تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

معركة صفين 1



 موقف أهل الشام من مقتل عثمان رضي الله عنه

لما قتل عثمان رضي الله عنه خرج النعمان بن بشير الأنصاري من المدينة ومعه قميص عثمان مضمّخ بدمه؛ ومعه أصابع نائلة زوجته التي أصيبت حين حَاجَفَتْ عنه بيدها فقٌّطعت مع بعض الكف فورد به على معاوية بالشام فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس وعلَّق الأصابع في كم القميص فتباكى الناس حول المنبر وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرّضون الناس على المطالبة بدم عثمان ممن قتله من أولئك الخوارج.
وقد كان معاوية يرى أنه ولي دم عثمان لأنه ابن عمه فطالب منذ استشهاده وتولي علي الخلافة بإقامة الحد على القتلة أو دفْعِهم إليه ليقتلهم به، وأيّده في هذا أهلْ الشام وكان يعترف بفضل علي وسابقته وصهره إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه متقدم عليه في كل ذلك؛ وأعلن هذا صراحة في وقت خلافه مع أمير المؤمنين، فقال: (إني لأعلمُ أنه أفضلْ مني وأحق بالأمر ‏- يعنى الخلافة -).
وأكد معاوية موقفه بأن الشهيد عثمان قتل مظلوماً وأنه كان على الهدى واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنصت أهلَ الشام لاستماع ذلك:
عن جبير بن نفيْر قال: (كنّا مُعسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان فقام كعب بن مرّة البَهْرِيٌ فقال: لولا شيء سمعتّه من رسول الله ما قمتُ هذا المقام فلما سمع معاوية بذِكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلس الناس، فقال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر عثمان بن عفان مُرَجَلاً؛ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتَخْرْجَن فتنة من تحت قدمّي هذا، هذا يومئذ ومن اتبِعَه على الهدى).

وفي حديث صحيح آخر وصف النبي كَلِْ الذين خرجوا على عثمان وحاصروه وقتلوه بأنهم منافقون.
وهذا مما جعل معاوية ومعه صحابة آخرون وجميع أهل الشام يتوقفون عن بيعة أمير المؤمنين علي حتى يقيم الحد على قتلة عثمان.
ويرى معاوية أن أمير المؤمنين عليّاً غير واجب عليه طاعتّه لأنه لم يبايعه أولاً ولأنه لم يُقم حدّ الله تعالى في القصاص من قتلة عثمان ثانياً.
وكان يؤكد هذا المعنى فيقول: (ما قاتلت عليّاً إلا في أمر عثمان).
والخوارج السبئية وأتباعهم من المشردين والمطرودين والغوغاء والمنحرفين وذوي الأطماع والأهواء الشخصية؛ هم الذين خرجوا على شرعية الخلافة زمن عثمان، وحرفوا حركة التاريخ الصحيحة عن مسارها وأحدثوا في سياقها منعطفاً خطيراً أدى في النهاية إلى تهديد بنيان الخلافة ومقتل أمير المؤمنين عثمان؛ ولهم اليد الطولى في ذلك.
وهؤلاء المنافقون كانوا في مقدمة المبايعين لأمير المؤمنين؛ ولهم تأثير قوي على مسيرة الدولة وسيرورة الأحداث، وقد صرّح علي بذلك فقال لإخوانه من الصحابة: (كيف نفعلٌ بقوم يُملكوننا ولا نملكهم؟!)؛ وقد ضَجّ بهم علي في غير موقف وصرح بذلك مراراً.

هذا السبب مع ما قدمناه من أسباب؛ كل ذلك دفع معاوية ومن معه من الصحابة وجميع أهل الشام؛ إلى التوقف عن بيعة علي بالخلافة، ومطالبته بإقامة القتصاص على القتلة، أو دفعهم لوالي الشام وولي دم عثمان ليأخذ على أيديهم ويقيم الحد على من يستوجب عليه منهم ثم بعد ذلك تكون البيعة لعلي.
وأكد هذا الفريق موققّه بالحديث المتقدم الذي ينص على أن (عثمان ومن اتبعه على الهدى)؛ فالمدافعون عنه على الهدى، بخلاف الخارجين عليه وقتلته فَهُم على الضلال، وهذا مما قوى موقف معسكر معاوية فى الإصرار على مطلبهم في إقامة القصاص على القتلة الضالين الذين هم في جيش علي، مع التأكيد على أنه لا أحدّ ‏لا معاوية ولا أهل الشام ولا غيرهم يَتهِم عليّاً والصحابة والصالحين ممن معه بدم عثمان، إنما يخصٌّون بهذا أولئك القتلة من السبئية وأعوانهم وأتباعهم.
فقضية تأجيل أمير المؤمنين على إقامة حدٌ القصاص على القتلة هي مسألةٌ اجتهادية ومسيرة في حرب البصرة والشام باجتهاد منه أيضاً كما ثبت عنه وكذلك توقفُ معاوية في أهل الشام عن بيعة علي حتى يقيم حد القصاص هو مسألةٌ اجتهادية أيضاً ولهم في ذلك شبهات وتأويلات تبرّر موقفهم.
وأما القول بأن موقف معاوية من علي كان من تبييت سابق ونيّة قديمة في مخالفة أمير المؤمنين وإحراجه وإرباكه وإفشال قيادته للدولة والأمة، وكذلك الزعم بأن عمل معاوية هو امتداد لمواقف أهل الجمل في مواجهة علي وصراع بين حزب أموي وآخرّ هاشمي، فهذا وذاك من الفُرى التي لا تستند إلى رواية تاربخية صحيحة مقبولة، فمواقف والي الشام معروفة واضحة منذ بويع علي بالخلافة وصمّم على عزل معاوية وبعث والياً بدلا منه، بل إن موقف معاوية ليتجلى واضحاً صريحاً عبقريًا منذ قام السبئيون بالخروج على عثمان، وطلب منه معاوية حمايته بطرق متعددة عرضها عليه.

محاولة عزل معاوية عن ولاية الشام

عزم أمير المؤمنين عليّاً غداةً استخلافه على تغيير بعض الولاة ومنهم معاوية؛ فنصحه جماعة من أجلّاء الصحابة منهم المغيرة بن شعبة وابن عباس بإقرار معاوية على الشام؛ فأبى ذلك وبعث سَهل بن حنيف لتولي إمرة بلاد الشام فردّه الشاميون من حدود الأردن.
‏ومعاوية كان من خيار الولاة في جميل هَديه وحسن سياسته ورضا الرعية عنه.ط وماضيه المجيد وأعماله الجليلة وكونه من ولاة عمر وعثمان مدة طويلة، وهو من أكفأ ولاة الخلافة الراشدة يضاف إلى ذلك نصح الناصحين لعليّ بعدم عزله والمرحلة العصيبة التي تمرٌ بها الدولة؛ تقتضي إقرارّه وعدم توسيع شُقّة الخلاف، وكذلك فإن علي لم يعزل كثيرين من الولاة ممن هم أقل أهمية بكثير من والي الشام، كل هذا يجعل المصلحة في إقرار معاوية والاتفاق معه وتجاوز العقبات التي تمرٌ بها الدولة.
وقد تبين فيما بعد لأمير المؤمنين صحة رأى الناصحين له وقد قال له ابن عباس: (إن معاوية يُطاع ولا يُعصى وأنت عن قليل تُعصى ولا تُطاع، فلما جعل أهل العراق يختلفون على علي رضي الله عنه قال: لله در ابن عباس؛ إنه لَينظرٌ إلى الغيب من ستر رقيق).

خروج علي رضي الله عنه إلى الشام

لما رفض معاوية في أهل الشام بيعة أمير المؤمنين علي؛ وردّوا والي الشام الجديد من قِبله ورفضوا عزل معاوية؛ عزم علي رضي الله عنه على المسير إلى أهل الشام ليرغمهم على البيعة والدخول في الطاعة، فجاء إليه ابنه الحسن بن علي وقال له: (يا أبتي دَعْ هذا فإن فيه سَفْكَ دماء المسلمين، ووقوعَ الاختللاف بينهم) فلم يُقبل منه ذلك.
ونصحه غير واحد من الصحابة بأن لايسير إلى أهل الشام وأن يسالمهم ولا يسعى إلى المواجهة بين المسلمين، فدخل عليه الصحابي حَنْظلة بن الربِيع الّتميمي المعروف بحنظلة الكاتب في رجال كثير من غطفان وبني تميم، قال حنظلة: ( يا أمير المؤمنين، إنا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منّا ورأيْنا لك رأياً فلا تردّه علينا فإِنًا نظرنا لك ولمن معك: أَقِمْ وكاتِب هذا الرجل ولا تعجل إلى قتال أهل الشام).
وأشار عَديٌَ بن حاتم على أمير المؤمنين علي بمثل ما نصح به حنظلة الكاتب، فأجابه علي: (لا أعطيه إلا السيف حتى يغلب الحقٌ الباطل).
ونصحه عبدالله بن سَلام بأن لا يخرج من المدينة فقال: (يا أمير المؤمنين، لاتخرج منها فوالله لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا يعود إليها سلطان المسلمين أبداً).
تجهّز علي في جيش كثيف وخرج باتجاه الشام، فعلم معاوية فاستشار الناس، فأشاروا عليه بالخروج، فخرج في جيش كبير، وكان خروج علي إلى صفين بعد وقعة الجمل وكانت الجمل في 15 من جمادى الآخرة من سنة (36ه‍) بنحو ثلاثة أشهر.

وقد كان لرؤوس السبئية والغوغاء دور تحريضي كبير على استمرار الخلاف بين المسلمين، وتوسيع دائرة الفتنة، وإحراج أمير المؤمنين ومعاندته والخروج من طاعته، وهذا ما يؤكده الطبري قائلاً: (وأعجلت السبئية عليّاً عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمراً إن كانوا أرادوه!).
وقد كان لهم كثير من مثل هذه الأعمال الإجرامية في فتنة البصرة، ووقعة الجمل، فالأشتر النخعي كان يطمح للقيادة والرئاسة دوماً وعندما رأى أمير المؤمنين يقدّم أبناء عمه العباس عليه؛ تبرّم بذلك وقال: (علامَ قتلنا الشيح - أي: عثمان - إذ اليمنٌ لعُبيد الله والحجاز لقثم والبصرة لعبد الله، والكوفة لعليٌ؟!)، ثم دعا بدابته فركب راجعاً، وبلغ ذلك عليّاً فنادى: الرحيل ثم أجَدٌ السيرٌ فلحق به فلم يُرِه أنه قد بَلغْه عنه، وقال: ما هذا المسير سبقتّنا! وخشي إِنْ ترك الخروج أن يُوقِع في أنفس الناس شراً.
وكشف الأشعتٌ بن قيس الغطاء عن مساعي الأشتر وأهوائه فقال أمام أمير المؤمنين علي: (وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟! قال على: وما حُكمُه؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسيوف حتى يكون ما أردتٌ وما أراد). وقال أيضاً: (وهل سَعّر الأرض غير الأشتر!).
ووصفه أبو الأعور السّلْمِي ‏ وهو من رجال معاوية ‏ فقال: (إن خفة الأشتر وسوء رأيه هو حمله على إجلاء عمّال ابن عفان رضي الله عنه من العراق، وانتزاؤه عليه يقبّح محاسنه، ومن خفْة الأشتر وسوءٍ رأيه أن سار إلى ابن عفان رضي الله عنه في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله، فأصبح متّبعاً بدمه).
وسبقهم إلى هذا العبقريٌ المُلهَم الفاروق عمر فيما رواه عبدالله بن سَلّمة المُرادي قال: (نظر عمر بن الخطاب إلى الأشتر وأنا عنده فصَعّدٌ فيه النظر ثم صَوبَّه ثم قال: إِنَّ للمسلمين من هذا يوماً عصيباً).
فهذا الأشتر وأمثاله كانوا رؤوس الشر ودعاة الفتنة، والساعين لإفشال كل خطة إصلاح بين الفريقين لذا كان الاتجاه يسير نحو المواجهة والقتال.

وقد كان الأشتر وبعض الرؤوس من أمثاله قريبين من الخليفة علي؛ غير مقرّبين عنده ولا مُحَبّبين إليه لعلمه بسيرتهم ونزغاتهم، وكان يسعى إلى كبح جماحهم وغيرٌ قادر على لَجْمِهم تماما وإبعادهم عن مواقع التأثيره لشدة وطأتهم وكثرة مادتهم من قبائلهم وأتباعهم من الغوغاء ولتشابك الفتن والمحن.
وهذا أيضاً من مبررات مخالفة أهل الشام؛ وقبلهم أصحاب الجمل، لأمير المؤمنين علي؛ وعدم الدخول في مبايعته، وهم يرون قوة تأثير أولئك السبئية فى توجيه قرارات الدولة ومسار الأحداث نحو كل خلاف وشقاق وقتال وسفك الدماء ومن حق معاوية أن يطالب برأس هذا الأشتر وأمثاله من الذين تمالؤوا على قتل عثمان رضي الله عنه.
استخلّف علي رضي الله عنه على الكوفة الصحابى أبا مسعود عُقبة بن عَمْرو البدري، وخرج منها فعسكر بالنخَيلة أول طريق الشام من العراق، وقد أشار عليه ناس بأن يبقى في الكوفة ويبعث غيره إلى الشام فأبى.
ولما علم معاوية أن علي تجهز وخرج بنفسه على رأس جيشه استشار الناس فأشار عليه رجاله بأن يخرج إليه هو أيضاً بنفسه فخرج الشاميون نحو الفرات من ناحية صِفين وترددت الرسل بينهم.

المراسلات بين علي ومعاوية رضي الله عنهم

لما أراد علي أن يبعث إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، قال جرير: أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين فإن بيني وبينه ودّاً فآخذ لك منه البيعة فقال الأشتر: لا تبعثه يا أمير المؤمنين فإني أخشى أن يكون هواه معه فقال علي: دَعْه وبعثه وكتب معه كتاباً إلى معاوية يُعْلِمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته: ويخبره بما كان في وقعة الجمل ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فلما انتهى إليه جرير أعطاه الكتاب.
ولم يكن معاوية بالذي يتعجل في إبرام الأمر، بل يستشير أعلام الصحابة وأعيان الناس فطلب معاوية عمرو بِنَ العاص ورؤوسٌ أهل الشام فاستشارهم فأبّوا أن يبايعوا حتى يُقتل قتلة عثمان، أو أن يسلّم إليهم قتلة عثمان فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا.
فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين، ألم أَنْهَكَ أن تبعث جريراً؟ فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية باباً إلا أغلقتّه فقال له جرير: لو كنت ثمّ لقتلوك بدم عثمان فقال الأشتر: والله لو بعثني لم يُعْيني جواب معاوية ولأعجلته عن الفكرة؛ ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحَبسك وأمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمة فقام جرير مغضباً وأقام بقرقِيسياء وكتب إلى معاوية يخبره بما قال وما قيل له فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه). وهذا من الأدلة الكثيرة على تدخّل رؤوس السبئية في قرارات الخليفة ومحاولات إفشال كل مساعي الخير وهو أيضاً من الدلائل على سوء أدب هذا الأشتر.

ثم بعث أمير المؤمنين علىٌ بشيرَ بِنّ عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهَمْداني وشّْبَث بن رِبْعي التميمي وقال لهم: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة، فأتوا معاوية ودخلوا عليه وتكلم بشير بن عَمْرو معه فوعظه وناشده فقال: يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجعٌ إلى الآخرة، وإن الله وِنَ محاسِبّك بعملك، وجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدلك الله عزّ وجل أن تفرّق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها فقال معاوية: ونطّلُ دم عثمان! لا والله لا أفعل ذلك أبداً. وأراد سعيد بن قيس أن يتكلم، فبادره شَبَثْ بن رِبُعي وتكلم بكلام غليظ فأمر معاوية رضي الله عنه بإخراجهم.

وسعى في السّفارة بين الفريقين التابعي أبو مسلم الخّؤلاني: فقد جاء من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعةٌ معه دخلوا على معاوية ققالوا له: أنت تُنازِعٌ علياً في الخلافة، أَوَ أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلمٌ أنه خير مني وأفضلٌ، وأحقٌ بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه؛ وأمرُه إلي؟ فقولوا له فليسلَمْ إليّ قتلة عثمان، وأنا أسلم له أمره فأتوا علياً فكلّموه في ذلك، فلم يدفع إليهم أحداً فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع
معاوية.

وبالنظر فى هذه السفارات نجد أنها تدور حول قضيتين أساسيتين:
الأولى: دعوة أمير المؤمنين علي والي الشام معاوية للبيعة والدخول فيما دخل فيه مَن بايعه من أكثر المسلمين.


الثانية: امتناع معاوية من قبول ذلك إلا بعد إقامة حد القصاص على قتلة عثمان أو تسليمهم له لأنه ولي دم الشهيد عثمان.


وقد كان ابن عباس يميل إلى هذا وقال مخاطباً عليّاً وأهل العراق: (وايمُ الله ليتأمرنَ عليكم معاوية؛ وذلك بأن الله تبارك وتعالى يقول: الآية ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ الإسراء (33).
وقد ذكر ابن كثير هذا الخبر في تفسير الآية الكريمة، وقال: (ثم تمكّن معاوية وصار الأمر ‏ إليه كما تفاءل ابن عباس واستنبط من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجيب!).
ولدى تتبع أخبار وقعة صفين ومواقف رجال الطرفين قبلها وبعدها؛ نجد أنها تشير إلى حقيقتين اثنتين:
الأولى: أن مساعير الفتنة من رؤوس السبئية هم الذين كانوا يحرصون على إنشاب القتال واستمراره حتى يستحرٌ القتل في المسلمين وتسير الأمور إلى النهاية التي تحقق أهدافهم.


الثانية: أن هناك تياراً قويّاً وبخاصة في جيش علي لا يرغبون في القتال خشية إراقة الدماء ويتشككون في مسوّغات الحرب وعلى هذا الرأي كان أمير المؤمنين علي ووالي الشام معاوية.


وتشير كثير من الروايات إلى أن عليّاً كان كثيراً ما يُكفكف جماح الأشتر وأمثاله وأتباعه عن الاستمرار في القتال لكن الفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفائها.
ثم إن كثيراً من القبائل منقسمة بين أهل العراق وأهل الشام منذ أيام الفتوحات، وهم قريبوا عهد بعصر النبوة وأمجاد الفتوح في أيام عمر وعثمان، فكيف يقبل أحدهم أن يتواجه مع أخيه وبني عمومته وخؤولته ويسلّ عليه السيف ويتهدّد حياته، وبينهما من موانع ذلك أسباب كثيرة على رأسها أنهما مسلمان، ومنذ قليل كانا يقفان صفا واحداً أيام الفتوح.
بل إن الأشتر النخعي على طغيانه وولوغه في الفتئة ورغبته في القتال؛ قد كان يتشكك في مواجهة أهل الشام وصرّح بذلك في مجتمع من قبيلته.
عن عمير بن سعد النخعي قال: (لما رجع على من «الجمل» وتهيّاً «لصفين» اجتمعت النَّخَع حتى دخلوا على الأشتر فقال: هل في البيت إلا نَحَعي؟ فقالوا: لا فقال: إن هذه الأمة عَمَدت إلى خيرها فَقَتَلَته - يعني عثمان - وسِرْنا إلى أهل البصرة قوم لنا عليهم بيعة فنصِرنا عليهم بِنُكْثْهِم، وإنكم تسيرون غداً إلى أهل الشام قوم ليس لكم عليهم بيع فلينظر امرؤٌ منكم أين يضَعٌ سيفّه).

وهذا النص الصحيح من أكبر الأدلة على التشكك في مشروعية قتال أهل الشام الذين لم يدخلوا في بيعة علي حتى يقيم القصاص على قتلة عثمان ومع ذلك فهذا الأشتر لم يرعو عن غيّه وولوغه في الفتنة والدماء، ولم ينتفع بتلك الوصية التي وضعها بين يدي قومه.
ومن الشواهد على عدم الرغبة في القتال والتشكك في مسوغاته؛ اعتزالٌ فريق كبير المشاركة في صفين، فهناك طائفة من صلحاء أهل الكوفة وبخاصة تلامذةٌ عبدالله بن مسعود حيث جاؤوا إلى أمير المؤمنين علي وفيهم عَلّقمة بن قيس وعبيدة السَلّماني وعامر بن عبد قيس وأشباههم، فقالوا له: (إِنَّا نخرج معكم ولا ننزل عسكركم؛ ونعسكر على حِدَّةِ حتى ننظرٌ في أمركم وأمر أهل الشام؛ فمن رأيناه أراد ما لا يحل له أو بدا منه بغي؛ كنا عليه. فقال علي: مرحباً وأهلاً هذا هو الفقه في الدين والعلم بِالسّنَّةَ من لم يرضٌ بهذا فهو جائرٌ خائن).
وأتاه آخرون فيهم الربيع بن خُثيِم وهم أربع مئة رجل فقالوا: (يا أمير المؤمنين إِنَاْ شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك فوّلنا بعضّ الثغور نكن به ثم نقاتل عن أهله) فوجّههم إلى ثغر الرّي.
 

السبئية وإفشالَ خطة الإصلاح

استمر السبئية مساعيرٌ الفتنة والسعاة في إفشال كل خطة إصلاح كما في أحداث البصرة ووقعة الجمل واستمروا على هذا النهج في وقعة صفين منذ مقدماتها وحتى نهاياتها، ودأبوا عرقلة كل محاولة اتفاق بين أهل العراق وأهل الشام وَسَعَوا فى إنشاب القتال واستمراره، وإبطال مساعي الإصلاح واجتماع الكلمة وحقن الدماء.
فقد أَعْجَلوا أمير المؤمنين عليّاً للخروج من البصرة إلى الكوفة وارتحلوا بغير إذنه، وتدخلوا في ولاية قيس بن سعد على مصر وهو من خيار الولاة حكمة وسياسة وإدارة ‏ لأنه ضبط أمور مصر وبخاصة أعمال قتلة عثمان وَوَشُوًا به حتى عزله علي.
وحرّض الأشتر ومن معه أمير المؤمنين لانتزاع بلاد الجزيرة من أيدي نواب معاوية، فتصدى له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففرٌ منه الأشتر.
وعندما امتنع أهل الرقة من نصب الجسر على الفرات لعبور جيش علي إلى صفين لم يَهِجْهُم علي فقدم الأشتر وأرغمهم على وضع الجسر وتهدّدهم قائلاً: لئن لم تفعلوا لأَقتْلن الرجال ولأخربنٌ الأرض ولآخذنٌ الأموال.
وعندما رُفعت المصاحف ودُعي إلى تحكيمها وتوقف الطرفان عن القتال، وجاء أمر علي إلى الأشتر وعصابته أن يكفوا عن القتال تذمّر من ذلك وقال للرسول: قل له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تُزيلني فيها عن موقفي، إني قد رجوت أن يُفتح لي، فلا تعجلني.
ولما كُتبت صحيفة التحكيم دُعي لها الأشتر فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إِنْ خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة.
وكانوا دائمي العيب لأمير المؤمنين علي وسياسته وولاته وخذلانه وعدم طاعته والتشكيك به والخروج عليه؛ تماما كما كانوا مع عثمان بن عفان.
و‏كما قدمنا في وقعة الجمل كان المستقبل ومآل الأحداث غامضاً لدى عامة المسلمين؛ مما جعل المعتزلين من أكابر الصحابة يتمسكون بموقفهم كابن عُمر وسعد بن أبي وقاص وأبي بكرة وأبي هريرة ومحمد بن مَسْلّمة وأسامة بن زيد وجعل آخرين يُحجمون ويترددون فى المشاركة فى الأحداث وينسحبون منها.
ومنهم عبدالله بن عمرو بن العاص فقد كان يقف إلى جوار أبيه وبيده الراية، ويتقدم في الجيش الشامي منزلة أو منزلتين؛ ويقول: (ما لي ولصفين ما لي ولقتالٍ المسلمين، لوَدِدتٌ أنى مِتّ قبله بعشر سنين، أمَا والله على ذلك ما ضربتُ بسيف، ولا طعنت برمح ولا رميتٌ بسهم).
وهذا هو التابعي الجليل أبو العالية الرّياحي يصف وقعة صفين فيقول: (لما كان زمنُ علي عليه السلام ومعاوية، وإني لشابٌ القتال أحبٌ إلي من الطعام الطيب، فتجهّزتُ بجهاز حسن حتى أتيتهم؛ فإذا صفَّان لا يُرى طرفاهما: إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء قال: فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أُُنَزِلُه كافراً وأي الفريقين أُنزله مؤمنا؟ أَوَمَن أكرهني على هذا؟! فما أمسيتٌ حتى رجعت وتركتهم!).

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب