تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

قصة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهم



قصة التحكيم

لما رأى أكابر الصلحاء والخيرين أن الحرب تتسع دائرتها وأهل الفتنة من السبئيين وقتلة عثمان يؤججون نارها وتكون الغلبة لهذا الفريق تارة ولذاك الفريق أخرى لَمَعَتْ في عقل عمرو بن العاص رضي الله عنه فكرةٌ رفع المصاحف ودعوة الطرفين إلى التحاكم إليها والخضوع لحكمها تماماً كما فعلت الصديقة أم المؤمنين عائشة يوم الجمل عندما أعطت كعبَ بن سور مصحفاً وأمرّته أن يرفعه ويدعو الناس إليه. وتشير عدة روايات إلى رغبة العراقيين وجماعة من أكابر زعمائهم في إيقاف القتال وحقن الدماءء وهو مما مهّد لقبول التحكيم فور إعلانه.
من ذلك رواية أبو مِخْنف لوط بن يحيى: أن عَمْرو بن العاص عرض على معاوية رفع المصاحف والدعوة إلى حكمها فرفع أهل الشام المصاحف بالرماح وقالوا: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم؛ مَنْ لثغور أهل الشام بعد أهل الشام؟! ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟!، ‏فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت، قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه.
ويسوق نصر بن مزاحم رواية أخرى نوردها عنه لأنه رافضيٌ جَلْد ونحتحٌ به على المفترين الذين اتهموا عمرو بن العاص بالخداع والمكر والمكيدة في رفع المصاحف.
يروي نصر بن مزاحم؛ عن تميم بن حِذْيَم قال: (لمّا أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا أشباهٌ الرايات أمام أهل الشام في وسط الفيلقَ، حيال موقف على ومعاوية، فلما أسفرنا إذا هى المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح).
‏ثم يقول: (استقبلوا علي بمئة مصحف ووضعوا في كل مُجنبَة مئتي مصحف فكان جميعها خمس مئة مصحف ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي عليه السلام وقام ورقاء بن المعمّر حيالَ الميسرة ثم نادوا: يا معشر العرب الله الله فى النساء والبنات والأبناء من للروم والآتراك وأهل فارس غداً إذا فِنيتم! الله الله في دينكم! هذا كتابٌ الله بيننا وبينكم).

ويروي أيضاً عن أحد قيادات جيش علي؛ وهو الأشعث بن قيس أنه: خطب في قومه ليلة الهَرير ( وقد سبقت هذه الليلة رفع المصاحف) فكان مما قاله: (قد رأيتم يا معشرّ المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي وما قد فني فيه من العرب؛ فوالله لقد بلغت من السنٌ ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط! ألا فَلْيبلغ الشاهدٌ الغائب؛ إنا نحن إنْ تواقفنا، غداً إنه لفناءً العرب وضّيعة الحُرمات أمَا والله ما أقول هذه المقالة جزعاً من الحرب ولكنى رجل مسن أخاف على النساء والذراري غداً إذا فَنِينا، اللّهُمْ إنك تعلم أني قد نظرتُ لقومي ولأهل ديني فلم آل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب). فهذه روايات عراقية كوفية لا ذكْر فيها لعمرو بن العاص ولا ما زُعم من مكيدة ومكر وخديعة.
وتناهت هذه المواقف وبخاصة خطبةٌ الأشعث إلى معاوية رضي الله عنه فقال: (أصاب وربٌ الكعبة لئن نحن التقينا غداً لتميلنَ الروم على ذَرارِيٌ أهل الشام ونسائهم، ولتميلنٌ فارسُ على ذراريّ أهل العراق ونسائهم! إنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى ثم قال لأصحابه: اربطوا المصاحف على أطراف القََنا).
وثار أهلٌ الشام في سواد الليل ينادون عن قول معاوية وأمره: يا أهلَّ العراق، مَن لذراريّنا إِنْ قتلتمونا، ومن لذراريّكم إِنْ قتلناكم؟! الله الله فى البقية!. وأصبحوا وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح، وقد قلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دُعُوا إليه، وهم ينادون أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم.
واعترض بعض مساعير الفتنة على هذا ومنهم عَمْرو بن الحَمق والأشتر النخعي وهما من رؤوس المشاركين في قتل عثمان، وحضًا عليّاً على رفض الصلح والاستمرار في القتال، فغضب الأشعث بن قيس وقال: (يا أمير المؤمنين، أجب القومٌ إلى كتاب الله عزّ وجل فإنك أحقّ به منهم، وقد أحَبٌ الناس البقاء وكرهوا القتال). فقال على: هذا أمرٌ يُنظر فيه فتنادى الناس من كل جانب: الموادعة.

ثم إن أهل الشام لما أبطأ عنهم عِلمُ حال أهل العراق: هل أجابوا إلى الموادعة أم لا؟ جَزعوا فقالوا: يا معاوية، ما نرى أهلَّ العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه فأَعِدها جَذّعة، فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتّهم فيك.
فدعا معاوية عبدٌ الله بن عمرو بن العاص فأمره أن يكلم أهل العراق، ويستعلمٌ له ما عندهم، فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق؛ أنا عبد الله بن عمرو بن العاص إنه قد كانت بيننا وبينكم أمورٌ للدين أو الدنيا فإن تكن للدين فقد والله أَعْذرنا وأعذرتم، وإن تكن للدنيا فقد ‏والله أسرَفنا وأسرفتّم، وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فإِنْ يجمعنا وإياكم الرضا فذاك من الله، فاغتنموا هذه الفرصة).
واستمر الأشعث بن قيس في السعي للصلح وجاء إلى علي رضي الله عنه فقال: (يا أمير المؤمنين، ما أرى الناس إلا قد رضُوا وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعَوْهم إليه من حكم القرآن، فإِنْ شئت أتيتُ معاويةً فسألتُه ما يريد، ونظرثٌ ما الذي يسأل؟ قال: فأَتِه إن شئت فأتاه فسأله: يا معاوية لأيّ شئ رفعتم هذه المصاحف قال: لنرجعَ نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه فابعثوا رجلاً منكم ترضّون به ونبعث منا رجلاً ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ولا يَعْدُوانِه ثم نتّبع ما اتفقا عليه فقال الأشعث: هذا هو الحق.
وانصرف إلى علي فأخبره فبعث علي قَرَاءَ من أهل العراق وبعث معاوية قرَاءٌ من أهل الشام فاجتمعوا بين الصفْين ومعهم المصحف.

فنظروا فيه وتدارسوه؛ واجتمعوا على أن يُحْيُوا ما أحيا القرآن ويُميتوا ما أمات القرآن ورجع كل فريق إلى صاحبه فقال أهل الشام: إِنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص وقال الأشعث والقرّاء الذين صاروا خوارج فيما بعد: قد رضينا نحن واخترنا أبا موسى الأشعري).
وتؤكد رواية صحيحة أن أمير المؤمئين عليّاً قد سُرٌ بالصلح ورضي بالتحكيم وحَرّص عليه؛ ونعى على القرّاء ‏ الذين صاروا فيما بعد خوارج ‏وقرَّعَهم على رغبتهم في استمرار القتال ومخالفتهم له في قبول التحكيم.
عن أبي وائل شقيق بن سَلّمة قال: (إنه لما استحرٌ القتل في أهل الشام بصفين؛ اعتصم معاوية وأصحابه بجبل فقال عمرو بن العاص: أَرَسِلْ إلى علي بالمصحف فلا والله لا يرده عليك قال: فجاء به رجل يحمله ينادي: بيننا وبينكم كتاب الله قال: فقال عليٌ: نعم بيننا وبينكم كتاب الله أنا أولى به منكم قال: فجاءت الخوارج وكنا نسمّْيهم يومئذ القرّاء قال: فجاؤوا بأسيافهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ألا نمشي إلى هؤلاء القوم حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حُنيف فقال: أيها الناس، اتهِموا أنفسَكم لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين)
ثم قال علي مخاطباً أولئك القوم الذين اعترضوا على قبوله التحكيم: (أيها الناس إِنَّ هذا فتحٌ فقبل عليٌ القضية؛ ورجع؛ ورجع الناس).

واستمر عامة العراقيين على مثل رأي أمير المؤمنين علي في قبول الصلح وإمضاء التحكيم ولم يخالف إلا مُثيرو الفتنة والسبئية ممن هم على شاكلة الأشتر النخعي وأتباعه، ويؤكد ذلك ما رواه التابعي أبو وائل شقيق بن سَلّمة في بعض طرق الحديث المتقدم يقول: (لمَا قدِمَ سَهل بن حنيف من صِفين أتيناه نستخبره فقال: اتّهموا الرأيّ فلقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَل ولو أستطيعٌ أن أردٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرّه لَرَدَدْتُ والله ورسوله أعلمُ وما وضَعْنا أسيافًنا على عواتقنا لأمرٍ يُفْظِعْنا؛ إلا أَسْهَلْنَ بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر ما نسْدُ منها خُضماً إلا انفجَرَ علينا خُصْمْ ما ندري كيف تأتي له).

دعا أهل الشام إلى الصلح وتحكيم القرآن، ووافق ذلك رغبة أكثر أهل العراق ورضي به أمير المؤمنين علي وقال: (نعم أنا أولى بذلك، بيتنا وبينكم كتاب الله). ورشّح الفريقان رجلين من جلّة الصحابة ليقوما بأمر التحكيم؛ فاختار أهل الشام عمرو بن العاص واختار أمير المؤمنين وأهل العراق أبا موسى الأشعري.
ومما يؤكد أن أمير المؤمنين عليِاً كان راضياً عن اختيار أبي موسى؛ ما رواه البَلاذْرِي بإسناده قال (قال الأحنف بن قيس لعليٌ حين أراد أن يحكم أبا موسى: إنك تبعث رجل من أهل القرى رقيقاً فابعثني، مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك من الأمر بحيث أنت فقال له ابن عباس: دَعْنا يا أحنف منك فإنًا أعلمُ بأمرنا منك).
وروى الأ عمش عن أبي صالح: (أن عليّاً قال لأبي موسى: احكُمْ ولو على حَز عنقي). وهذان النصان الثابتان يُبطِلان كلّ ما روي عن أمير المؤمنين علي أنه طعن فى أهلية أبو موسى وأنه ليس بثقة عنده.

نص وثيقة التحكيم

‏روى نص الوثيقة أبو مخنف ونَصْر بن مُزاحم وإسماعيل التيِمي وَالبَلاذْرِيٌ وجاء فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان؛ قاضى علي على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية ‏على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين: إِنَا ننزل عند حكم الله عزّ وجل وكتابه ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله عزّ وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته؛ نُحيي ما أحيى ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل وهما ‏عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي عَمِلا به وما لم يَجدا في كتاب الله فالسّنّة العادلة الجامعة غير المفرقة.
‏وأخذ الحَكّمان من علي ومعاوية ومن الجندّيْن من العهود والمواثيق والثقة من الناس؛ أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدٌ الله وميثاقه أن على ما في هذه الصحيفة، وأنْ قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم؛ وشاهدهم وغائبهم.
وعلي عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن ‏يَحكُّما بين هذه الأمة، ولا يَرْدّاها في حرب ولا فُرقة حتى يُعصّيا ‏وأجَلُ القضاء إلى رمضان وإِنْ أحبًا أن يؤخرا ذلك أخرا على تراض منهما وإِنْ توفي أحدٌّ الحكمين فإن أمير شيعته يختار مكانه، ولا يألو من أهل المعدلة والقسط، وإِنَّ مكانَ قضيتهما الذي يقضيان فيه مكانٌ عدلٌ بين أهل العراق وأهل الشام، وإِنْ رضيا وأحَيًا فلا يتحضرهما فيه إلا من أرادا ويأخذ الحكّمان من أرادا من الشهود؛ ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة وهم أنصارٌ على مَن ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحاداً وظلماً. اللّهمٌ إن نستنصرك على من تَرَك ما فى هذه الصحيفة).
وشهد من أصحاب علي: عبد الله بن عباس والأشعث بن قيس وحُجْر بن عَدي وآخرون.
وشهد من أصحاب معاوية: حبيب بن مَسَْلَّمة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبو الأعور السّلّمي وغيرهم.

وقفات مع الوثيقة

1‏- جاء في بعض الروايات أن الوثيقة افتْتِحتُ بوصف على بأنه أمير المؤمنين فقال عمرو بن العاص: اكتب أسمّه واسم أبيه فقال علي: امح «أمير المؤمنين» واكتب: هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ثم استشهد علي بقصة الحديبية وما حدث فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم.

2- وفي نص الوثيقة دليلٌ واضح على سلامة التحكيم وحياده ورغبة الطرفين في الصلح والتسامح في شروطه.

3- عمدةٌ الوثيقة وأساسها ومرجعيتها الكتاب الكريم والسُّنة الشريفة.

4- ثقة الطرفين بالحَكّمين وأنهما مؤتمنان على قضية الأمة ومفوّضان في الحكم بما يُصلح حالها ويجمع كلمتها.

5- أعطت الوثيقة مدة طويلة نحو 8 أشهر لاجتماع الحكمين ومعهما رجال من الفريقين، وفي هذا رغبة صادقة وسعي جميل في إطالة مدة السلم والهدوء وإلقاء السلاح وتهدئة النفوس.

‏وقد كتبت وثيقة التحكيم يوم الأربعاء في ‎17 صفر سنة 37ه‍ ويكون الاجتماع للتحكيم في رمضان من السنة نفسها.
واجتمع الحكمان في بلدة (أَذرْح) كما ذكره غير واحد وهي بلدة فى الجنوب الغربى من الأردن قرب البتراء، ويقال: في (دومة الجَنْدّل) وتقع في أقصى شمال السعودية.
واجتمع الحكمان في الوقت المتفق عليه ومع كل منهما رجال كثير فبعث علي ‎400 رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي وفيهم أبو موسى الأشعري وبعث معهم عبد الله بن عباس وهو يصلي بهم ويلي أمورهم وبعث معاوية عمرو بن العاص في 400 رجل من أهل الشام.
واجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين واتفقا على أن أمرٌ الخلافة وإمامة المسلمين يُترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم، ويكون الأمر شورى بين المسلمين وقد أشار أبو موسى بعبد الله بن عُمر بن الخطاب فأبّى عمرو بن العاص وطلب من أبي موسى أن يقر ابنه عبد الله بن عمرو فأبى أبو موسى ذلك لآن عبد الله كان مع أبيه في جند معاوية ومع ذلك أثنى عليه خيراً.


هذا ما جرى في مسألة التحكيم أما ما قيل بأن عمرو بن العاص قدم أبا موسى ليتكلم بما اتفقا عليه فتقدّم أبو موسى فقال: (أيها الناس إِنّا نظرنا في أمر هذه الأمة؛ فلم نرّ أصلّح لأمرها ولا أَلَمّ لشعَثها من أمرٍ قد أجمع رأيي ورأيٌ عمرو عليه وهو أن نخلع علياً ومعاوية؛ وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم وإني قد خلعث عليّاً ومعاوية؛ فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً ثم تنحّى وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلّع صاحبّه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبث صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان بن عفان والطالبٌ يدمه وأحق الناس بمقامه، فقال أبو موسى: (ما لكَ؟! لا وفقَكَ الله غدرتَ وفجرت إنما مَثلّك كمثل الكلب إِنْ تحمل عليه يَلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً).

وتمادت هذه الرواية التي افتراها أبو مخنف فنقلت مهاترات للصحابة وشتائم بعضهم بعضاً وأن عليّا كان يقنت ويلعنٌ معاوية وَعَمْراً وجماعةً من جند معاوية فبَلَّْغ ذلك معاويةٌ فردٌ بالمثل فكان يقنت ويلعن علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر.
وزاد أبو مخنف الأمر بجاحةً وزوراً وكذباً فأخرج رواية زج فيها بابن عباس في أتون افتراءاته في هذه القضية الخطيرة فقال: (فتقدم أبو موسى ليتكلم فقال له ابن عباس: وَيْحك! والله إني لأظنه قد خدعَك إِنْ كنتما قد اتفقتما على أمر فقدّمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تكلَّمْ أنت بعده؛ فإن عَمْراً رجلٌّ غادرً ولا آمَنُ أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت فى الناس خالَفُك وكان أبو موسى مَغَفّلاً فقال له: إنا قد اتفقنا).
وأصل المغالطة من تجاهل المغرضين المغالطين أن معاوية لم يكن يومئذٍ خليفة، ولا هو ادعى الخلافة؛ حتى يحتاج أبو موسى إلى خلعها عنه، وأن يثبتها عمرو له دون علي.
والحق أن أبا موسى وعَمْراً اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض واتفاقٌ الحكمين على هذا لا بتناول معاوية لأنه لم يكن خليفة، ولم يقاتِل على الخلافة، وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان، فالتحكيم لم يقع فيه خداعٌ ولا مكرّ ولم تتخلّله بلاهة ولا غفلة.

نتائج التحكيم

انتهى الاجتماع في (أَذْرْح) وقد اتفق الحكمان على أن يُترك النظر في أمر الخلافة إلى أكابر الصحابة وشورى المسلمين كما قدمنا ولم يُحسم الخلاف بين الفريقين بسبب صعوبة الحل بشأن المسألتين المختلف عليهما: وهما بيعة أهل الشام للخليفة وإقامة الحد على قتلة عثمان؛ وما يترتب على البثٌ فيهما من نتائج خطيرة على الطرفين.
وقد حضر عبدالله بن عمر بن الخطاب يومَ التحكيم بتشجيع من أخته أم المؤمنين حفصة؛ وكذلك حضره معاوية، ولم يحضر أمير المؤمنين علي وبعد انتهاء اللقاء بين الحكمين وما نتج عن تحاورهما كان بين ابن عمر ومعاوية موقف.
عن ابن عمر قال: (دخلتُ على حفصة ونوساتها تنْطّف قلتُ: قد كان من أمر الناس ما تَرِيّنَ فلم يُجعل لي من الأمر شئ! فقالت: إلْحَقْ فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسكَ عنهم فُرقة، فلم تدَّعه حتى ذهب، فلما تفرّق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فَلْيَطْلِعْ لنا قَرْنَه فَلنحنٌ أحقٌ به منه ومن أبيه! قال حبيب بن مَسَْلّمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحَلَلتُ حَبُوَتى وهممت أن أقول: أَحَق بهذا الأمر منك مَن قاتلّك وأباكَ على الإسلام» فخشِيت أن أقولَ كلمةٌ تفرّقٌ بين الجمع وتَسْفِْكُ الدم وحمل عنّى غير ذلك، فذكرتٌ ما أْعَدٌ الله فى الجنان! قال حبيبٌ: حفظت وعصمت)
ومراد ابن عمر من قوله: (لم يُجعل لي من الأمر شيء): أنه يوم اجتماع الناس على التحكيم بينهم فيما اختلفوا فيه؛ فراسلوا بقايا الصحابة في الحرمين وغيرهما وتواعدوا على الاجتماع لينظروا في ذلك فشاور ابنُ عمر أخته في التوجه إليهم أو عدمه فأشارت عليه باللحاق بهم خشية أن ينشأ من غيبته اختلافٌ يُفضي إلى استمرار الفتنة.

وقد كان معاوية يرى في الخلافة تقديمّ الفاضل في القوة والرأي والمعرفة على الفاضل في السبق إلى الإسلام والدين والعبادة، فلهذا أطلق أنه أحقٌ، ورأيُ ابن عمر بخلاف ذلك وأنه لا يُبايَع المفضول إلا إذا خشي الفتنة ولهذا بايع بعد ذلك معاوية؛ ثم ابنه يزيد ونّهى بنيه عن نقض بيعته، وبايع بعد ذلك لعبد الملك بن مروان.
وبقيت أوضاع الدولة على حالها علي خليفة المسلمين؛ ومعاوية أمير الشام ولم يبايّع معاوية بالخلافة إلا بعد استشهاد علي على يد الخوارج، وكانت بيعته في بيت المقدس في شهر رمضان سنة 40ه‍ بعد وصول خبر استشهاد علي رضي الله عنه.
وذكر ابن سعد من طريق الواقدي: أنه بعد الذي جرى بين الحكمين، افترق الناس فرجع معاوية بالألفة من أهل الشام وانصرف علي إلى الكوفة بالاختلاف والدَّغَل فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حُكْمَ إلا لله وعسكروا بِحَرُورَاءَ فبذلك سُمُوا (الحَرُورِيّة).
وبالجملة فإن جيش أمير المؤمنين علي قد تضعضع وحدثت فيه انقسامات خطيرة؛ وذلك لسببين:

الأوّل: مخالفة السبئية وقتلة عثمان عليه

الثاني: معارضة القرّاء ‏ الذين صاروا خوارج للتحكيم وخروجهم عليه وقتاله لهم.


أما الفريق الأول من السبئية وقتلة عثمان: فأشدٌ ما كان يُخيفهم هو الصلح بين علي ومعاوية، لأنه يعني توقف القتال والتفرغ لهم والإحاطة بهم وقطْعَ فتنتهم، ومن ثم أخذهم وإقامة الحد عليهم على مهل.
وأما الفريق الثاني في جيش علي فهم القرّاء الذين خرجوا عليه لما قبل الصلح والتحكيم؛ كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة، ومنها: عن عُبيد الله بن أبي رافع: (أن الحروريّة لمّا خرجت؛ وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حُكْمَ إلا لله، قال علي: كلمةٌ حق أريد بها باطل).

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب