نسبه وصفته
أبو ثور عمرو بن معديكرب الزبيدي المذحجي.
وقد روى رُميح
بن هلال، عن أبيه، قال: رأيتُ عمرو بن معديكرب في خلافةِ معاوية شيخًا
عظيمَ الْخِلقَة، أعظم ما يكون مِنَ الرجال، أجَشَّ الصوت، إذا التفت التفت
بجميع جَسده.
وهو شاعر وفارس اشتهر بالشجاعة والفروسية حتى لُقِّبَ بفارس العرب، وكان له سيف اسمه الصمصامة.
وكان
عمرو بن معديكرب الزبيدي طويل القامة وقوي البنية وحتى إن عمر بن الخطاب
قال فيه: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عَمْراً؛ تعجباً من عظم خلقه.
إسلامه
أسلم
وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قال محمد بن عمارة بن خزيمة: قدم عمرو بن
معديكرب في عشرة من زبيد من قومه على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم،
وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي، حين انتهى إليهم أمرُ رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلم: يا قيس، إنك سيد قومك اليوم، وقد ذُكِرَ لنا أن
رجلًا من قريش، يقال له: محمد، قد خرج بالحجاز يقول: إنه نبي، فانْطَلِق
بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيًا كما يقول، فإنه لن يخفى علينا إذا
لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فإنه إن يسبق إليه رجل من
قومك سَادَنَا وَتَرأَّسَ علينا وكنا له أذْنَابًا. فأبَى عليه قيس وسفّه
رأيه، فركب عَمرو بن معديكرب حتى قدم المدينة، فقال حين دخلها وهو آخذ
بزمام راحلته: من سيد أهل هذه البحيرة من بني عمرو بن عامر؟ فقيل له: سعد
بن عُبادة، فأقبل يقود راحلته حتى أناخ ببابه، فقيل لسعد: عمرو بن معديكرب،
فخرج إليه سعد فرحَّب به وأمر برَحْله فحط وأكرمه وحَبَاه، ثم رَاحَ به
إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأسلم وأقام أيامًا، وأجازه رسولُ
الله صَلَّى الله عليه وسلم، كما يُجيزُ الوفد، وانصرف راجعًا إلى بلاده.
فأقام
في قومه مسلمًا مطيعًا، وكان عليهم فَرْوَة بن مسيك، إذا أراد فروة أن
يغزو أطاعه، وكان فروة يصيب كل من خالفه، فلما بلغ قيسَ بن مكشوح خروجُ
عمرو بن معديكرب أوعدَ عمرًا وتحطم عليه: خَالَفني وترك رأيي.
وجعل
عمرو بن معديكرب يقول: قد خبرتك يا قيس بن مكشوح، إنك يا قيس ستكون ذَنَبًا
تابعًا لفروة بن مسيك، وجعل فروة يطلب قيس بن مكشوح كل الطلب حتى فرّ من
بلاده، فلما توفي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثبت فروة بن مسيك على
الإسلام، يغير على من خالفه بمن أطاعه، وارتدّ عمرو بن معديكرب بعد وفاة
النبي صَلَّى الله عليه وسلم، وجعل فروة بن مسيك يطلب مَن ارتد عن الإسلام
ويقاتله.
ارتدَّ عمر مع الأَسود العَنْسي، فسار إِليه خالد بن سعيد بن
العاص فقاتله، فضربه خالد على عاتقه، فانهزم، وأَخذ خالد سيفه
الصِّمْصَامة، فلما رأَى عمرو قدومَ الإِمداد من أَبي بكر رضي الله عنه
إِلى اليمن، عاد إِلى الإِسلام، ودخل على المهاجر بن أَبي أُمية بغير
أَمان، فأَوثقه وسيرَّه إِلى أَبي بكر، فقال له أَبو بكر: أَما تستحيي! كلّ
يوم مهزوم أَم مأْسور! لو نصرتَ هذا الدين لرفعَك الله! قال: لا جَرَم
لأُقبِلَنَّ ولا أَعود، فأَطلقه ورجع إِلى قومه، ثم عاد إِلى المدينة.
شرف
الصحبة ما بعده شرف والإسلام يجُبُّ ما قبله وهذا ما أطبق عليه علماء أهل
السنة والجماعة في بقاء صحبة عمرو بن معديكرب، فهو يدخل في تعريف الصحابي
ولا أثر لِرِدَّته الطارئة فإنه مات على الإسلام. قال ابن حجر العسقلاني في
تعريف الصحابي: «وأصحّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابيّ: من لقي النبيّ
صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام». ثم قال: «ويدخل فيه من
ارتدّ وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرة
أخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد لإطباق أهل الحديث على عدّ الأشعث بن
قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد، وهو ممن ارتدّ ثم
عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر».
جهاده
في يوم اليرموك حارب في شجاعة واستبسال يبحث عن الشهادة، حتى انهزم الأعداء، وفروا أمام جند الله.
وقد
سيَّره أَبو بكر إِلى الشام، فشهد اليرموك، ثم شهد القادسية؛ وقال عمرو بن
معديكرب يوم القادسية: ألزموا خراطيم الفيلة السيوف: فإنه ليس لها مقتل
إلا خرطومها. وقال أيضًا: كانت خيل المسلمين تنفر من الفيلة يوم القادسية،
وخيل الفُرس لا تنفر، فأمرتُ رجلًا فَتَرَّسَ عني، ثم دنوتُ من الفيل
وضربتُ خَطمه فقطعته، فَنَفَرَ ونفرت الفيلَة فحطمت العسكر، وألح المسلمون
عليهم حتى انهزموا. قال نيار بن مكرم الأسلمي: شهدتُ القادسية فرأينا يومًا
اشتد فيه القتال بيننا وبين الفُرس، ورأيتُ رجلًا يفعل بالعدو يومئذ
الأفاعيل، قلت: مَن هذا جزاه الله خيرًا؟ قيل: عمرو بن معديكرب.
قال
قيْس بن أبي حازم: شهدتُ القادسية فسمعت عمرو بن معديكرب وهو يمشي بين
الصَّفَّين وهو يقول: يا معشر المسلمين، كونوا أُسُودًا، أَسَدٌ أَغْنَى
شَاتَه؛ فإنّ الفارس إذا ألقى رُمْحَه يئس، إنما الفارسي تيس بعد أن يضع
نيزكه ــ والنَيْزَك هو الرُّمح القَصير ــ وأسوارهم لا تقع له نشابة،
فقلنا له: احذر أبا ثَور، فرماه الأسوار فما أخطأ قوسه، وشد عليه عمرو
فأخذه وسقطا إلى الأرض جميعًا فتكشف عنهما وإن عمرًا لعلى صدره يذبحه وأنا
أنظر، وأخذ سَلَبه سوارين وَيَلْمَق ديباج. وأخرجها ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ
وجهٍ آخر أطول مِنْ هذا؛ وفي آخرها: إذ جاءته نَشّابة فأصابت قَرَبوس
سَرْجِه، فحمل على صاحبها، فأخذه كما تؤخذ الجارية، فوضعه بين الصفين، ثم
احتزّ رَأْسَه، وقال: اصنعوا هكذا.
قال عيسى الحناط: أتى عمرو بن
معديكرب يوم القادسية بفرس فهزه، فقال: هذا ضعيف، ثم أتى بآخر فأخذ مَعرفته
فهزه فقال: هذا ضعيف، ثم أتى بآخر فأخذ معرفته فهزه فقال: هذا ضعيف، ثم
أتى بآخر فأخذ معرفته فهزه فركضه، فقال: لأصحابه إني حامل فعابر الجسر، فإن
أسرعتم أدركتموني وقد عقر بي القوم ووجدتموني قائمًا بينهم، وإن أبطأتم
عني وجدتموني قتيلًا بينهم قد قُتلت وجُردت، فحمل عمرو، فوجدناه قائمًا قد
عقر به على ما وصف.
وقال ربيعة بن عثمان: لما ولّى عمرُ النعمانَ بن
مقرن على الناس يوم نَهَاوَند كتبَ إليه: إِنّ في جندك عمرو بن معديكرب
وطُلَيحة بن خُوَيلد الأسدي فأحضرهما وشاوِرْهما في الحرب. وأخرج
الطَّبَرَانِيُّ عن محمد بن سلام الجمحي، قال: كتب عمر إلى سعد: إني
أمددتُكَ بألفي رجل: عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خُويلد.
وقد أخرج ابْنُ
أبِي شَيْبَةَ بسندٍ صحيح، عن عبد الملك نحو الأول؛ وزادوا: لا تعطهما من
الأمر شيئًا، فإن كل صانع أعلم بصناعته. قال زياد مولى سعد: سمعتُ سعدًا
يقول: لقد كان له موطن صالح، لقد كان يوم القادسية عظيم الغناء شديد
النكاية للعدو، فقيل له: قيْس بن مكشوح، فقال: كان هذا أبذل لنفسه من قيس
وإن قيسًا لشجاع. قال مالك بن عبد الله الخَثْعَمي: ما رأيْتُ أشرفَ من رجل
برزَ يَوْمَ اليرموك، فخرج إليه عِلْج فقتله، ثم انهزموا وتبعهم؛ ثم انصرف
إلى خِباءِ عظيم، فنزل ودعا بالجفان، ودعا مَنْ حَوْله، فقلت: مَنْ هذا؟
قيل: عمرو بن معديكرب. وقال الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: أصيبت عَيْنُه يوم
اليَرْمُوك.
وفاته
في معركة نهاوند، استعصى فتح نهاوند على المسلمين، فأرسل عمر بن الخطاب إلى النعمان بن مقرن قائد الجيش قائلاً: اسْتَشِر واستعن في حربك بطليحة وعمرو بن معديكرب، وشاورهما في الحرب، ولا تولِّهما من الأمر شيئًا، فإن كل صانع هو أعلم بصناعته. وقاتل عمرو في هذه المعركة أشدَّ قتال حتى كثرت جراحه، وفتح الله على المسلمين نهاوند، وظفر عمرو في تلك المعركة بالشهادة.

إرسال تعليق