بعد أسبوعين من وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى قباء انتقل منها إلى المدينة المنوّرة، واستُقبلَ الحبيب مرةً أخرى
استقبالًاً رائعًا من أهل المدينة، وتسابق الأنصار جميعًا بشتى قبائلهم
لاستقبال رسول الله، والكل يريد أن يأخذ بخطام ناقته ليحظى بشرف إقامة
النبي عنده، لكن النبي قال لهم: "دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"، وبركت
ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في مكان معين بالمدينة، وفي هذا المكان
قرّر الرسول أن يبني المسجد النبوي.
روى البخاري بسنده أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم دخل المدينة راكباً راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت
عند مسجد رسول الله بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان
مربداً للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم
دعا رسول الهله الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: لا، بل
نهبه لك يا رسول اللله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه
منهما".
وفي رواية أنس بن مالك: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور
المشركين وخرب، فأمر رسول الله بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت،
وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا
يرتجزون، ورسول الله معهم وهم يقولون:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره
فانصر الأنصار والمهاجره
وشرع
النبي صلى الله عليه وسلم في العمل مع أصحابه، وضرب أول معول في حفر
الأساس الذي كان عمقه ثلاث أذرع، ثم اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس
بالحجارة، والجدران التي لم تزد على قامة الرجل إلا قليلا باللبن الذي يعجن
بالتراب، ويسوى على شكل أحجار صالحة للبناء وفي الناحية الشمالية منه
أقيمت ظلة من الجريد على قوائم من جذوع النخل، كانت «الصفة». أما باقي
أجزاء المسجد فقد تركت مكشوفة بلا غطاء، أما أبواب المسجد فكانت ثلاثة: باب
في مؤخرته من الجهة الجنوبية، وباب في الجهة الشرقية، كان يدخل منه رسول
الله بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية، يقال له باب الرحمة أو
باب عاتكة.
وقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه العمل والبناء،
فكان يحمل الحجارة، وينقل اللبن على صدره وكتفيه، ويحفر الأرض بيده كأي
واحد منهم، فكان مثال الحاكم العادل الذي لا يفرق بين أحد وقد دهش المسلمون
من النبي وقد علته غبرة، فتقدم أسيد بن حضير ليحمل عن رسول الله فقال: يا
رسول الله أعطنيه؟ فقال: «اذهب فاحتمل غيره، فإنك لست بأفقر إلى الله مني».
وقد تفاعل الصحابة الكرام تفاعلاً عظيماً في البناء، وأنشدوا هذا البيت:
لئن قعدنا والنبي يعمل
لذاك منا العمل المضلل
وكانوا يقولون أيضاً:
لاعيش إلا عيش الآخرة
اللهم ارحم الأنصار والمهاجره
وكان الهتاف الثالث:
هذي الحمال لا حمال خيبر
هذا أبر لربنا وأطهر
فأحمال
التمر والزيبب من خيبر إلى المدينة التي كانت لها مكانتها فى المجتمع
اليثربي أصبحت لا تذكر أمام حمل الطوب لبناء المسجد النبوي العظيم.
بيت النبي صلى الله عليه وسلم
ويني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حجر حول مسجده، لتكون مساكن له ولأهله، وقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين، وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النخل والجريد، وكانت صغيرة الفناء قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده، وكانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم في غاية البساطة، بينما كانت المدينة تشتهر بالحصون العالية التي كان يتخذها علية القرم، تباهياً بها في السلم واتقاءً بها في الحرب، وكانوا من تفاخرهم بها يضعون لها أسماء، كما كان حصن عبد الله بن أبي بن سلول اسمه مزاحما، وكما كان حصن حسان بن ثابت اسمه فارعة.
قصة الأذان
تشاور رسول الله صلى الله عليه
وسلم مع أصحابه لإيجاد عمل ينبه النائم ويدرك الساهي، ويعلم الناس بدخول
الوقت لأداء الصلاة، فقال بعضهم: ترفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها
الناس، فاعترضوا على هذا الرأي لأنها لا تفيد النائم، ولا الغافل. وقال
آخرون: نشعل نارا على مرتفع من الهضاب، فلم يقبل هذا الرأي أيضا. وأشار
آخرون ببوق، وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم فكرهه الرسول صلى الله
عليه وسلم لأنه يحب مخالفة أهل الكتاب في أعمالهم. وأشار بعض الصحابة
باستعمال الناقوس وهو مايستعمله النصارى فكرهه الرسول صلى الله عليه وسلم
أيضاً. وأشار فريق بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها
فقبل هذا الرأي. وكان أحد المنادين عبد الله بن زيد الأنصاري فبينما هو بين
النائم واليقظان، إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء
بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل: الله أكبر مرتين، وتشهد مرتين، ثم قل: حي
على الصلاة مرتين، ثم قل: حي على الفلاح مرتين، ثم كبر ربك مرتين، ثم قل:
لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره
خبر رؤياه فقال: إنها لرؤيا حق ثم قال له: لقن بلالا فإنه اندى صوتاً منك،
وبينما بلال يؤذن للصلاة بهذا الأذان جاء عمر بن الخطاب يجر رداءه، فقال:
والله لقد رأيت مثله يا رسول الله، وكان بلال بن رباح أحد مؤذنيه بالمدينة،
والآخر عبد الله بن أم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حي على
الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على
ذلك.
أهمية المسجد في حياة الأمة
إن إقامة المساجد من أهم الركائز في بناء المجتمع الإسلامي، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وإنما ينبع ذلك من روح المسجد ووحيه، والمسجد في حياة الأمة له أدوار في غاية الأهمية منها:
1- أنه أنشئ ليكون متعبداً لصلاة المؤمنين، وذكرهم لله تعالى وتسبيحهم له، وتقديسهم إياه بحمده وشكره على نعمه عليهم، يدخله كل مسلم، ويقيم فيه صلاته وعبادته، ولا يضاره أحد ما دام حافظاً لقداسته، ومؤديا حق حرمته.
2- أنشئ المسجد ليكون ملتقى رسول الله بأصحابه، والوافدين عليه، طلبا للهداية، ورغبة في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته.
3-
أنشئ ليكون جامعة للعلوم والمعارف وليكون مدرسة يتدارس فيها المؤمنون
أفكارهم، وليتفقهوا في الدين ويرجعوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين، داعين إلى
الله هادين، يتوارثونها جيلاً بعد جيل.
4- أنشئ ليكون مقراً لاجتماع
المجاهدين إذا استنفروا، تعقد فيه ألوية الجهاد، والدعوة إلى الله، وتخفق
فيه فوق رؤوس القادة الرايات للتوجه إلى مواقع الأحداث، وفي ظلها يقف جند
الله في نشوة ترقب النصر أو الشهادة.
5- أنشئ ليجد فيه المجتمع المسلم
الجديد ركنا في زواياه، ليكون مشفى يستشفى فيه جرحى كتائب الجهاد، وليكون
مبردا لبريد الإسلام، منه تصدر الأخبار، ويبرد البريد، ونصدر الرسائل، وفيه
تتلقى الأنباء السياسية سلما أو حربا.

إرسال تعليق