نسبه وإسلامه
هو النعمان بن عمرو بن مقرن بن عائذ بن ميجا بن هجير بن نصر أبو عمرو المزني.
كان
يوم إسلامه يومًا مشهودًا، إذ أسلم معه عشرة أخوة له ومعهم أربعمائة فارس
بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيهم: "إن للإيمان بيوتًا
وللنفاق بيوتًا وإن بيـت بني مقرن من بيوت الإيمان".
فقد قال لقومه: يا
قوم واللّهِ ما عَلِمْنا عن محمدٍ إِلاَّ خيراً، ولا سَمِعْنَـا من
دَعْوَتِهِ إِلاَّ مَرْحَمَةً وِإحْساناً وعَدْلاً، فما بالُنا نُبْطِئُ
عنه، والناسُ إليه يُسْرِعون؟! ثم أتبعَ يقول: أما أنا فقد عَزَمْتُ على أن
أغدُوَ عليه إِذا أصْبَحْتُ، فمَنْ شاءَ منكم أنْ يكونَ مَعي
فَلْيَتَجَهَّزْ.
قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه ومعه
الهدايا معلناً إسلامهم جميعاً ففرحت المدينة أشد الفرح بهذا الخبر إِذ لم
يسبِق لِبيت مِن بيوت العرب أن أسلم منه أحد عَشَرَ أخاً من أبٍ واحد ومعهم
أربع مائة فارس.
ونزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ
قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ
لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾.
موافقه مع النبي صلى الله عليه وسلم
وقد شهد النعمان
بن مقرن غزوة الأحزاب، وبيعة الرضوان فكان من الذين بايعوا تحت الشجرة،
ورضي الله عنهم ورضوا عنه، وكان مع النعمان لواء مزينة في فتح مكة، وكانوا
ألفًا وثلاثمائة مزيني، وكان له ولقبيلته دور بارز في محاربة المرتدين.
وعن
عمرو بن النعمان بن مقرن قال: قدم رجال من مزينة فاعتلوا على النبي صلى
الله عليه وسلم أنهم لا أموال لهم يتصدقون منها، وقدم النعمان بن مقرن بغنم
يسوقها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت فيه: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ
قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ
لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ} [التوبة: 99].
وعن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم في أربعمائة من مزينة فأمرنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم بأمره فقال بعض القوم: يا رسول الله ما لنا طعام نتزوده فقال
النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: "زودهم", فقال: ما عندي إلا فاضلة من تمر
وما أراها تغني عنهم شيئًا، فقال: "انطلق فزودهم"، فانطلق بنا إلى علية له
فإذا فيها تمر مثل البكر الأورق, فقال: خذوا، فأخذ القوم حاجتهم قال: وكنت
أنا في آخر القوم قال: فالتفت وما أفقد موضع تمرة وقد احتمل منه أربعمائة
رجل.
المفاوضات مع كسري
وقبيل معركة القادسية أرسل سعد بن أبي
وقاص وفداً إلى ملك الفرس يزدجرد برئاسة النعمان بن مقرن ليدعوه إلى
الإسلام، ولما وصل وفد المسلمين إلى المدائن عاصمة كسرى استأذنوا بالدخول
على يزدجرد، فأذن لهم، وبعد دخولهم عليه التفت إلى المترجمن وقال له: سلهم
ما الذي جاء بكم إلى ديارنا وأعزاكم بغزونا؟ لعلكم طمعتم بنا وأجترأتم
علينا لأننا تشاغلنا عنكم ولم نشأن أن نبطش بكم فالتفت النعمان إلى من معه
وقال لهم: إن شئتم أجبته عنكم، وإن شاء أحدكم أن يتلكم آثرته بالكلام،
فقالوا: بل تكلم أنت ثم قالوا ليزدجرد: هذا الرجل يتكلم بلساننا فاستمع إلى
ما يقول.
وبعد أن حمد النعمان الله تعالى وصلى على نبيه وسلم قال:
إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا
الشر وينهانا عنه، ووعدنا إن أجبناه إلى ما دعانا إليه أن يعطينا الله خيري
الدينا والآخرة، فما هي إلا قليل حتى بدل الله ضيقنا سعة، وذلتنا عزة،
وعداوتنا إخاء ومرحمة، وقد أمرنا أن ندعو الناس إلى ما فيه خيرهم، وأن نبدأ
بمن يجاورنا، فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا، وهو دين حسَّن الحسن كله
وحض عليه، وفتحَّ القبيح كله وحذر منه، وهو نقل معتنقيه من ظلام الكفر
وجوره إلى نور الإيمان وعدله، فإن أجبتمونا إلى الإسلام خلفنا فيكم كتاب
الله وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ورجعنا عنكم وتركناكم وشأنكم،
فإن أبيتم الدخول في دين الله أخذنا منكم الجزية وحميناكم، فإن أبيتم إعطاء
الجزية حاربناكم فاستشاط يزدجرد غضباً مما يسمع، وقال: لا أعلم أمة في
الأرض كانت اشقى منكم ولا أقل عدداً ولا أشد فرقة ولا أسوأ حالاً، وقد كنا
نكل أمركم إلى ولاة الضواحي فيأخذون لنا الطاعة منكم، فإن كانت الحاجة هي
التي دفعتكم إلى المجيء إلينا أمرنا لكم بقوت إلى أن تخصب دياركم، وكسونا
سادتكم ووجوه قومكم، وملكنا عليكم ملكاً من قبلنا يرفق بكم .
فرد عليه
رجل من الوفد رداً أثار غضبه من جديد، فقال: لولا أن الرسل لا تقتل
لقتلتكم، قوموا فليس لكم عند شيء، وأخبروا قائدكم أني مرسل إليه رستم حتى
يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية .
النعمان ومعركة نهاوند
وكان
النعمان قائد الجيش في معركة نهاوند يوم ندبه أمير المؤمنين عمر فكتب إليه
قائلاً: "فإنه قد بلغني أن جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة
نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبنصر الله بمن معك من
المسلمين، ولا توطئهم وعرًا فتؤذيهم ولا تمنعهم حقًّا فتكفرهم ولا تدخلهم
غيضة, فإن رجلاً من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار والسلام عليكم".
سار
النعمان بالجيش والتقى الجمعان، ودارت المعركة حتى ألجأ المسلمون الفـرس
إلى التحصـن فحاصروهم وطال الحصار عدة أسابيع وفكر المسلمون في طريقة
يستخرجون فيها الفرس من حصونهم لمناجزتهم، فبعثوا عليهم خيلاً تقاتلهم
بقيادة القعقاع حتى إذا خرجوا من خنادقهم تراجع القعقاع فطمعوا وظنوا أن
المسلمين قد هزموا، وكان النعمان قد أمر جيش المسلمين ألا يقاتلوا حتى يأذن
لهم وخطب النعمان بن مقرن رضي الله عنه في جیشه فقال: «إذا كبرت التكبيرة
الأولى، فشدّ رجل شسعه، وأصلح من شأنه، ولیتهیأ من لم یكن تهیأ. فإذا كبرت
الثانیة؛ فشد رجل إزاره، ولیشد علیه سلاحه، وليتأهب للنهوض، ويتهيأ لوجه
حملته. فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معا. اللهم إني
أسألك أن تُقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، وذل يذل به الكفار، ثم
اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز
دينك، ونصر عبادك. أمنوا يرحمكم الله» فأمن المسلمون وبكوا.
ودارت
المعركة على مشارف نهاوند، وقاد النعمان المعركة بشجاعة نادرة وظفر
بالشهادة التي كان يتمناها، وتحقق الفتح العظيم الذي طلبه من الله، فأخذ
أخوه نعيم بن مقرن الراية وسلمها لحذيفة، فكتم أمر استشهاده حتى تنتهي
المعركة, وذهب البشير يخبر أمير المؤمنين عمر ويقول له: "فتح الله عليك،
وأعظم الفتح، واستشهد الأمير"، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون, واعتلى
المنبر ونعى إلى المسلمين النعمان بن المقرن أمير نهاوند وشهيدها، وبكى،
وبكى حتى علا صوته بالبكاء.
ورد أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان
وفارس وأذربيجان فقال: أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإذا قطعت
جناحا فاء الرأس وجناح وإن قطعت الرأس، وقع الجناحان.
فقال عمر للنعمان
بن مقرن: إني مستعملك. فقال: أما جابياً فلا، وأما غازياً فنعم. قال: فإنك
غاز. فسرحه، وبعث إلى أهل الكوفة ليمدوه وفيهم حذيفة، والزبير، والمغيرة،
والأشعث، وعمرو بن معديكرب. فذكر الحديث بطوله.
وفيه: فقال: اللهم ارزق النعمان الشهادة بنصر المسلمين، وافتح عليهم. فأمنوا، وهز لواءه ثلاثا. ثم حمل، فكان أول صريع.
ووقع
ذو الحاجبين من بغلته الشهباء، فانشق بطنه، وفتح الله، ثم أتيت النعمان
وبه رمق، فأتيته بماء، فصببت على وجهه أغسل التراب، فقال: من ذا؟ قلت:
معقل. قال: ما فعل الناس؟ قلت: فتح الله. فقال: الحمد لله. اكتبوا إلى عمر
بذلك، وفاضت نفسه -.
وعن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: أتيت عمر بنعي النعمان بن مقرن، فوضع يده على وجهه يبكي.
استشهاده رضي الله عنه
يقول
جبیر عن معركة نهاوند: «فو الله ما علمت من المسلمين أحدا يومئذ يريد أن
يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة وثبتوا لنا، فما كنا
نسمع إلا وقع الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلما رأوا
صبرنا وأنا لا نبرح العرصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة،
بعضهم على بعض في قياد فيقتلون جميعاً، وجعلوا يعقرهم حسك الحديد الذي
وضعوه خلفهم».
واقتتلوا بالسيوف قتالاً شديدا يصفه الرواة بقولهم: «لم
يسمع السامعون بوقعة قط كانت أشد منها»، واستمر القتال من انتصاف النهار
حتى هبوط الظلام، وكثر قتلى الفرس حتى امتلأت أرض المعركة دماً يزلق فيه
الناس والدواب، فانزلق فيه من خيول المسلمين وأصيب فرسانهم، وزلق فرس
النعمان بن مقرن - رضي الله عنه - فلقي النعمان مصرعه. وفي رواية ابن إسحاق
وجبير: أنه رمي بنشابة فأصابت خاصرته فقتلته، وكان أخوه نعيم بن مقرن
قريبا منه، وأسرع نعیم. وسجی النعمان بثوب، ثم أتی حذيفة بن اليمان في
ميمنته فدفع إليه الراية باعتباره خليفة النعمان. وكتموا مصاب النعمان عن
الجيش لكيلا يهن الناس. وقتل من الفرس مئة ألف أو يزيدون، وفي رواية أنه
قتل في اللهب ثمانون ألفاً، وفى المعركة ثلاثون ألفا، مقترنين في السلاسل
سوى من قُتل في المطاردة.
واجتمع المسلمون بعد المعركة فتساءلوا: «أین أمیرنا؟»، قال معقل بن مقرن: «هذا أميركم، قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة».
وفي
رواية عن معقل بن يسار قال: «أتيت النعمان وبه رمق، فغسلت وجهه من إداوة
ماء كانت معي: فقال: من أنت؟ قلت: معقل، قال: ما صنع المسلمون؟ قلت: أبشر
بفتح الله ونصره. قال: الحمد لله، اكتبوا إلى عمر». ولما أتى السائب إلى
عمر بغنائم نهاوند قال: ما وراءك يا سائب؟ فقال: خيراً يا أمير المؤمنين،
فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستشهد النعمان بن مقرن - رحمه الله-، فقال
عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكی، ونشج وكأنه أصيب بأعز إنسان لديه..
وكاد الحزن على النعمان يُنسي عمر فرحة الفتح بهذا النصر الكبير الذي سمي
في التاريخ بفتح الفتوح.

إرسال تعليق