نسبه ونشأته
هو حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة
بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر القرشي الفهري، يكنى
أبا عبد الرحمن، وقيل أبا مسلمة.
ذكر في أُسد الغابة، أن حبيب بن مسلمة
كان له من العمر لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، اثنتا عشرة سنة. وقد
كانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، في صفر من سنة 11هـ، ولذا فيكون مولد
حبيب قبل الهجرة بسنتين، فهو مكي المولد إسلامي النشأة.
نشأته عدل
ذُكر
في كتاب أسد الغابة أن حبيب بن مسلمة كان له من العمر لما توفي النبي صلى
الله عليه وسلم اثنتا عشرة سنة. وقد كانت وفاة النبي في صفر من سنة 11 هـ،
ولذا فيكون مولد حبيب قبل الهجرة بسنتين فهو مكي المولد إسلامي النشأة. وقد
اختلفوا في هل كانت له صحبة ام لا، وأكثرهم يقول كان له صحبة إلا أنه لم
يغز من النبي.
وفي رواية لابن عساكر عن ابن أبي مليكة عن حبيب بن
مسلمة الفهري أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأدركه أبوه فقال:
"يا نبي الله يدي ورجلي"، فقال له النبي ارجع معه فإنه يوشك أن يهلك، فهلك
أبوه في تلك السنة. وقد كان حبيب من أشرف قريش، كما في رواية الزبير بن
بكار ذكرها أسد الغابة. بل كان من شجعانهم وسراتهم ورافعي راية مجدهم.
والمبرزين في الحزم وحسن القيادة منهم، وقد شبّ منذ نعومة أظفاره على
الحرب، وألف من صغره الطعن والضرب. فقضى معظم حياته في الحروب، فكان له في
تشييد دعائم الإسلام في البلاد القاصية، والممالك النائية جهاد طويل وعمل
في الفتح جليل، ومما رواه ابن عساكر أن حبيباً ذهب في خلافة أبي بكر إلى
الشام للجهاد، فكان على كردوس من الكراديس قي اليرموك. لذا لما أدمن على
الحرب من صغر سنه نشأ قائداً محنكاً من أعاظم قواد الفتح في عصره.
فتوحات حبيب بن مسلمة
دخل
حبيب دمشق مع أبي عبيدة عامر بن الجراح وشارك في فتح قنسرين وحلب تحت
قيادة أبي عبيدة. ثم وجه أبو عبيدة بن الجراح حبيب إلى أنطاكية مع عياض بن
غنم ففتحاها على الصلح الأول، ومن أنطاكية سار ابن مسلمة إلى الجرجومة في
جبل اللكام، وكان يقال لهم الجراجمة، فافتتحها صلحًا على أن يكونوا أعوانًا
للمسلمين في جبل اللكام وألا يؤخذوا بالجزية.
كما أرسله الخليفة عمر بن
الخطاب مددًا لسراقة بن عمرو، فاشترك معه في فتح الباب وهي مدينة على بحر
الخزر وبعد مفاوضات سُلِّمت المدينة على شرط إسقاط الجزية عن أهلها الذين
يناصرون المسلمين في حربهم ضد أعدائهم، ثم وجه سراقة بعد ذلك حبيب بن مسلمة
إلى تفليس وهي مدينة من ولاية أرمينية واستطاع فتحها.
كما شارك حبيب بن
مسلمة في فتح الجزيرة مع عياض بن غنم، ففتح سميساط وقرغيزيا وقرى حولها،
ثم فتح شمشاط وملطية وغيرها، ثم سار إلى أرمينيا بأمر عمر، ففتح منها ما
فتح، وذلك الفتح الأول الذي انتفضت بعده، وقصدها مرة ثانية على عهد عثمان.
وفي
خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه أرسل معاوية بناء على أمر من عثمان حبيب
بن مسلمة في ستة آلاف ويقال في ثمانية آلاف من أهل الشام والجزيرة إلى
أرمينية، فاستولى على قليقلا، عاصمة أرمينية البيزنطية "تيودوبولس" وجلا
كثير من أهلها إلى بلاد الروم، فأقام بها حبيب ومن معه أشهرًا.
فلما
وجَّه بطريق بند أرمنياكس جيشًا كبيرًا انضم إليه أهل اللان والخزر، كتب
حبيب إلى عثمان يستمده، فكتب عثمان إلى معاوية يسأله أن يشخص إليه من أهل
الشام والجزيرة قومًا ممن يرغب منهم في الجهاد، فأرسل إليه معاوية ألفي رجل
أسكنهم قليقلا وأقطعهم بها القطائع، وجعلهم مرابطة بها، كما أرسل عثمان
إلى سعيد بن العاص واليه على الكوفة، يأمره بإمداد حبيب بن مسلمة، فوجه
سعيد سلمان بن ربيعة الباهلي في ستة آلاف من أهل الكوفة، ولكن سلمان وصل
وقد فرغ المسلمون من عدوِّهم.
ثم جرت بينه وبين الروم البيزنطيين على
أرض أرمينية معارك عديدة، انتهت بسيطرة العرب على أرمينية البيزنطية، ثم
زحف حبيب حتى بلغ دبيل، وأتم حبيب فتح أرمينية بوصوله إلى تفليس، وعقد
صلحًا مع أهلها مقابل اعترافهم بالسيادة الإسلامية؛ ثم جعله عثمان غازيًا
لثغور الشام والجزيرة فعاد حبيب ونزل حمص.
وقد شارك حبيب في معركة صفين وكان مواليًا لمعاوية بن أبي سفيان.
كان
حبيب بن مسلمة مع أبي عبيدة بن الجراح، في حروبه في شمال سورية، ولما فتح
أبو عبيدة أنطاكية الفتح الثاني بعد انتفاضها، ولى عليها حبيب بن مسلمة
فتولاها، ثم قصد جبل اللكام، وكان فيه قوم أشداء يسمون الجراجمة، فلم
يقاتلوه، بل بدروا إلى طلب الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعوانًا
للمسلمين، وعيونًا ومسالح في جبل اللكام، وأن لا يؤخذوا بالجزية ماداموا من
أعوان المسلمين وجندهم.
ودخل معهم في هذا الصلح، وعلى هذا الشرط كثير
من الأنباط وأهل القرى، فكانوا يستقيمون تارة للولاة ويعوجون أخرى، حتى
غزاهم مسلمة بن عبد الملك، وأجلاهم عن جبل اللكام.
وقيل: ولاه عمر
بن الخطاب أعمال الجزيرة إذ عزل عنها عياض بن غنم، ثم ضم إليه أرمينية
وأذربيجان، ثم عزله، وقيل: لم يستعمله عمر، إنما سيره عثمان إلى أذربيجان
من الشام؛ وبعث سلمان بن ربيعة الباهلي من الكوفة، أمد به حبيب بن مسلمة
فاختلفا في الفيئ؛ وتوعد بعضهم بعضًا؛ وتهددوا سلمان بالقتل، فقال رجل من
أصحاب سلمان:
فَإِنْ تَقْتُلُوا سَلْمَانَ نَقْتُلْ حَبِيبَكُمْ
وَإِنْ تَرْحَلُوا نحْوَ ابْنِ عَفَّانَ نَرْحَلِ
وهذا أول اختلاف كان بين أهل العراق وأهل الشام.
وكان
يُقال لحبيب بن مسلمة: "حبيب الرومي" و"حبيب الروم"؛ لكثرةِ جهاده فيهم،
ولدربَتِه في مقابلتهم والتغلُّب عليهم. وقد أجمع الرواة أنه كان رفيقًا
بالجند، مع رِقَّةٍ وزُهدٍ كانا فيه على شجاعتِه وبسالَته.
وروى ابن
عساكر أن حبيب بن مسملة كان رجلا تام البدن، فدخل على عمر بن الخطاب رضي
الله تعالى عنه فقال له عمر: إنك لجيد القناة، قال حبيب: إني جيد سنانها،
فأمر به عمر يدخل دار السلاح، فأدخل فأخذ منها سلاحًا ورحل.
وقال سعيد
بن عبد العزيز: استبان فضل حبيب بن مسلمة بالشام ولم يكن عمر يُثْبِتُه حتى
قدم عليه حَاجًّا، فلما رآه سلم عليه، فقال عمر: إنّك لفي قَنَاة رجل!
قال: إي والله، وفي سِنَانه. قال: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، قال:
فأعرض عن الأموال وأخذ السلاح. وقال الزبير بن بكار: وحبيب بن مسلمة كان
شريفًا. ومن حديثه عن النَبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه نَفَّل الثّلث
مرَّة بعد الخمس، والرّبع مرّة بعد الخمس.
وروي أن حبيب بن مسلمة
كان يستحب إذا لقي عدوًا أو ناهض حصنًا قول "لا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم"، وإنه ناهض يومًا حصنًا فانهزم الروم، فقالها المسلمون
فانصدع الحصن.
ولإدمان حبيب بن مسلمة الحرب أصبح مشهورًا بالشجاعة،
محبوبًا من الناس، منوهًا باسمه على ألسن الشعراء، وفيه يقول حسان بن ثابت
بعد حادث مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه:
يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم
لا يستوي الصدق عند الله والكذب
قوموا بحق مليك الناس تعترفوا
بغارة عصب من بعدها عصب
فيهم حبيب شهاب المـــوت يقدمهم
مستلئمًا قد بدا في وجهه الغضب
وقد
روى ابن عساكر أن حبيب بن مسلمة دخل العلياء بحمص فقال: وهذا من نعيم ما
ينعم به أهل الدنيا، ولو مكثت فيه ساعة لهلكت، ما أنا بخارج منه حتى أستغفر
الله تعالى فيه ألف مرة، قال فما فرغ حتى ألقى الماء على وجهه مرارًا
(لأنه كان يخشى عليه).
وروي ابن عساكر عن ابن عجلان قال: لما أتى معاوية
موت حبيب بن مسلمة سجد، ولما أتاه موت عمرو بن العاص سجد، فقال له قائل:
يا أمير المؤمنين سجدت لوفدين وهما مختلفان. فقال أما حبيب: فكان يأخذني
بسنة أبي بكر وعمر، وأما عمرو بن العاص: فيأخذني بالإمرة فلا أدري ما أصنع.
وفاته
وقال ابن عبد البر أن معاوية وجهه إلى أرمينيا والياً عليها فتوفي فيها سنة 42هـ، وكذلك قال ابن سعد وابن عساكر وأنه مات فيها ولم يبلغ الخمسين.

إرسال تعليق