ، وقد شهد دحية الكلبي معركة
اليرموك على رأس ألف مقاتل غالبيتهم من فرسان قبيلة كلب.
ثم كان لدحية
الكلبي إسهامات في فتح دمشق بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، واستخلف أبو عبيدة
على دمشق يزيد بن أبي سفيان حينما سار إلى حمص، قال الطبري: «بقي بدمشق مع
يزيد بن أبي سفيان من قواد أهل اليمن عدد منهم عمرو بن شمر ابن غزية، وسهم
بن المسافر بن هزمه، ومشافع بن عبد الله بن شافع، وبعث يزيد دحية بن خليفة
الكلبي في خيل بعد فتح دمشق إلى تدمر، وأبا الزهراء القشيري إلى البنية
وحوران، فصالحوهما على صلح دمشق، ووليا القيام على فتح ما بعثا عليه».
وبذلك كان دحية الكلبي هو فاتح تدمر والمناطق التابعة لها وأول أمير لتدمر
في الإسلام، وكانت تدمر من أعمال دمشق في إطار ولاية الشام التي شهد دحية
وفرسان كلب سائر فتوحاتها ومنها فتح حمص وفتح فلسطين سنة 16هـ.
وفاته رضي الله عنه
ولم يزل دحية بن خليفة الكلبي ساكنا بدمشق إلى أن بلغ من الكبر عتيا، وأما وفاته فكانت سنة 50هـ وقد توفي ودفن في المزة، وقبره معروف فيها إلى اليوم.

إرسال تعليق