تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

 

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان العمل الثاني الذي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بنائه المسجد، هو عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وذلك أن المهاجرين لما قدموا المدينة، لم يكن بأيديهم شيء، لأنهم تركوا أموالهم خلفهم، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم حل هذه الأزمة المادية التي اجتاحت المهاجرين.
وكانت المدينة بطبيعة الحال فيها الزراعة والصناعة التي لم يكن المهاجرون قد تمرسوا بشيء منها؛ لأن وظيفة المهاجرين الأساسية في مكة كانت التجارة؛ لأن مكة لم تكن بلداً ذات زرع، ثم إن هؤلاء المهاجرين لما قدموا إلى المدينة لم يستطيعوا ممارسة التجارة؛ لأن التجارة تحتاج إلى رأس مال، ولذلك لم يتمكنوا من شق طريقهم بأنفسهم في المجتمع الجديد، وكانت حياتهم في المدينة حياة صعبة، وكان الحنين إلى مكة شديداً، وأصابت المهاجرين حمى يثرب، وهي وباء كان فيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا الله أن تنتقل الحمى إلى الجحفة، ورفعت الحمى من المدينة، ونزلت في الجحفة.
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم الله سبحانه وتعالى أن يحبب المدينة إليهم كحبهم مكة أو أشد، وبالفعل صارت محبة المهاجرين للمدينة شديدة، حتى إنهم بعد فتح مكة ما جلسوا في مكة، وإنما رجعوا إلى المدينة، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، مع أنها فتحت مكة، ورجعت إليهم بيوتهم ودورهم وأموالهم، ولكن مع ذلك بقيت محبة المدينة هي الأساس، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون جميعاً إلى المدينة.


والذي كان يتطلبه الموقف في قضية الفقر الذي كان عند المهاجرين، ومشكلة النازحين إلى المدينة، كانت تتطلب حلاً جذرياً وسريعاً، ولذلك شرعت المؤاخاة، ولم يبخل الأنصار بشيء من العون، بل مدوا أيديهم لإخوانهم، وضربوا الأمثلة الرائعة في التضحية والإيثار، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: 9].
وقد بلغ كرم الأنصار حداً عالياً، حيث اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم نخلهم بينهم وبين المهاجرين، يعني يشاطره في ماله، نصفه لأخيه ونصفه يبقى له، ولكن المهاجرين لم يكن عندهم علم بكيفية رعاية النخل؛ لأنهم ما كانوا أصحاب زرع في مكة، ولذلك خشي صلى الله عليه وسلم أن لو انتقل إليهم النخيل تموت عندهم، لا يعرفون إدارتها، ولذلك أبقى النخيل للأنصار، ولكنَّ المهاجرين يشاركونهم في الثمرة.
وبدأ المهاجرون يتعلمون الزراعة والاهتمام بها، وجاء في الحديث أن عمر وصاحبه الأنصاري كانا يتعاونان في طلب العلم والقيام على الزرع، فعمر ينزل يوماً وصاحبه يعمل، واليوم الذي بعده ينزل صاحبه وعمر يعمل، وهكذا صار هناك بداية لاستيعاب القيام بالنخل، وما تحتاج إليه، وابتنى النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه دوراً في أراضٍ وهبتها لهم الأنصار، وأراضٍ ليست ملكاً لأحد، ومع أن الأنصار، قالوا: إن شئت فخذ منا منازلنا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم خيراً.
ولما رأى المهاجرون ووجدوا هذه الرعاية الكريمة، قالوا: "يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ، وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَا -أي الثمرة- لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، فقال صلى الله عليه وسلم: أَمَّا مَا دَعَوْتُمْ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ مُكَافَأَةٌ، أَوْ شِبْهُ الْمُكَافَأَةِ.
وترتب على هذا التشريع حقوق خاصة بين المتآخيين كالمواساة، والمواساة، هي: تقديم جميع أوجه العون، سواء كان عوناً مادياً أو رعاية أو نصيحة أو تزاوراً أو محبة، وحتى التوارث، كان إذا مات الأنصاري يرثه المهاجري، وإذا مات المهاجري يرثه الأنصاري، يرثه بالتآخي، واستمر هذا فترة من الزمن حتى نسخ ذلك بقول الله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) [الأنفال: 75].
فنسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار.

وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة، عدداً كبيراً ممن آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فقال: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، من المهاجرين والأنصار فقال: "تآخوا في الله؛ أخوين أخوين"

1- فكان أبو بكر الصديق مع خارجة بن زيد أخوين.

2- وعمر بن الخطاب مع عتبان بن مالك أخوين.

3- وأبو عبيدة بن الجراح مع أبي طلحة أخوين.

4- وعبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع أخوين.

5- وجعفر بن أبي طالب مع معاذ بن جبل أخوين.

6- ومصعب بن عمير مع أبي أيوب الأنصاري أخوين.

7- وأبو ذر الغفاري مع المنذر بن عمرو أخوين.

8- وسلمان الفارسي مع أبي الدرداء أخوين.

9- وطلحة بن عبيد الله مع كعب بن مالك أخوين.

10- والزبير بن العوام مع سلمة بن سلامة بن وقش أخوين.

11- وبلال بن رباح مع أبي رويحة الخثعمي أخوين.


وليس معنى هذا أنه لم يكن التآخي إلا بين هؤلاء، وإنما كان هذا أول ما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وصار يجددها بحسب من يأتي إلى المدينة مهاجرا، ومن دخل في الإسلام بعد ذلك.
وعند النظر إلى أسماء هؤلاء الصحابة، نجد أن تلك المؤاخاة لم تُقِم وزنًا للاعتبارات القبلية أو الفوارق الطبقية، حيث جمعت بين القوي والضعيف، والغني والفقير، والأبيض والأسود، والحرّ والعبد، وبذلك استطاعت هذه الأخوُّة أن تنتصر على العصبيَّة للقبيلة أو الجنس أو الأرض، لتحلّ محلّها الرابطة الإيمانية، والأخوة الدينية.

المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع

يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عما وصلت إليه هذه المؤاخاة فيقول:(لما قدمنا إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن بن عوف : بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال سعد: سوق قينقاع، قال فغدا إليه عبد الرحمن.
وعبد الرحمن بن عوف لما عرض عليه هذا العرض المغري، لم يكن بالذي يوافق عليه، وإنما كان عفيفاً، عفة النفس، أي أن الإنسان لا يقبل بأعطيات الآخرين، إذا لم يكن هناك ضرورة أو حاجة ماسة، ولذلك قال عبد الرحمن لسعد: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا، فذهب إلى السوق، فباع واشترى، وباع واشترى، ورجع بفائض من سمن وأقط.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم عليه أثر صفرة بعد فترة عليه، فقال: مهيم؟ فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم: أولم ولو بشاة.

وبعد معركة بدر، وزعت الغنائم، وصار هناك شيء من الاكتفاء بالغنائم عند المهاجرين؛ لأن كثيراً من الذين خرجوا فيها من المهاجرين، فأُبطل نظام التوارث بين المتآخيين، بقوله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) لكن نسخ هذه الآية، ليس نسخاً للمؤاخاة، وإنما نسخ للتوارث فقط، فقد بقيت المؤاخاة بالنصرة، والرفادة، والنصيحة، وبقيت العلاقة موجودة بينهم.
لقد ساهمت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في تقوية المجتمع المسلم الجديد في المدينة، وبتحقيقها ذابت العصبية وحظوظ النفس، فلا ولاء إلا لله ورسوله والمؤمنين، وأشاعت في المجتمع عواطف ومشاعر الحب، وملأته بأروع الأمثلة من الأخوة والعطاء والتناصح والإيثار، وجعلته جسدا واحداً في السراء والضراء، والآلام والآمال، ومن هنا كانت حكمته صلى الله عليه وسلم في جعل أول عمل يقوم به حين مقدمه المدينة، بعد بناء المسجد تأسيسه للمجتمع على المؤاخاة، والتي كانت حلا لكثير من المشاكل، وقد مدح الله سبحانه وتعالى الأنصار بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب