محاولات إنهاء المعركة
أمرت السيدة عائشة رضي الله عنها بحضور القاضي
كعب بن سؤر وكان قد اعتزل فلبّى طلبها بإجلال وإكبار لمقامها، فجاء وأخذ
بخطام جملها فنادته وقالت: خَلَّ يا كعب عن البعير وتقدمْ بكتاب الله عز
وجل فادْعْهم إليه ودفعت إليه مصحفاً وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون
أن يجري الصلح فاستقبلهم كعب بالمصحف وعلي رضي الله عنه من خلفهم يَزعْهم
ويأبّؤن إلا إقداماً فلما دعاهم كعبٌ رشَّقُوه رشقاً واحداً فقتلوه، ورمَؤا
عائشة في هودجها فجعلت تنادي: يا بَنيّ البقية البقية ويعلو صوتها كثرة:
الله الله اذكروا الله عز وجل والحساب فيأبون إلا إقداماً فكان أول شيء
أحدثته حين أبَوا أن قالت: أيها الناس الْعَنوا قتلةَ عثمان وأشياعَهم
وأقبلت تدعو.
وضّج أهل البصرة بالدعاء، وسمع علي بن أبي طالب الدعاءً
فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان
وأشياعهم، فأقبل يدعو ويقول: اللَّهمٌ العَنْ قتلة عثمان وأشياعهم).
وفي
رواية: عن محمد ابن الحنفيّة: أن عليَاً بَلَغه أن أم المؤمنين عائشة تلعن
قتلة عثمان، فقال علي: (لعنّ الله قتلة عثمان في السهل والجبل والبر
والبحر!) ومن طريق آخر قال علي: (اللَّهم أَحلِل بِقتلة عثمان خزياً).
وهكذا
اشترك صالحو الفريقين في لعن قتلة أمير المؤمنين الشهيد المظلوم، في
الساعة التي كان فيها قتلة عثمان يُنشِبون القتال بين صالحي المسلمين.
واستجاب
لنداء علي وأم المؤمنين الصالحون والمخلصون والعلماء والعقلاء، وكثيرٌ ما
هم، لكن السبئية والغوغاء ونْزاع القبائل والمطرودين من قبائلهم لا يأبهون
لدين أو خلق ولا يرجعون إلى فضيلة أو مكرمة؛ مستمرون في ضلالهم وتسعيرهم
نار الحرب.
وقصد أولئك المجرمون أمَّ المؤمنين واستهدفوا جملها فالتف
حولها أهل البصرة ومن كان معهم من أهل مكة والمدينة يحمونها وينافحون عنها
والخوارج السبئية وقتلة عثمان منبشون بين الناس ويقاتلون ضمن عشائرهم لكي
لا يتميزوا فيُؤْخذوا ويُقتلوا، وكذلك ليستجروا معهم قبائلهم ويخلطوا
الأمور ويزيدوا من حدة الخلاف والاشتباك وتسعير القتال.
فلما رأى
عقلاء الفريقين شدة الاشتباك تنادوا فى العسكرين: (يا أيها الناس طَرّفوا؛
أي: تجَّنبوا القتل، وإذا كان لابِدّ من قتال فعلى الأطراف: ودافع الذين
حول الجمل حتى أبعدوا المهاجمين، ثم ضربوا ضرباً ليس بالتعذير أي: المبالغ
فيه ولا يَعِْدلون بالتطريف حتى إذا كثْر ذلك وظهر في العسكرين جميعاً؛
راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يُصرع الجمل).
واستهدف السبئية
جملَ أم المؤمنين عائشة يريدون قتلها وقد تكاثف حولها المدافعون عنها فكانت
أم المؤمنين في حَلّقة من أهل النّجدات والبصائر، وكان من يأخذ بزمام
الجمل يحمل الراية وينتسب لها: أنا فلان ابن فلان، وكانوا يقاتلون عليه
وإنه للموت لا يوصّل إليه إلا بطِلبةٍ وعَنّت.
وتقدم عبد الله بن
الزبير وبه سبع وثلاثون جراحة من ضربة وطعنة، وأخذ بزمام الجمل، ومشى إليه
الأشتر النّخَعي فاختّلفا ضربتين، ضَربه الأشتر فَأَمّه وواثبّه عبد الله
فاعتنقه فخرّ به، وجعل يقول (اقتلوني ومالكاً)، وكان الناس لا يعرفونه
بمالك، ولو قال: (والأشتر) وكانت له ألف نفس ما نجا منها شي وما زال يضطرب
في يدي عبد الله حتى أُفْلّت.
وجاء محمد بن طلحة بن عبيد الله المعروف
بالسَجَاد فأخذ بزمام الجمل وقال لأم المؤمنين: يا أمّتاه مُرِيني بأمركِ
قالت: آمرْكَ أن تكون كخير ابني آدم إِنْ تركت، فحمل، فجعل لا يحمل عليه
أحد إلا حمل عليه ويقول: (حم لا ينصرون) واجتمع عليه نفر فكلهم ادّعى
قَتله.
واشتد القتال حول أم المؤمنين من قبل دعاة الفتنة من السبئيين
والمدافعين عنها؛ يقول حُجير بن الربيع العَدَوي: (قُتل بَشْرٌ كثير حول
عائشة يومئذ سبعون كلهم قد جمع القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر).
ورأى
الصالحون المخلصون أن المعركة سيستمر لهيبها ما دامت أم المؤمنين على
جملها وَعُظُمُ الفريقين يحرص على حرمتها وحياتها وفيهما كذلك المجرمون
الذين لا يرجون لله وقاراً وليس عندهم دين يَردعُْهِم ولا خلق ينفعهم؛ ولا
قائد يَرَعْهم ويغل أيديّهم! فاجتهد أمير المؤمنين علئّ وغيره في أن يعقروا
الجمل لينفضٌ الناس ويتوقف القتال وتُحقن الدماء، وتحفظ حرمة أم المؤمنين
وحياتها وكرامتها.
روى الصعب بن حَكيم بن شّريك عن أبيه، عن جدّه
شَرِيك بن نمْلّةَ قال: قال علي: مَن رجلٌ يحمل على الجمل؟ فانتّدب له هند
بن عَمْرو المُرادي فاعترضّه عمرو بن يثربي فقتله ثم حمل آخرون، فاعترضٌّهم
ابن يثربي وقتل ثلاثة منهم.
وفي رواية عن عبد الله بن الزبير: (ونادى
علي: اعقروا الجمل فإنه إِنْ عُقر تفرّقوا فضربه رجلٌ فسقط فما سمعثُ صوتاً
أشد من عَجِيج الجمل). وفي رواية: أن الذي أشار بعَقّر الجمل هو القعقاع بن عمرو.
وفي
رواية صحيحة: عن عبد الرحمن بن أَبْزى قال: (انتهى عبد الله بن بُدَيْل بن
ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج؛ فقال: يا أم المؤمنين.
اتعلمين أني أتيّتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني؟ فقلت؛ الزمْ عليًً؟
فسكتّت فقال: اعقروا الجمل؛ فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا
هودَّجّها فوضعناه بين يدَّيْ عليٌ؛ فأمر بها فأدخلت بيتاً).
ولما سقط
الجمل انهزم الناس وانتهت المعركة وألقت الحرب أوزارها بعد أن تركت جراحاً
في جسم الأمة من ذلك الوقت ولا تزال إلى الآن تجد من ينكؤها ويستطيل بلسانه
وقلمه على الصحابة ويقع في أعراضهم ويتغاضى عن جرائم قتلة عثمان والسبئية
الذين كانوا ضد كل إصلاح وتسكين ومساعيرٌ شرّ وموقدي فتنة.
في أعقاب معركة الجمل
جاء
عن أمير المؤمنين علي مِنْ غير وجه: أنه أمر مناديه يوم الجمل: أن لا
يُتبع مدبر ولا يُذَفْف على جريح ولا يُقتل أسير ومّن أغلق بابه فهو آمن،
ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ولا يُستحل فرج ولا مال؛ ولا يؤخذ من متاعهم شيء.
وبعد
أن فرغ عليٌ من الوقعة جمع ما وجده لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن
يُحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئاً هو لأهله فليأخذه إلا سلاحاً كان في
الخزائن عليه سِمَةٌ السلطان ودخل البصرة فوجد في بيت المال ست مئة ألف
درهم، فقسمها على من شهد معه الوقعة؛ فأصاب كل رجل خمس مئة، خمس مئة فخاضٌ
في ذلك السبئية وطعنوا على أمير المؤمنين من وراء وراء.
عن عبد خير:
(أن عليّاً لم يسب يوم الجمل ولم يخمّس قالوا: يا أمير المؤمنين ألا تخمّس
أموالّهم؟ فقال: هذه عائشة تستأمرونها! قالوا: ما هو إلا هذا ما هو إلا
هذا).
وفي رواية عن أبي البختري: (قالوا: يا أمير المؤمنين تحل لنا
دماءهم ولاتحل لنا نساؤهم قال: فخاصموا، فقال: كذلك السيرة في أهل القبلة
فهاتوا سهامَكم واقرَعُوا على عائشة فهي رأسُ الأمر وقائدهم قال: ففرقوا
وقالوا: نستغفر الله قال: فخصّمهم علي).
أقام علىٌ في عسكره ثلاثة أيام
لا يدخل البصرة، وندّب الناس إلى موتاهم فخرجوا إليهم فدفنوهم، فطاف على
معهم في القتلى، فلما أتي بكعب بن سؤر قال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء
وهذا الحَبْر قد ترون، وأتى على عبد الرحمن بن عتّاب فقال: هذا يَعْسوب
القوم وجعل علي كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا
إلا الغوغاء، هذا العابد المجتهد وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة وعلى
قتلاهم من أهل الكوفة، وصلّى على قريش من هؤلاء وهؤلاء فكانوا مدنيين
ومكيين، ودفن الأطراف في قبر عظيم.
وبعد الفراغ من المعركة أقبل أمير
المؤمنين على مخالفيه الذين قاتلوه، وبذل لهم الرفق والمسامحة؛ وبادلوه هم
كذلك بالموافقة وتجاوز المحنة والحرص على وشائج الأخوة وتوحيد الكلمة،
وجددوا له البيعة.
عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: (انطلقت فدخلت على
أمير المؤمنين فسَلّمِتُ فقال: أتبايع، تدخل فيما دخل فيه الناس؟ قلت: نعم
قال هكذا: ومد يده فبسَطها قال: فبايعتُه. ثم قال: ارجع إلى أهلك ومالِك
قال: فلما رأى الناس قد خرجت جعلوا يدخلون فيبايعون).
ويأتي الصحابي عمار بن ياسر وهو من أبرز وجوه الناس في جيش علي فيستأذن على أم المؤمنين عائشة ويعاتبها على اجتهادها في خروجها
عن
أبي يزيد المديني قال: (قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل: ما
أبعدٌ هذا المسيرٌ من العهد الذي عُهد إليكم يشير إلى قوله تعالى:
(وقَرنَ فى بُيُوتكُنَ) [الأحزاب: 68] فقالت: أبو اليقظان! قال: نعم، قالت:
والله إنكَ ما علمت قوّال بالحق، قال: الحمدٌ لله الذي قضَّى لي على
لسانك).
وعن عَمْرو بن غالب قال: (دخل عمار والأشتر على عائشة بالبصرة،
فقال عمار: السلامٌ عليك يا أَمّه قالت: لست لك بأمُ قال: بلى؛ وإن كرهت).
علي والسيدة عائشة رضي الله عنهما بعد المعركة
ومع
كل ما جرى كان عمار شأن جميع الصحابة والأخيار الذين طهّر الله قلوبّهم
وألسنتّهم يُجَلَّ السيدة عائشة ويؤكد منزلتها في الإسلام ويقرع كل من
يجترئ على النيل من مقامها الرفيع وعندما سمع رجلا ينال منها قرعه قائلاً: (اغرب مَقبوحا مَنْبِوحاً أتؤذي حبيبةً رسول الله صلى الله عليه وسلم).
عن
أبي رافع: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبى طالب: «إنه
سيكون بينك وبين عائشة أمرٌّ» قال: أنا يا رسول الله؟ قال: «نعم» قال: أنا؟
قال: «نعم» قال: فأنا أشُقاهم يا رسول الله! قال: «لا ولكنْ إن كان ذلك
فاردُدْهَا إلى مأمنها».
وعن عاصم بن كُليب عن أبيه قال: (انتهينا إلى علي رضي الله عنه فذّكر عائشة، فقال: حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وبعد
الفراغ من وقعة الجمل أمر علي بإكرام أم المؤمنين، وأنزلها دارٌ عبد الله
بن خلف أعظمّ دار بالبصرة وجاء لزيارتها والاطمئنان عليها ووداعها فجاءه
رجل فأخبره أن بالباب رجلين ينالان من السيدة عائشة فأمر القعقاعَ بن عمرو
أن يجلد كلا منهما مئة جلدة وأن يجرّدهما من ثيابهما ففعل.
ودخل
أمير المؤمنين على السيدة عائشة وهي في دار عبد الله بن خلف، ومعها أخوها
محمد بن أبي بكر فسلَم علي عليها وقعد عندها؛ وقال لها: كيف أنت يا أَمه؟
قالت: بخير قال: يغفر الله لكي قالت: ولك.
ولما أرادت أم المؤمنين
العودة إلى مكة جهّزها علىٌ بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك
وأذِنَ لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار
لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسيّر معها أخاها محمد بن
أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب وحضر
الناس، وخرجت من الدار في الهودج فودّعت الناس ودّعت لهم، وسار علي معها
مودّعاً ومشيّعاً أميالاً وسرّح بَنيه معها بقية ذلك اليوم، وكان يوم السبت
مستهل رجب سنة 36ه.
استشهاد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
ترددت
الأخبار واضطربت فيمن قتل طلحة، فروي أن مروان بن الْحَكم رماه بسهم
فقتله، وقيل: بل جاءه سَهْم غرب لا يُعرف راميه فقتله، وهذا هو الصواب وإن
كان الأول هو المشهور، وبعد التحقيق في الروايات؛ يتبيّن أن مروان بريء من
قتل طلحة والصحيح أنه استشهد بسهم لا يُعرف راميه.
قال خليفة بن خياط:
(كانت وقعة الجمل بالبصرة بالزاوية ناحية طن البصرة، وفيها قتل طلحة بن
عبيد الله في المعركة؛ أصابه سَهْم غرب فقتله).
وإليه جنح ابن كثير
فقال: (وأما طلحةٌ فجاءه في المعركة سَهْمِ غرب يُقال: رماه به مروان بن
الحكم. فالله أعلم). وقال في موضع آخر: (لمَّا حضر يوم الجمل جاءه سهم غرب
فوقع في ركبته وقيل: في رقبته والأول أشهر ويُقال: إن الذي رماه بهذا السهم
مروان بن الحكم، وقد قيل: إن الذي رماه غيره، وهذا عندي أقربْ وإن كان
الأول مشهوراً)
والرواية التي يتمسك بها من يُلصِقون قَتلَّ طلحة
بمروان، هي مارواه قيس بن أبي حازم قال: (رأيتُ مروان بن الحكم حين رمى
طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته، فما زال الدم يسيح إلى أن مات).
وهذه
الرواية صحّحها الحافظ ابن حجر وغيره ولكن قيس لم يشهد وقعة الجمل ولم
يذكر أحدٌ من المؤرخين أنه شهدها مع أي من الفريقين، بل كان مع علي يوم
النهروان.
وعلى التسليم بصحة سندها فإن في متنها ومتن غيرها من الروايات نكارةٌ شديدة.
فتارة
ترى مروان يقول: (هذا أعان على قتل عثمان)، وتارة يقول: (لا أطلب بثأري
بعد اليوم)، ويقول لأبان بن عثمان: (قد كفيناكَ بعضٌّ قتلة أبيك).
فإن
تصحيح مثل هذه الروايات يعني إثباتَ التهمة على طلحة بأنه أعان على قتل
عثمان، بل إنه من قتلته! ثم كيف يتهم مروانُ طلحةً بقتل عثمان أو التأليب
عليه وهو قد عاينً مواقفه منة وكان باللأمس القريب مع ابنه محمد بن طلحة
السجّاد في الدار ينافحان عن عثمان.
وأيضاً فإن طلحة خرج مع الزبير
وعائشة في جيش إلى البصرة ليستعينوا بأهلها على قتل قتلة عثمان، فكيف يصحٌ
اتهامُ طلحة بالتأليب على عثمان والسعي في قتله؟ ومروان معه في ذلك الجيش
ويعلم صدق مسعاه في ذلك.
ثم أي ثأر لمروان حتى يقتل طلحة وهو معه في جيش واحد وقد خرجوا جميعاً للمطالبة بدم أمير المؤمنين عثمان.
ومما
يؤيد براءةً مروان من دم طلحة ما أخرجه ابن سعد: عن محمد الأنصاري، عن
أبيه قال: ( جاء رجل يوم الجمل فقال: ائذنوا لقاتل طلحة قال: فسمعت علياً
يقول: بشره بالنار).
وهل بإمكان مروان أن يذهب إلى أمير المؤمنين عليّ ويصل إليه دون أن تتناوشه سهامٌ السبئية القاتلة؟!.
والذي
يترجّح أن قاتلّ طلحة كان من السبئية في جيش أمير المؤمنين علي، وهو ممن
يضطغن على طلحة وأمثاله، فحرص على قتلِه ولماتمٌ له ذلك أسرع إلى علي وهو
يظن أنه سيُفرحه بذلك، فجابَهه أمير المؤمنين بتلك العقوبة التي صعقت
فؤاده.
استشهاد الزبير بن العوام رضي الله عنه
كان الزبير يستعرض
مجريات الأمور وبواعثها ونتائجها ويجمع بين أطرافها؛ فتبيّن له أن من
الخير له في دينه وآخرته أن يخفف من وقود المعركة ويسرع في إنهائها وذلك
بأن ينسحب من ميدانهاء فقرّر ذلك وغادرها دون أن يعبأ بقول قائل: إنه تركها
جبناً أو إنما يقاتل للإصلاح.
ففي طريقهم إلى البصرة وقد نبحت كلابُ
الحَوْءَب فحدثت السيدة عائشة بحديث النبي كَل في ذلك، وعزمت على الرجوع
فقيل لها: إنما خرجت للإصلاح وكان هذا بمَسمع الزبير بلا شك لأنه من لكنْ
لم يكن كافياً ليصرفّه عن هدفه واجتهاده فى خروجه هذا.
وعندما حَدَّثْ
فى البصرة ما حدث ونشب القتال، ورأى اختلاط الأمور. ووجود أصحاب الفتنة
وموقدي نارها في الصفوف؛ ازداد الهاجس في نفسه وقوي تشككه في صحة خروجه.
وانضاف
إلى ذلك ما عايّنه من اتفاقهم على الصلح مع القعقاع ثم نشوب القتال من
الليل، وهو لا يَتهم من معه من الصالحين ولا يَزمي به أخاه عليّاً وصالحي
جيشه كذلك فعَلِمَ أن الأمر لا يستقيم على طريقة مستنيرة.
وكذلك مجيء ابن عباس إلى الزبير وقوله له: (أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاِتل بسيفك على بن أبي طالب بن عبد المطلب).
كل
هذه العوامل، مع ما للزبير من تاريخ مجيد ومواقف خالدة ونفس أبية وورع
وإخلاص؛ حملته على أن يترك المعركة وينسحِبَ منها غير آبهِ بما يُقال فيه
وعنه، فبطولة البطل تكمن بالاستمساك بثوابته وقناعاته ونداء الإيمان من
قلبه والأدلة التي قامت بين يديه، لا ينتظر مدحة ولا يخشى تثريباً.
روى
خبر استشهاد الزبير جمهرة المؤرخين وأصحاب التراجم فقيل:( أن الزبير لما
انسحب من أرض المعركة لحق (بسفوان) موضع بالبصرة كمكان القادسية من الكوفة
فلقيه النَِّعر - رجل من مجاشع - فقال: أين تذهب يا حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إليّ فأنت في ذمتي لا
يوصّل إليك فأقبل معه فأتى الأحنف بن قيس خبره فقيل: ذاك الزبير قد لقي
بِسَفوان فما تأمر قال: جْمَع بين المسلمين حتى ضرب بعضّهم حواجبَ بعض
بالسيوف ثم يلحق ببيته! فسمعه عمير بن جُرموز وفَضَّالة بن حابس ونفيع
فركبوا في طلبه فلقوه مع النَّعره فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس
له ضعيفة، فطعنه طعنةٌ خفيفة، وحمل عليه الزبير وهو على فرس له يُقال له:
ذو الخمار حتى إذا ظن أنه قَاتِلَه نادى عمير بن جرموز: يا نفيع يا
فُضَالَةَ فحملوا عليه فقتلوه.)
عن الحسن البصري قال: (جاء رجلٌ إلى
الزبير أيام الجمل فقال: أقتَل لك عليّاً؟ قال: وكيف؟ قال: آتيهِ فأخبره
أنْي معه ثم أَفْتِكُ به! فقال الزبير: لا سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: «الإيمانٌ قَيد الفتك لا يَفتكُ مؤمنٌ).
ومواقف أمير
المؤمنين على من طلحة والزبير كثيرة شهيرة في إجلالهما وحبّهما وإكرامهما
والثناءٍ عليهما والحزن البليغ على فراقهما، ومن ذلك:
عن عامر الشعبي
قال: (رأى علي بن أبي طالب طلحة بن عبيد الله ملقى في بعض الأودية، فنزل
فمسح التراب عن وجههه ثم قال: عزيز على أبا محمد أن أراك مُجَندلاً في
الأودية وتحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري).
قال الأصْمَعي: عُجَري وبجري سرائري وأحزاني التي تموج في صدري.
وعن
طلحة بن مصرف: (أن عليّاً انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل عن دابّتِه
وأجِلْسَه فجعل يَمسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، ويقول: ليتني
مِتْ قبل هذا اليوم بعشرين سنة). بل إن عليّاً لَيحفظٌ طلحة بعد
استشهاده ويُحسن إليه وإلى عقبه، ويبكيه ويرثيه ويعلن ذلك أمام جنده، ويؤنب
من يسيء إلى طلحة ولو بكلمة.
عن أبي حَبيبة مولى طلحة قال: (دخلتُ
على علي مع عمران بن طلحةً بعدما فرغ من أصحاب الجمل قال: فرحب به وأدناه،
وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿ وَنَزَعْنا مَا
فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾
[الحجر: 47]، وقال: يا ابنَ أخي، كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ وسأله عن أمهات
أولاد أبيه، قال: ثم قال: لم تَقبض أرضيكم هذه السنتين إلا مخافة أن
ينتهبها الناس، يا فلان، انطَلِقْ معه إلى ابن قرظة: فَمْرْهُ فَلْيْعْطِهِ
غلَتّه هذه السنين، ويدفع إليه أرضه، قال: فقال رجلان جالسان ناحية
أحدّهما الحارث الأعور: الله أعدلٌ من ذلك، أن تقتلهم بالأمس وتكونوا
إخواناً على سُرر متقابلين في الجنة! فقال علي: قُومًا أبعد أرض الله
وأسحقّها؛ فمن هو إذاً إن لم أكن أنا وطلحة؟! يا ابن أخي، إذا كانت لك حاجة
فائتنا).
وفي قصة مقتل الزبير: (وأخذ ابن جرموز رأسَه فحمله حتى أتى
به وبسيفه عليّا فأخذه على وقال: سيف والله طالّما جلا به عن وجه رسول الله
صلى الله عليه وسلم الكرْب ولكن الحَيْنُ ومصارع السوء ودُفن الزبير بوادي
السباع، وجلس علي يبكي عليه هو وأصحابه).
وعن أبي نَضْرة قال: (لمّا أتي على بِقَتل الزبير وبخاتمه وبسيفه بكى على، وبكى بنوه، وقال: نَغص علينا قتل الزبير ما نحن فيه).
وقال
زر بن حبَيْش: (استأذن ابن جَزمُوز على على وأنا عنده فقال علي: بَشْرْ
قاتلَ ابن صفيّة بالنار ثم قال علي: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (إن لكل نبئٌ حَوَارِيَا وحَوَاريٌ الزبيرٌ).

إرسال تعليق