وصول علي رضي الله عنه إلى الكوفة
وصل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
بمن خرج معه من أهل المدينة إلى ذي قار بين البصرة والكوفة ومن هناك بعث
رجالاً إلى الكوفة يستنفرون أهلها لمساندته.
ولما استٌشهد عثمان كان أبو
موسى الأشعري واليهِ على الكوفة وقد أقرّه على نزولاً على رغبة أهل الكوفة
بواليهم الجليل وسياسته وفضله وعلمه.
وفي أثناء الطريق إلي الكوفة لقي
علي رضي الله عنه رجلاً من أهل الكوفة (فسآله علي عن أبي موسى فقال: إن
أردتٌ الصلح فأبو موسى صاحب ذلك، وإِنْ أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب
ذلك فقال: والله ما أريد إلا الإصلاح حتى يرد علينا).
وأرسل
علي من الربذة رسولين لاستنفار الكوفيين، وهما: محمد بن أبي بكر ومحمد بن
جعفر فأخفقا في مهمتهما لأن أبا موسى والي الكوفة التزم موقف اعتزل الفتنة
وحذّر الناس من المشاركة فيها ودخل عليه أهل الحِجَّى فقالوا: ما ترى في
الخروج؟ فقال أبو موسى: إنما هما أمران: القعودٌ سبيل الآخرة، والخروجٌ
سبيل الدنيا فاختاروا فلم ينفِر إلى علي أحد.
فعاد الرسولان إلى علي
فوافياه بذي قار وأخبراه الخبر، فبعث من هناك عبد الله بن عباس والأشتر
النخعي فلم يُجِبْهما أبو موسى إلى ما قاما لأجله وقام فخطب أهل الكوفة
وبيّن لهم أن الخوض فيما يجري فتنة صمّاء؛ النائم فيها خيرٌ من اليقظان
واليقظان فيها خير من القاعد والقاعد خير من القائم والقائم خير من الراكب
فكونوا جُرثومة من جراثيم العرب فأغمدوا السيوف وأنصلوا الأسنَّة واقطعوا
الأوتار وآووا المظلومً والمضطهدّ حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة.
وكان
لهذا الموقف الصلب من والي الكوفة أبي موسى تأثير كبير في أهلها فلم يخفوا
لطلب الخليفة لكن عليّاً كان مصمماً على المضي في قراره فأرسل رسولين
آخرين هما: ولده الحسن بن على وعمار بن ياسر.
عن عبد الله بن زياد
الأسدي قال: (لمًا سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعثٌ على عمار بنَ
ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصّعِدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق
المِنْبر في أعلاهُ وقام عمارٌ أسفلَ من الحسن فاجتمعنا إليه فسمعتُ
عماراً يقول: إِنْ عائشة قد سارث إلى البصرة والله إنها لزوجةً نبيّكم صلى
الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ولكيٌ الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم
إياه تطيعون أم هي).
وجرى حوار بين أبي موسى والحسن بن علي فأقبل الحسن
على أبي موسى وقال له: (لِم تُثبط الناس عنًا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح
ولا مِثلٌ أمير المؤمنين يُخاف على شيء. فقال: صدقت بأبي أنت وأمي! ولكنّ
المستشار مؤتمَن؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون
فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائمُ خير من الماشي؛ والماشي خير من
الراكب؛ قد جعلنا الله عز وجل إخواناً وحرم علينا أموالّنا ودماءنا وقال:
الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ النساء (29)، وقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا
أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29] وقال: ﴿
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا
فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا ﴾. (النساء) (93).
فغضب عمار بن ياسر وثار الناس عليه إلا أن
أبا موسى استطاع أن يهدئهم ويَكفهم عنه وقد اقتنع جمهور من أهل الكوفة
بالخروج بعد محاورات طويلة مع الحسن بن علي فخرجوا معه في نحو 9000 رجل.
وبَلْغْ
من نبل الصحابة وصدق نياتهم وأصالة أخلاقهم التي تربوا عليها؛ أنهم لزموها
في أقسى الأزمات واستفحال الخلاف الذي قد يؤدي للاقتتال قال الحسن: (إن
عليّاً يقول: إني أذكْر الله رجلا رعى الله حقاً إلا نفر، فإنْ كنت مظلوماً
أعانني وإنْ كنت ظالماً أخذلني! والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني ثم
نكثا ولم أستأثر بمال ولا بِذَّلَتْ حكماً). قال: فخرج إليه اثنا عشر ألف
رجل.
وتلك الشهادة الرفيعة من عمار بن ياسر في أم المؤمنين عائشة حيث
يقول: (إِنَّ أَمّنا سارت مسيرّها هذا وإنها والله زوج محمد صلى الله عليه
وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلانا بهذا ليعلمَ إياه نطيع أم
إياها!) وهذا من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحرّيه قول الحق.
وبعد هذا
الاستنفار التحق ما بين (ستة آلاف إلى سبعة آلاف رجل) بجيش علي بذي قار
والتحق به (ألفان) من أهل البصرة من عبد القيس قبيلة حُكيم بن جَبّلة، كما
التحق به كثير من قبائل أخرى؛ حتى بلغ جيشه حوالي اثني عشر ألف رجل، منهم
ثمان مئة من الأنصار وأربع مئة ممن شهد بيعة الرضوان.
مفاوضات بين علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم
عندما
قدِمَتْ جموعٌ أهل الكوفة على أمير المؤمنين علي بذي قار قام فيهم فقال:
(يا أهل الكوفة أنتم وَليتم شوكةً العجم وملوكهم وفْضّضتم جموعهم؛ حتى صارت
إليكم مواريثهم فأغنيتم حَوزتكم، وأعنتم الناس على عدوّهم وقد دعوتكم
لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإِنْ يرجعوا فذاك ما نريد وإن يلجُوا
داويناهم بالرفق وبايناهم حتى يبدؤونا بظّلم، ولن نَدَعَ أمراً فيه صلاح
إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله).
ثم أكّد
علي رضي الله عنه هذا المنهج بأن قام يستبرئ خبر إخوانه الذين سيطروا على
البصرة، وعلى رأسهم طلحة والزبير ليعرف ما الذي أخرجهم وماذا يريدون،
وليذكّرهم الله تعالى والحرصٌ على وحدة الأمة، فبعث القعقاع بن عَمْرو وقال
له: (القَّ هذين الرجلين - طلحة والزبير - فادعُهما إلى الألفة والجماعة،
وعَظَّم عليهما الفرقّة).
فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بأم
المؤمنين عائشة، فسلَّم عليها وقال: (أيْ أمّه ما أشخّصك؟ وما أقدمك هذه
البلدة؟ فقالت: أي بُنىّ إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى
تسمعي كلامي وكلامهم فبعثت إليهما فجاءا فقال: إني سألتُ أم المؤمنين
ما أشخصَّها وما أقدّمَها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان
أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قال: متابعان. قال: فأخبراني ما وَجَهُ هذا
الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنُصلحن، ولئن أنكرناه لا نُصلح، قالا: قتلة
عثمان فإنّ هذا إن تركَ كان تركاً للقرآن وإن عُمِلَ به كان إحياءً للقرآن.
فقال:
قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة
منكم اليومٌ؛ قتلتم ست مئة إلا رجلاً فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا
من بين أظهركم وطلبتم ذلك الذي أفلت -يعني حرقوص بن زهير- فمنعه ستة آلاف
وهم على رجل فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون وإِنْ قاتلتموهم والذين
اعتزلوكم فأديلوا عليكم فالذي حذرتم وقربّتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم
تكرهون وأنتم أحميتم مُضَّر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم
وخذلانكم نصرةٌ لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب
الكبير.
قالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟.
قال: أقول: هذا الأمر
دواؤه التسكين وإذا سكن اخْتُلِجُوا، فإِنْ أنتم بايعتمونا فعلامة خير
وتباشير رحمة ودرّكٌ بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة وإن أنتم
أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه؛ كانت علامة شرّ وذهاب هذا الثأثر
وبِعْثة الله فى هذه الأمة هزاهزها فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح
الخير كما كنتم تكونون ولا تُعرّضونا للبلاء ولا تَعرّضوا له فيصرعنا
وإياكم وايمُ الله إنْي لأقول هذا وأدعوكم له وإني لخائفُ ألا يتمّ حتى
يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها مانزل فإن هذا الأمر
الذي حدث أمرٌ ليس يُقدّر وليس كالأمور ولا كقتل الرجل الرجل ولا النفر
الرجل ولا القبيلة الرجل.
فقالوا: نعم إذأ قد أحسنت وأصبت المقالة فارجع فإنْ قدِمّ علىٌ وهو على مثل رأيك صَلّح هذا الأمر.
فرجع إلى عليٌ فأخبره، فأعجبه ذلك وأشرف القوم على الصلح كَرِه ذلك مَنْ كرهه ورضيّه مَن رضيه).
وكان
أمير المؤمنين علي أسعدٌ الناس وأعظْمّهم اغتباطاً بنجاح مهمة القعقاع
التي تبشر بحقن دماء المسلمين وجَمْع كلمتهم ووحدة صفهم وقام يعلن موقفه من
قتلة عثمان وأنهم سبب كل شر وفتنة حدثت وكان مما قاله: (ثم حدث هذا الحدث
الذي جرّه على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا حسدوا مَْن أفاءها الله عليه
على الفضيلة: وأرادوا رد الأشياء على أدبارهاء والله بالغ أمره، ومصيب ما
أراد ألا وإني راحل غداً فارتحلوا ألا ولا يرتحلنٌ غداً أحد أعان على عثمان
بشي في شيء من أمور الناس، وليُغْنِ السفهاء عني أنفسَهم!).
وارتحل
علىٌ بمن معه من صحبه وجنده؛ وحطوا رحالهم قريباً من البصرة ونزلوا مكاناً
يسمى (الزاوية) ونزل جيش طلحة والزبير بمكان يسمى (الفُرضة) وتدانوا حتى
تراءوا وذلك في يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة 36ه.
وأدرك
أمير المؤمنين بألمعيته أن الفتَّانين وأتباعهم من الرَّعَاعَ لا يريدون
تسكَين الفتن وإتمامَ الصلح فلوّح لهم وحذرّهم وخطب الناس فقال: (يا أيها
الناس املكوا أنفسكم كُفُوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم فإنهم إخوانكم؛
واصبروا على ما يأتيكم وإياكم أن تسبقونا فإن المخصوم غداً من خصم اليوم).
وارتحل
بمن معه حتى أطلّ على أهل البصرة وفيهم طلحة والزبير وعائشة وبعث إليهم
رجلين (إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاعً بن عمرو فكفوا وأقِرُونا ننزل
وننظر في هذا الأمر).
فأرسل إليه طلحة والزبير: (إِنَا على ما فارّقنا
القعقاعً بن عمرو من الصلح بين الناس فاطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق
بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي رضي الله عنه عبد الله بن العباس
إليهم وبعثوا إليه محمد بن طلحة السجاد وباتوا بخير ليلة).
وخرج طلحة
والزبير فنزلا بالناس من (الزّابوقة) في موضع قرية الأرزاق، فنزلت مُضّر
جميعاً وهم لا يَشكّون في الصلح؛ ونزلت ربيعة جميعاً وهم لايشكون في الصلح
ونزلت اليمن جميعاً أسفل منهم وهم لا يشكُون في الصلح؛ وعائشة في الحُدّان
والناس في الزابوقة على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفاً وردُوا رسولّي علي
إليه بأنَا على ما فارّْقنا عليه القعقاعَ فاقدّمْ فخرج الرسولان حتى قدما
على أمير المؤمنين علي فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم؛ فنزلت القبائل إلى
قبائلهم مُضّر إلى مُضر وربيعة إلى ربيعة واليمن إلى اليمن وهم لا يَشْكُون
في الصلح فكان بعضّهم بحيال بعض وبعضهم يخرج إلى بعض ولا يذكرون ولا ينوون
إلا الصلح وخرج أمير المؤمنين فيمن معه وهم عشرون ألف.
فلما نزل
الناس واطمأنوا خرج علي وخرج طلحة والزبير فتواقفوا وتكلّموا فيما اختلفوا
فيه فلم يجدوا أمراً هو أمثل من الصلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في
الانقتشاع وأنه لا يدرك فافترقوا عن موقفهم على ذلك ورجع علي إلى عسكره
وطلحة والزبير إلى عسكرهما.
واتفق الفريقان جميعاً أن يكلم كل منهما
رؤساء أصحابه بما تم التوصل إليه فلما أمسَوًا وذلك في جمادى الآخرة
أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وأرسلَ عليّ إلى رؤساء أصحابه؛ ما
خلا أولئك الذين هَضُِّوا عثمانَ فباتوا على الصلح وباتوا بليلة لم يبيتوا
بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا
وركبوا ما ركبوا وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط قد أشرفوا
على الهلكة وجعلوا يتشاورون ليلتّهم كلها حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب فى
السرّ واستسروا بذلك خشية أن يُفطن بما حاولوا من الشر.
وتذكر رواية عن
عبد خير وهو ممن شهد الجمل مع علي قال: (ضرب فسطاط بين العسكرَيْن يوم
الجمل ثلاثةٌ أيام فكان علي والزبير وطلحة يأتونه فيذكرون فيه ما شاء الله)
وهم يَسْعَون لإيجاد حل سلمي للموقف، وقد تمٌّ لهم ذلك؛ لكن السبئية
عاجلوهم فأنشبوا القتال في ظلمة الليل، ومشى الفريقان إلى بعضهما فكانت
الفاجعة.
السبئية يُنشبون القتال
تعاضدت الأخبار وأكدت حقائق
الأحداث أن الفريقين لم يخرجا للقتال ولا قصداه ولا تمنّياه وأنهم اتفقوا
على المصالحة وإقامة الحدود على قتلة عثمان وأن غالبية الناس في الجيشين
على هذا ولكن أولئك القتلة والمجرمين من أتباع ابن سبا؛ قد أيقنوا أن اتفاق
أمير المؤمنين على مع أخويه الزبير وطلحة سيؤول في النهاية إلى استهدافهم
وتتّبعهم وإقامة حد القصاص عليهم.
فتواطأت القتلة على إشعال الفتنة بين
الفريقين كما أوقدوها زمن عثمان وأشاطوا بدمه فحملوا على عسكر طلحة
والزبير، فظن طلحة والزبير أن علياً حمل عليهم؛ فحملوا دفعاً عن أنفسهم وظن
علي أنهم حملوا عليه فحمل دفعاً عن نفسه فوقعت الفتنة بغير اختيارهم.
وتؤكد
الأخبار أن الذين كانوا يكرهون الصلح هم عبدالله بن سبأ وجماعته السبئيّة
وقتلة عثمان وهؤلاء كانوا في جيش علي بدليل اعتراضهم على علي رضي الله عنه
حين عزم على الرحيل وقد اجتمعوا في منأى عن الناس وزعيمهم عبد الله بن سبأ
وفيهم: شريح بن أوفى والأشتر النخعي وخالد بن ملجم وعلباء بن الهيثم في عدة
ممن سار إلى عثمان بن عفان، وكانوا في أتباعهم نحو ألفين وخمس مئة رجل؛
وليس فيهم صحابي.
(وتشاوروا فقالوا: ما الرأي؟ وهذا والله علي وهو
أعلمُ بكتاب الله ممن يطلب قتلةَ عثمان وأقربٌُ إلى العمل بذلك؛ وقد قال ما
سمعتم! غداً يجمع عليكم الناس وإنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم
وعددٌكم قليل في كثرتهم؟! فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا
وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم فإن كان قد اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على
دمائنا فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليّاً بعثمان فَرَضي القوم منا
بالسكوت! فقال ابن السوداء: بئسّ ما رأيت لو قتلناه قتَلنا؛ فإن يا معشر
قتلة عثمان في ألفين وخمس مئة، وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف، لا
طاقة لكم بهم وهم إنما يريدونكم).
وأخيراً كان الرأي الحاسم لابن سبأ
حيث تكلم فقال: (يا قوم إن عزَّكم في خلطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى
الناس غداً فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر فإذا مَنْ أنتم معه لا يجد
بداً من أن يمتنع ويشغل الله علياً وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون
فَأَبْصَروا الرأي وتفرّقوا عليه والناس لا يشعرون!).
وأجمع هؤلاء
المجرمون على إنشاب الحرب في السر واستسرٌوا بذلك خشية أن يُفطن بما حاولوا
من الشر فغدّوا مع الغلس وهم قريب من ألفي رجل وما يُشعر بهم جيرانهم؛
انسلُوا إلى ذلك الأمر انسلالاً وعليهم ظلمة؛ فخرج مُضَرِيُهِم إلى
مضريّهم؛ ورَبعيُهم إلى ربعيّهم؛ ويمانيُهم إلى يمانيّهم؛ فوضعوا فيهم
السلاح فثار أهلٌ البصرة؛ وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بغتوهم
وقام
الناس من منامهم إلى السلاح فقالوا: طَرَقَنا أهلٌ الكوفة ليلاً
وبَيّتّونا وغدّروا بنا! وظنوا أن هذا الأمر عن ملأ من أصحاب علي فبلغ
الأمر عليّاً فقال: ما للناس؟ فقالوا: بَيّتَنا أهل البصرة وغَدّروا بنا
فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم
بما وقع من المؤامرة، وقامت الحرب على ساق وقدم.
مجريات القتال
أنشب
الخوارج السبئية القتال بين الفريقين في مكيدة يهودية خبيثة ماكرة، وتأييد
ومعونة من أصحاب الأهواء والحرصاء على الزعامة، والسّعاة في تمزيق وحدة
الأمة، وعَماءٍ من الرّعاع الذين يُساقون بلا تعقل أو روية، على نفس النهج
الذي لفقوا فيه الأكاذيب وروجوها على الخليفة عثمان وولاته وسياسته؛ والتي
أنهوها باستباحة دمه.
وعندما بُوغت الفريقان وهم في غفلة عما دبّر بليل؛
وفى سلامة من قلوبهم وإمساك بأيديهم عن إراقة دم حرام لم يجد كل فريق
بُدَأَ من الدفع عن نفسه ورد المباغتة والعدوان.
فأهل البصرة ظنوا أن
إخوانهم من أهل الكوفة قد نقضوا الصلح وغدروا بهم؛ وكذلك ظن أهل الكوفة
بأهل البصرة، ولا يشعر أي من الفريقين بما حدث في نفس الأمر على الحقيقة،
وكان أمر الله قدرأً مقدوراً.
(وقَصَف أهلُ البصرة أولئك الكوفيين حتى
ردوهم إلى عسكرهم فسمع عليٌ وأهل الكوفة الصوت وقد وضعوا رجلاً قريباً من
على ليخبره بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال ذاك الرجل: ما فجئنا إلا
وقوم منهم بَيّتونا فردّدناهم من حيث جاؤوا فوجدنا القوم على رِجُل فركبونا
وثار الناس).
ومع هَوْلٍ المفاجأة كان لا بد لكل من الفريقين أن يستعد
للمواجهة ورد العدوان فتعبّى كل من الجيشين ورتب ذواته وصفوفه فى ميمنة
وميسرة وقلب والسبئية لا يفتّرون عن إنشاب القتال، ومنادي علي ينادي في
الناس: ألا كُفُوا ألا كفوا.. فلا يسمع أحد.
ويروى يحيي بن سعيد
الأنصاري عن عمه قال:( لما تواقفنا يوم الجمل وقد كان على حين صَفنا نادى
في الناس: لا يَرمين رجلّ بسهم، ولا يطعن برمح ولا يضرب بسيف ولا تبدؤوا
القوم بالقتال، وكلّموهم بألطف الكلام، فإن هذا مقامٌ مَنْ فَلَجَ فيه
فَلَّج يوم القيامة. فلم نزل وقوفاً حتى تعالى النهار حتى نادى القوم
بأجمعهم: يا ثارات عثمان! فنادى علي محمد ابن الحنفيّة وهو أمامنا ومعه
اللواء، فقال: يا ابنَ الحنفية ما يقولون؟ فأقبل علينا محمد ابن الحنفية
فقال: يا أمير المؤمنين، يا ثارات عثمان فرفع علي يديه فقال: اللهم كب
اليوم قتلة عثمان لوجوههم).
وهكذا فالصحابة والصالحون الخيّرون في
الفريقين كان رأيهم جميعاً في تلك الفتنة ألا يقتتلوا حتى يُبدؤوا يطلبون
بذلك الحجة ويَستحقّون على الآخرين.
ولكن المنافقين والخوارج السبئية
وأتباعهم وأعوانهم الذين اختلقوا الفتن من أيام عثمان مضوا في طغيانهم
يعمهون ولم تجدٍ معهم مناشدات زعماء الفريقين علي وأخويه طلحة والزبير:
(ألا كفوا ألا كُفوا) (أيها الناس أتُنصتون) بل استمروا في المخالفة وإثارة
الفتنة وجَلْدِ الأحداث لتسير في المهاوي التي دبّروها لها والفتنة إذا
وقعت صِعُب على الحلماء حلها وعجز الحكماء عن إطفاء نارها.
تواقف الفريقان وقد اجتمع في جيش علي عشرون ألفاً والتفتٌ على طلحة والزبير نحو من ثلاثين ألفاً.
وعبّى
كل منهما جيشه ونظّم صفوف وعيّن القادة وكان من القادة فى جيش على: ولداه
الحسن والحسين واللواء مع ابنه الثالث محمد اين الحنفية، وابن عباس، وعمار
بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر وعبد الله بن جعفر ومن القادة في جيش البصرة:
طلحة والزبير وابنه عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عامر بن كريز ومروان
بن الحكم.
ونشِبت الحرب بين الفريقين وتشابكت الرماح حتى يقول غير واحد
ممن شهد الوقعة: (لقد رأيتُنا يوم الجمل وإِنَّ رماحنا ورماحهم لمتشاجرة،
ولو شاءت الرجال لمشث عليها!).
واشتد القتال، وأصحاب الفتنة
السبئيون يسعّرون الحرب بين الطرفين، وأقبل التابعي الجليل كعب بن سؤر حتى
أتى أم المؤمنين عائشة فقال: أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح
بك، فركبت، وألْبسوا هودجّها الأدراعً ثم بعثوا جملها وبرزت حتى وقفت على
مقربة من أرض المعركة وسمعت ضجة الغوغاء، وهي ترجو من مَقدمها هذا أن يراها
الناس، ويقدروا منزلتها ويحافظوا على حرمتها وهي زوج نبيهم صلى الله عليه
وسلم فيكفوا عن القتال، فلم يتم ذلك.
ويروي الأحنف بن قيس فيقول: لما
التقوا كان أول قتيل طلحة بن عبيد الله، وكان القتال يستحرٌ إلى انتصاف
النهار، وأصِيب فيه طلحة، وذَّهَب فيه الزبير، فلما أَوَوا إلى عائشة،
وأبَى أهل الكوفة إلا القتال ولم يريدوا إلا عائشة، ذَمَرتهِم عائشة
فاقتتلوا حتى تنادّؤا فتحاجزوا فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا وذلك يوم الخميس
في جمادى الآخرة 36ه.
فاقتتلوا صَدْر النهار مع طلحة والزبير وفي وسطه
مع عائشة وتزاحف الناس فهّزمت يمن البصرة يمنّ الكوفة، وربيعة البصرة
ربيعةً الكوفة، ونهد علي بمُضَّر الكوفة إلى مُضّر البصرة وقال: إن الموت
ليس منه فَؤت يدرك الهارب ولا يترك المُقيم.
ورأى الزبير أن أمر الفتنة
يتعالى ويشتد، والإصلاح ووقف القتال يَخفت ويتلاشى؛ فآثر السلامة وتركَ
أرض المعركة قاصداً الذهاب إلى المدينة، فلّحقه بعض الظّلّمة الخاسرين
فقتلوه غدراً.
وفي قلب المعركة ومع احتدام المواجهة سعى قادة الفريقين
إلى إيقاف القتال وحَقّن الدماء فأخذ أمير المؤمنين على مصحفاً فطاف به في
أصحابه وقال: مَن يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه؟ فتصدّ له فتى، فصرفه
على عنه مرتين، وفي الثالثة أعطاه إياه فقام يدعو الناس إلى الصلح فاستهدفه
السبئيون فقطعوا يده اليمنى ثم اليسرى؛ فضّمٌ المصحف إلى صدره والدم يسيل
على قبّائه حتى قتلوه.
وفي جيش البصرة وقد استُشهد طلحة والزبير فكانت
أم المؤمنين عائشة محطً الأنظار للقيام بدور خطير في إيقاف القتال، مع ما
في بروزها في ساحة القتال من تعريضها للقتل بسهام السبئية المجرمين.

إرسال تعليق