مقدمة
بعد نزول قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله
على نصرهم لقدير} (الحج:39)، ثم نزول الإذن بالقتال، أخذ رسول صلى الله
عليه وسلم وأصحابه في إعداد العدة وتجهيز القوة لمواجهة الكفر وأهله، وأراد
المسلمون توجيه رسالة قوية إلى قريش من خلال حصارها سياسياً واقتصادياً،
وأرادوا كذلك إشعار يهود المدينة ومنافقيها والأعراب بأن المسلمين أقوياء،
وأن فترة الاستضعاف السابقة قد أدبرت.
لذلك أمر النبي صلى الله عليه
وسلم بإجراء تعداد سكاني في السنة الأولى من الهجرة، وبعد المؤاخاة مباشرة،
وكان الإحصاء للمسلمين فقط أو حسب نص أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
حينما قال: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس» فبلغ تعداد المحاربين
منهم فقط (1500) ألفاً وخمسمائة رجل فأطلق المسلمون بعد إجراء هذا الإحصاء
تساؤل تعجب واستغراب: «نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟!» لأنهم كانوا قبل لا
ينامون إلا ومعهم السلاح خوفا على أنفسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يمنع خروجهم ليلاً فرادى حماية لهم من الغدر.
واتجه نشاط الرسول
صلى الله عليه وسلم من أجل توطيد مكانة هذه الدولة، والرد على قريش في
إعلانها الحرب على المدينة، فاتجه نشاطه نحو إرسال السرايا، والخروج في
الغزوات فكانت تلك السرايا والغزوات التي سبقت بدر الكبرى ومن أهمها:
غزوة الأبواء
أولى
الغزوات التي غزاها النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الأبواء وتعرف بغزوة
ودان أيضاً، وهما موقعان متجاوران بينهما ستة أميال أو ثمانية، ولم يقع
قتال في هذه الغزوة بل تمت موادعة بني ضمرة، وكانت هذه الغزوة في صفر سنة
اثنتين من الهجرة، وكان عدد المسلمين مائتين بين راكب وراجل.
ونص وثيقة المعاهدة مع بني ضمرة:
«بسم
الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضَمرة بن بكر بن عبد
مناة بن كنانة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأنَّ لهم النصر على من
رامهم، إلا أن يُحاربوا في دين الله ما بل بحرٌ صوفه وأن النبي إذا دعاهم
لنصرة أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله، ولهم النصر على من برَّ
منهم واتقى» لذلك عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضمان حيدتهم، في
حالة وقوع صدام مسلح بين المدينة وأهل مكة.
سرية رابغ
وكانت في
شوال من السنة الأولى للهجرة، بقيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان عدد
المسلمين فيها نحو ستين رجلاً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، فالتقوا بأبي
سفيان على بطن رابغ، وكان معه من الأعداء مائتي راكب وراجل، وترامى
الفريقان بالنبل، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهمٍ في
سبيل الله، وانفضّ الفريقان بعد ذلك من غير قتال.
فكانت أول مواجهة عسكرية يلتقي فيها المسلمون لأعداء الله، ثم انسحب المؤمنون انسحابا قويا ومنظما كان له الأثر البالغ على المشركين.
سرية سيف البحر
في
شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، وبقيادة حمزة بن عبد المطلب رضي الله
عنه، خرجت سرية سيف البحر، وكانت في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، وكان ذلك
أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الهدف الأساسي من هذه
السرية اعتراض عيرٍ لقريش جاءت من الشام، فيها أبو جهل بن هشام ومعه
ثلاثمائة راكب من قريش، فالتقى المسلمون والمشركون عند سيف البحر من ناحية
العيص موضع على ساحل البحر الأحمر بطريق قريش إلى الشام، واصطفوا للقتال
لولا تدخل مُجدي بن عمرو الجهني، وحيلولته دون ذلك، حيث إنه كان حليفاً
للفريقين، فانفض الفريقان دون لقاء، وعاد المسلمون بعد ذلك إلى المدينة دون
خسائر، ولكنهم كسبوا المهارة لسرايا وغزوات أخرى قادمة.
غزوة بواط
غزوة العُشَيرة
وفيها
غزا صلى الله عليه وسلم قريشاً، واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد
الأسد، وسميت هذه الغزوة بغزوة العُشَيرة، فأقام بها جمادى الأولى وليالي
من جمادى الآخرة، وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضَمرة، ثم رجع إلى
المدينة ولم يلق كيداً، وذلك أن العير التي خرجت لها الغزوة قد مضت قبل ذلك
بأيام ذاهبة إلى الشام، فساحلت على البحر وبلغ قريشاً خبرها فخرجوا
يمنعوها فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقعت غزوة بدر الكبرى.
سرية سعد بن أبي وقاص
وبعد
غزوة العشيرة بعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص في سرية
قوامها ثمانية رَهْط من المهاجرين فخرج حتى بلغ الخَرَّار من أرض الحجاز،
ثم رجع ولم يلق كيداً.
سرية نخلة
وكانت في رجب من السنة الثانية
للهجرة، وتتكون من اثني عشر رجلاً من المهاجرين بقيادة عبدالله بن جحش
الأسدي وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً، وأمره ألا يقرأه إلا
بعد مسيرة يومين وتضمن الكتاب الأمر بالمُضِّي حتى وصول نخلة بين مكة
والطائف، ثم القيام برصد عيرٍ لقريش، فساروا حتى بلغوا المكان فمرت العير
تحمل زبيباً وأُدْماً وتجارة فلحق بها المسلمون حتى أدركوها في آخر يوم من
رجب وهو من الأشهر الحرم، فقتلوا ناساً من القافلة ، ولاذ البعض بالفرار،
وعادت السرية بالعير وأسيرين إلى المدينة، فعاتبهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم على قتالهم في الشهر الحرام واستغل المشركون الحادثة وتحدثوا أن
المسلمين قد انتهكوا الأشهر الحرم، ثم نزل القرآن حاسماً للموقف بأنّ ما
يقوم به المشركون من الصد عن دين الله، وعن المسجد الحرام وإيذاء المؤمنين،
والشرك بالله، أشد حرمة من القتال في الأشهر الحرم، قال تعالى: {
يَسأَلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله
وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أَهله منه أَكبر عند اللَّه والفتنة أَكبر
من القتل } (البقرة:217)، بعد ذلك قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير
والأسيرين.
وقد حققت تلك السرايا أهدافها، والتي من أهمها:
1-
بسط هيبة الدولة في الداخل والخارج، فقد استطاعت تلك السرايا أن تلفت أنظار
أعداء الدعوة والدولة الإسلامية إلى قوة المسلمين وقدرتهم على الجهاد.
2-
كانت السرايا بمثابة الإعداد العسكري لما يستقبله الصحابة من فتوحات
وغزوات قادمة، وكانت السرايا شاهدا على إخراج جنود وقادة قامت على أيديهم
نصرة هذا الدين .
3- وكان الهدف الرئيس الذي تحقق، هو ضرب مركز العدو،
حيث إنَّ قريشاً أدركت أنّ جانب المسلمين أصبح من المنعة بمكان، وأنّ طريق
تجارتها كذلك أصبح مهدداً من قِبَل المسلمين وأنّ عليها أن تفيء إلى رشدها
وتذعن لأمر ربها أو على الأقل تمتنع من الوقوف في وجه تلك الدعوة المباركة
الآخذة في الانتشار والقبول.
الفرق بين السرية والغزوة
يطلق على
كل مجموعة من المسلمين خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى عدوه
(غزوة)، سواء حدث فيها قتال أو لم يحدث، وسواء كان عددها كبيراً أو صغيراً،
ويطلق على كل مجموعة من المسلمين يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم لاعتراض
عدو كلمة (سرية) أو (بعث)، وقد يحدث فيها قتال، وقد لا يحدث، وقد تكون
لرصد أخبار عدوه أو غيره، وغالباً ما يكون عدد الذين يخرجون في السرايا
قليلاً لأن مهمتهم محددة في مناوشة العدو وإخافته وإرباكه، وقد قاد رسول
الله صلى الله عليه وسلم سبعاً وعشرين غزوة، وأرسل ما يقدر بثمانٍ, وثلاثين
سرية وبعثاً.
وسبب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه السرايا الاولى مكوَّنة من المهاجرين فقط، وذلك لأسباب:
1- أنهم هم الذين وقع عليهم الظلم من قريش، وستكون حربهم مع قريش حربًا مفهومة.
2- أن المهاجرين سيكونون أكثر حمية وأشد قوة لكونهم يستردون حقًّا شخصيًّا لهم سلبته قريش منهم قبل ذلك.
3- معرفة المهاجرين بأهل قريش وطرق حربهم وقتالهم، فقد عاشوا بين أظهرهم ردحًا طويلاً من الزمن.
4- رفع الروح المعنوية للمهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وذكرياتهم بإعطائهم الفرصة لتعويض ما خسروه ماديًّا ومعنويًّا.
5-
لم يُرِد الرسول أن يُحرِج الأنصار بالخروج في قتال ضد قريش خارج المدينة؛
لأنه قد بايعهم على نصرته داخل المدينة إذا قدم إليهم مهاجرًا، ولم يذكر
في بيعة العقبة الثانية أمر القتال خارج المدينة، فهو بذلك لا يريد أن
يحمِّلهم عبئًا لم يتفق معهم عليه.

إرسال تعليق