هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري أسلم قديمًا بمكة، فحبسه أبوه وأوثقه في الحديد، ومنعه الهجرة.
وأما
عن قصة هجرته ففي ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، خرج النبي صلى الله
عليه وسلم في ألف وأربعمائة مسلم، متجهين إلى مكة لقضاء أول عمرة لهم بعد
الهجرة، وحملوا معهم السلاح توقعًا لشر قريش، وحين وصل المسلمون إلى عسفان
مكان بين مكة والمدينة، جاءتهم أخبار باستعدادات قريش لصد ومنع المسلمين من
دخول مكة.
فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأشار أبو بكر رضي
الله عنه بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت، وقال: فمن صدنا
عنه قاتلناه، فقال صلى الله عليه وسلم:" امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ "،
وقرب موضع يقال له الحديبية قبيل مكة، أرسلت قريش عروة بن مسعود للتفاوض مع
الرسول صلى الله عليه وسلم ومنعه من دخول مكة وعقد معاهدة معه، ثم أرسلت
سهيل بن عمرو لإتمام المفاوضات.
وقد أسفرت هذه المفاوضات عن اتفاق
هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات، وأن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام
فلا يقضوا العمرة إلا العام القادم، وأن يرد محمد صلى الله عليه وسلم من
يأتي إليه من قريش مسلمًا، وألا ترد قريش من يأتيها مرتدًا، وأن من أراد أن
يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد صلى الله عليه
وسلم من غير قريش دخل فيه.
وبعد الانتهاء من كتابة وثيقة الصلح
والمعاهدة جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه وهو في قيوده هاربًا
من المشركين في مكة، فقام إليه أبوه سهيل فضربه في وجهه وقال: هذا يا محمد
أول من أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم
للمشركين، فقال أبو جندل: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُرَدُّ إِلَى
الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي؟، فقال له النبي صلى الله عليه
وسلم: "أبا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ
وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ
صَالَحْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَجَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ
الْعَهْدُ، وَإِنَّا لَا نَغْدِرَ".
وفي أعقاب صلح الحديبية وعودة النبي
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، استطاع أبو بصير أن يفر بدينه من التعذيب
في سجون قريش في مكة المكرمة، فبعثت قريش اثنين من رجالها إلى النبي صلى
الله عليه وسلم ليعودا به تنفيذًا لشروط المعاهدة.
ويروي عروة بن
الزبير رضي الله عنه في حديث الحديبية الطويل فيقول:(... ثُمَّ رَجَعَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ
فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ
فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِي
جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى
بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ
فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى
سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ
وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ
فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ
فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ
فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ: "لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا" فَلَمَّا
انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُتِلَ
وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ
يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ
رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ
حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ
سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ
وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي
بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا
لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ
مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأمِ إِلَّا
اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَأَرْسَلَتْ
قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ
بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ
فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) ، {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ
عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)}
[الفتح: 24].
ثم انفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردَّه صلى الله
عليه وسلم يوم الحديبية، وخرج من مكة في سبعين راكبًا أسلموا فلحقوا بأبي
بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة الهدنة
خوفًا من أن يردهم إلى أهلهم، وانضم إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف
من العرب ممن أسلم حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، فقطعوا مارة قريش لا يظفرون
بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا أخذوها، حتى كتبت قريش له صلى
الله عليه وسلم تسأله بالأرحام إلا آواهم ولا حاجة لهم بهم، فكتب رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه، وأن من معهم من
المسلمين يلحق ببلادهم وأهليهم ولا يتعرضوا لأحدٍ مر بهم من قريش ولا
لعيرهم، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وأبو بصير مشرف على
الموت لمرضٍ حصل له، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده
يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدًا.
وقال أبو جندل وهو مع أبي بصير:
أبلغ قريشًا من أبي جندل
أني بذي المروة بالساحل
في معشر تخفق أيمـانهم
بالبيض فيها والقنى الذابل
يأبون أن تبقى لهم رفقة
من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا
والحق لا يغلب بالباطـل
فيسلـم المرء بإسلامه
أو يقتل المـرء ولم يأتـل
وعن
المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، فذكر القصة؛ قال: وجاء أبو جندل بن
سهيل يرسف في قيوده، فقال: يا معشر المسلمين، أردُّ إلى المشركين وقد جئتُ
مسلمًا! ألا ترون إلى ما لقيت، وكان قد عذب عذابًا شديدًا، وكان مجيئه قبل
فراغ الكتاب؛ فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "أجزه لِي". فامتنع، وقال:
هذا ما أقاضيك عليه. فقال:"إنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ". قال:
فوالله لا أصالحك على شيء أبدًا. فأخذ سهيل بن عمر وأبوه فرجع به، فذكر قصة
إسلامه ولحاقه بأبي بصير بساحل البحر وانضمُّ إليهما جماعةٌ لا يدعون
لقريش شيئًا إلا أخذوه حتى بعثوا إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم
يسألونه أن يضمهم إليه.
وفي قصة أبي جندل وأبي بصير ظهر المثال
العملي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب الوفاء بالعهود، وحرمة
الغدر والخيانة حتى مع الأعداء.. فحينما جاء أبو جندل في الأغلال، وقد فرَّ
من مشركي مكة، ومن بعده أتى أبو بصير هاربًا من قريش، ردهما رسول الله صلى
الله عليه وسلم
وكذلك وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والانقياد
لأمره، وإن خالف ذلك العقل أو كرهته النفوس، قال سهل بن حنيف رضي الله عنه
يقول: "اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ
أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَرَدَدْتُهُ".
مات بالشام في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

إرسال تعليق