تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

معركة صفين 2



الاستعداد لمعركة صفين

تجمع جيش علي بالنخيلة غرب الكوفة وقد ضم عدداً من الصحابة البدريين وأصحاب بيعة الرضوان، ويذكر الأخباري عَوَانة بن الحكم أن عليِّاً بعث من النخيلة اثني عشر ألف مقاتل باتجاه الموصل، ثم اجتاز إلى المدائن فأرسل منها ثلاثة آلاف مقاتل، ثم مضى علي بجيشه من المدائن إلى محاذاة الموصل نينوى، ثم عبر الفرات قرب الرقَة حيث نزل على صفين، وكانت مدن الجزيرة مثل الرقة وقرقِيساء وعانات وهيت موالية لمعاوية، ومعظمهم من بني الأرقم وهو حي عظيم من كِنْدة وقد شهدوا صفين مع معاوية.

عبر علي الفرات بجيشه وقدَّم بين يديه زياد بن النضر وشريح بن هانئ في طائفة من الجيش نحو معاوية فالتقوا مع أبي الأعور السُلمي في جند أهل الشام فأرسل زياد وشريح إلى علي: (إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي في جند أهل الشام وقد دعوناهم فلم يُجبنا منهم أحده فَمُرنا بأمرك)، فأرسل علي إلى الأشتر فقال: (يا مالك؛ إن زياداً وشريحاً أرسلا إليّ يُعْلِماني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جمع من أهل الشام وأنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين، فالنجاء إلى أصحابك النجاء فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك؛ حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع، ولا يَجْرِمَنكَ شنآنهم على قتالهم قبل دعاتهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة، واجعل على ميمنتك زياداً وعلى ميسرتك شُريحاً وقف من أصحابك وسطاً لا تدنُ منهم دنوٌ من يريد أن يُنشب الحرب ولا تُباعد منهم بُعد من يهاب البأس، حتى أقدّم عليك، فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله).
فلما قدِم الأشتر امتثل ما أمره به علي؛ وكَفتٌ عن القتال، وتواقف هو ومقدمة جيش معاوية؛ وعليها أبو الأعور السُلَّمِي، فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور فثبتوا له، واضطربوا ساعة ثم انصرف أهل الشام عند المساء؛ وحدثت بينهم جولات وحملات، حتى كان صباح اليوم الثالث فأقبل علي رضي الله عنه في جيوشه وجاء معاوية رضي الله عنه في جنوده فتواجه الفريقان وتواقفوا طويلاً وذلك بمكان يقال له صِفينَ بقرب الرقّة على شاطئ الفرات في أوائل ذي الحجة.

وسبق الجيش الشامي فنزلوا على مَشْرّعة الماء في أسهل موضع أو أفسحه ونزل علي مع جيشه بعيداً من الماء، وليس هناك مشرعة سواها فعطش أصحاب علي عطشاً شديداء فمنعهم الشاميون من الماء وقد أرادوا بذلك أن يُذَكُروا قتلةَ عثمان المنبّثين في جيش علي بِفعلتِهِم الشنيعة بأمير المؤمنين عثمان حينما حاصروه ومنعوا عنه الماء فقالوا: (موتوا عطشاً كما منعتم عثمان الماء) ولما ترامى الخبر إلى معاوية قال عمرو بن العاص وكان في مجلسه: ليس من النّصف أن نكون ريّانين وهم عطاش فقال الوليد بن عقبة: (دَعْهم يذوقوا من العطش ما أذاقوا أميرَ المؤمنين عثمان حين حصروه في داره، ومنعوه طيّب الماء والطعام أربعين صباحاً).
فتناوش الفريقان على الماء حتى كُشف العراقيون الشاميين عنه ثم خلُوا الماء للطرفين، واتفقوا على الورد حتى صاروا يزدحمون على الماء لا يكلم أحد أحداً ولا يؤذي إنسان إنساناً.
ومن أبرز قيادات جيش أمير المؤمنين على: ابنه محمد ابن الحنفية، عبد الله بن عباس، عمار بن ياسر، قيس بن سعد بن عبادة، الأشعث بن قيس، عبد الله بن بُديل بن وَرْقاء، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عَدي بن حاتم، الأحنف بن قيس، حُجْر بن عدي، سليمان بن صرّد، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الأشتر النخعي، عَمْرو بن الحَمق، شَبَث بن ربعي قيس بن مكُشوح.
ومن أبرز قيادات جيش معاوية: عَمْرو بن العاص، ابنه عبد الله بن عَمْرِو، حَبيب بن مَسَْلَمَة، عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، عُبيد الله بن عمر بن الخطاب، مَسَلَمة بن مُخَلّد، أبو الأعور السلَّمِي، ذو الكَلّاع الحميري، بسر بن أبى أرطاة، زُفَر بن الحارث.

بداية معركة صفين

بعد حدوث عدة صدامات بين مقدمتي جيشي العراق والشام وترددٍ الرسل بين علي ومعاوية، وإصرار كل من الفريقين على رأيه وتمسكه باجتهاده كانت الأمور تتجه نحو المواجهة الحاسمة لتحقيق الفصل الأخير لأحد الطرفين، وكان السبئيون وقتلة عثمان وأصحاب الهوى والبغض للإسلام وأهله؛ يسرعون في هذا السبيل، ويؤججون الأحداث بالقول والفعل والأكاذيب والإشاعات لتصل الأمور إلى نهايتها السيئة المحزنة.
ذكر الطبري ونقله عنه ابن كثير قال: (لم تَزل الرسل تتردّد بين علي ومعاوية والناس كافون عن القتال حتى انسلخ المحرم من هذه السنة ولم يقع بينهم صلح فأمر علي بن أبي طالب مَرثد بن الحارث الجُشّمي فنادى أهلّ الشام عند الغروب: ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استأنيتكم لتراجعوا الحق، وأقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا وإني قد نبِذْتٌ إليكم على سّواء إن الله لا يحب الخائنين ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي ينادي؛ فنهض عند ذلك معاوية وعمرو فعبّيًَا الجيش ميمنة وميسرة وبات علي يعبّى جيشه من ليلته)، والتقى الناس يوم الأربعاء لسبع خَلُون من صفر سنة 37ه‍.
قال عبدالرحمن بن أَبْزى وهو ممن شارك في الوقعة: (شهدنا مع علي ثمان مئة ممّن بايع بيعة الرضوان فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت ثم رفعت المصاحف ودَعَوا إلى الصلح).

وقف أمير المؤمنين علىّ في جيشه فقال: (إنكم ملاقو القوم غداً فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسَلُوا الله عز وجل النصر والصبر والْقّوهم بالجد والحزم؛ وكونوا صادقين).
وأكد على الأخلاق التي يجب عليهم أن يلتزموها فقال: (لا تقاتلوا القومّ حتى يبدؤوكم فأنتم بحمد الله عز وجل على حُجّة وترككّم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم: فلا تقتلوا مُدبراً ولا تجهزوا على جريح؛ ولا تكشفوا عورة ولا تمثّلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستر ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم، إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيّجوا امرأة بأذى؛ وإِنّْ شتمنّ أعراضكم وسببن أمراءكم؛ فإنهن ضعاف القوى والأنفس).
يقول أبو أمامة الباهلي: (شهدتٌ صفين فكانوا لا يُجهِزون على جريح؛ ولا يطلبون مولَّيا ولا يَسْلُبون قتيلة).
وعن يزيد بن بلال قال: (شهدتٌ مع علي يوم صفين، فكان إذا أتي بالأسير قال: لن أقتلك صبراً إني أخاف الله رب العالمين وكان يأخذ سلاحه ويحلّفه ألا يقاتله، ويعطيه أربعة دراهم).
وقال عبد الله بن عروة بن الزبير: أخبرني رجل شهد صفين قال: (رأيت عليًاً خرج في بعض تلك الليالي، فنظر إلى أهل الشام فقال: اللْهمّ اغفر لي ولهم).
وعن يزيد بن الأصم قال: (سُئل علي عن قتلى يوم صفين، فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصيرٌ الآمر إليّ وإلى معاوية).
ولما أطلق عليّ أسارى أهل الشام؛ وكان مثلهم أو قريبٌ منهم في يد معاوية؛ وكان قد عزم على قتلهم لظنّه أنه قد قتل أسراهم فلما جاءه أولتك الذين أطلقهم؛ أطلق معاوية الذين في يده.
وقد رد عمار بن ياسر على شِزذمة تكفّر أهل الشام فقال: (لا تقولوا ذلك نبيّنا ونبيُهم واحد وقِبِلَتنا وقِبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون حادوا عن الحق، فحقّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه).

ثم أمر علي بالطلائع والأمراء أن تتقدم للحرب وجعل يؤمّر كل يوم أميراً وأكثر ما كان يخرج الأشتر النخعي وكذلك كان معاوية يبعث على الحرب كل يوم أميراً.
والتقى الجيشان في موقف مهول وأمر عظيم، وحملت ميمنة علي على ميمنة أهل الشام حتى كشفوهم ثم حمل أهل الشام على العراقيين فأزالوهم حتى اقترب الشاميون من علي وجعلت نبالهم تصل إليه ونادى الأشتر في العراقيين المنهزمين فوبّخهم وردّهم ثم حملوا على الشاميين فخرقوا صفوفهم، واقتربوا من معاوية وبعد أن رأى علي ميمنة جيشه قد اجتمعت، قام فحرضٌ الناس وثبّتهم، فاجتمع شملهم، ودارت رحى الحرب بينهم، وجالوا في الشاميين وصالوا وتبارز الشجعان، فقتل خلق كثير من الطرفين.
وهناك على أرض المعركة كان عمار بن ياسر رضي الله عنه وقد نيّف على التسعين سنة ‏في جيش علي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشره بالقتل والشهادة؛ فيما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَ عمار تقتلّه الفئةٌ الباغية».
وقد قُتل عمار على أرض صَفينَ فلما كان ذلك حمي أهل العراق وتبين لهم أن الحق راجح إلى جانبهم لحديث النبي كله المتقدم فاحتدم القتال تلك الليلة وهي من أعظم الليالي شّرّاً بين المسلمين، وتسمى ليلة الهرير وكانت ليلة الجمعة؛ تقصّّفت الرماح ونّفِدت النبال وصار الناس إلى السيوف والناس يقتتلون من كل جانب ولم يَزلُ ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم على ذلك؛ حتى تضاحى النهار وتوجّهت الغلبةٌ لأهل العراق على أهل الشام. وبعد هذه الحالة الخطيرة رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: (هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن للثغور؟ ولجهاد المشركين والكفار؟).

إيقاف المعركة ورفع المصاحف

وقد أشار عمرو بن العاص على معاوية بهذا فقال له: (أَرَسِلْ إلى عليٌ بمصحف فادعٌه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك)، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ سورة آل عمران (23).
فقال له (نعم، أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتابٌ الله). فجاءته الخوارج ويُدعَونَ يومئذ القرّاء وسيوفهم على عواتقهم فقالوا: ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل - يريدون جيش معاوية؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟.
وكان ممن دعا إلى الصلح من سادات الشاميين: عبد الله بن عَمْرِو بن العاص عن أمر معاوية له بذلك؛ وممن أشار على علي رضي الله عنه بالقبول والدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي.
أما الأشتر النخعى فكان يصدٌ على المُضِيَ فى القتال وسفك الدماء، فأرسل علي إليه يزيد بِنَ هانئ يأمره بالكفٌ عن القتال، فردٌ الأشتر على الرسول بقوله: (قل له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي إني قد رجوت أن يُفتح لي فلا تُعجلني).
فرجع يزيد إلى أمير المؤمنين علي فأخبره بردٌ الأشتر ومُضِيّه في القتال، فارتفع الرّهْج، وعلت الأصوات فقال القرّاء لعليٌ: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل! فقال: أرأيتموني ساررته؟ ألم أبعث إليه جهرةٌ وأنتم تسمعون؟! فقالوا: فابعث إليه فليآتك، وإِلا والله اعتزلناك.
فقال علي ليزيد بن هانئ: (وَيْحَكَ قل له: أقبل فإن الفتنة قد وقعت)، فلما رجع إليه يزيد فأبلغه عن أمير المؤمنين أن ينصرف عن القتال ويُقبل إليه؛ جعل يتململ ويقول: ويحك! ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر ولم يبقّ إلا القليل فقال يزيد: أيهما أحبٌ إليك أن تقبل أو يُقتل أمير المؤمنين كما قُتل عثمان؟ ثم ماذا يغني عنك نصرتك هاهنا؟.
فأقبل الأشتر إلى علي تاركاً القتال وقال: (يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القومَ وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها وسُنّةَ من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم فلا تجيبوهم أمهلوني فقد أحسست بالفتح، قالوا: لا قال: أمهلوني عَدوَ الفرس فإني قد طمعت في النصر! قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك).

استشهاد عمار بن ياسر رضي الله عنه

في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخُذْري وغير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وَيْحَ عمار! تقتله الفئةٌ الباغيةٌ. وكان مقتل عمار رضي الله عنه بصفين وهو في جيش علي والذين قتلوه كانوا في جيش معاوية.
والفريقان أهل العراق وأهل الشام من أهل الحق، وأصحاب دعوة واحدة هي الإسلام، وكل منهما اجتهد في إقامة حدود الله تعالى؛ وطائفة علي رضي الله عنه أقرب إلى الحق.
روى عَمْرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سَلَمة يقول: (رأيثُ عمار بن ياسر يوم صِفْينَ شيخ آدَمٌ طُوَالٌ أخذ الحربة بيده، ويدّه تَوِعَد فقال: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة؛ والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يَبلغوا بنا سَفعات هجرعرفنا أن مصلحينا على الحق وأنهم على الباطل).
ولما اشتد القتال جال عمار في ساحة المعركة فحمل عليه اثنان من الموتورين الشانئين، هما ابن جوى السَكْسَّكي وأبو الغادية الجُهَنى فأما أبو الغادية فطّعَنه وأما ابن جوى فاحتز رأسَه.
روى أحمد وابن سعد واللفظ له قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سَلَمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جَبْره عن أبى غادية قال: (سمعت عمار بن ياسر يقع فى عثمان يَشْتمهِ بالمدينة قال: فتوعّدته بالقتل، فقلت: لئن أمكنني الله منك لأفعلن! فلما كان يومٌ صِفين جعل عمار يَحمل على الناس، فقيل: هذا عمار، فرأيثُ فُرْجَة بين الرئتين وبين الساقين؛ قال: فحملت عليه فطعنتّه في ركبته؛ قال: فوقع، فقتلته فقيل: قتلت عمار بن ياسر وأخبر عمرو بن العاص، فقال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قاتلّه وسالبّه فى النار).
وعن حَنْظَلة بن خُويلد العَنزِيٌّ قال: (بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما: أنا قَتلْتُه فقال عبدالله بن عَمرو: لِيَطِبْ به أحدُكما نَفساً لصاحبه؛ فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقتلُه الفئةٌ الباغية، قال معاوية: فما بالك معنا؟! قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أَطِعْ أباكَ ما دام حيّاً ولا تَعْصِه فأنا معكم ولست أقاتّل).
ولم يتردّد عَمْرو بن العاص وابنه عبد الله في رواية فضل عمار بن ياسر في أثناء المعركة وأنه تقتله الفئة الباغية، مع كونهما مع معاوية في جيش أهل الشام.
فقد ثبت أن عبدالله بن عَمْرو عندما بِلَغَّه مقتلُ عمار وهو في مجلس معاوية؛ روى بأمانة وجرأة وصراحة ووضوح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَ عمار! تقتله الفئة الباغية».
وكذلك روى عمرو بن العاص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمار: «قاتله وسالبه في النار».
وأبو الغادية وشريكه ابن جََوَى اللذان قتلا عماراً رضي الله عنه وكذلك من حضٌ على قتله ورضي به؛ هم الحقيقون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تقتله الفئة الباغية»، وفي هذا يقول ابن تيمية (ثم «إن عماراً تقتله الفئة الباغية» ليس نصّاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه؛ بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حَمَلتْ عليه حتى قَتلَته وهي طائفة من العسكر ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرضٌ بقتل عمار، كعبد الله عمرو بن العاص وغيره بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية وعمرو).

هل كل جيش الشام فئة باغية؟


وتأصيلاً على ما تقدم فإنه من الظلم المبين والافتئات على الحق؛ اتهامُ جميع جيش أهل الشام بأنهم قتلة هذا الصحابي الجليل لأن له مكانة سامية فى قلوب الصحابة والتابعين الأخيار حتى الذين خالفوه في الاجتهاد وكانوا في الجيش المقابل والذين يتخذون مقتله ذريعة للولوغ في أعراض الصحابة وتكفير فريق منهم، فقد جانبوا الحق وضلوا ضلالاً مبيناً.
وقد كان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين لأنه لم يُرِدُها ولم يبتدئها ولم يأت إليها إلا بعد أن خرج علىٌ من الكوفة وضرب معسكره في النخيلة ليسير إلى الشام كما تقدم.
وكل ما وقع من الفتن فإثمّه على مؤرّثي نارها لأنهم السبب الأول فيها فهم الفئة الباغية التي قُتل بسببها كل مقتول في وقعتي الجمل وصفين وما تفرّع عنهما).
أما قول معاوية: (أنحنٌ قتلناه؟! إنما قتله علي وأصحابه جاؤوا به حتى ألقَوه تحت رماحنا).
قال ابن القيم: (فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره؛ فإن الذي قَتله هو الذي بِاشَرَ قَتلّه لا من استنصر به).
وقال ابن كثير: (فقول معاوية: إنما قتله مَن قدّمه إلى سيوفنا تأويلٌ بعيد جدّاً إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يُقتلون في سبيل الله حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء).

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكونٌ بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ دعوثهما واحدة.
وعن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفترق أمتي فزقتين: يَمْرْقُ بينهما مارق تقتلهم أؤلى الطائفتين بالحقٌ»، ‏وفي رواية لمسلم وأحمد: «يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق».
‏وقوله: «فئتان»: المراد بهما جماعة على وجماعة معاوية لما تحاربتا في صفين.
‏«دعوتهما واحدة»: المرادٌ بالدعوة: الإسلامٌ على الراجح» أي: إن دينهما واحد لأن كلا منهما كان يتسمى بالإسلام، ‏أو المراد: اعتقاد كل منهما أنه على الحق.
‏فالحديث يُثبت الإسلامٌ والإيمانَ لكل من الطائفتين وأنهما فرقتان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وكلاهما تطلب الحق فغايتهما واحد ودعوتهما واحدة وإِنْ كانت إحداهما أقرب إلى الحق من الأخرى، كما قال في الحديث الثانى: «يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق».

‏وفى الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره: عن أبي بَكْرة: أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن بن علي: «ابنى هذا سيد ولعلّ الله أن يُصِلِحَ به بين فئتين من المسلمين»، وهذه شهادةٌ نبوية للطائفتين بأنهما من المسلمين؛ ومن ثم كان الإمام سفيان بن عيينة وقد روى هذا الحديث يقول: (قوله: «فئتين من المسلمين» يُعجبنا جداً).
وقوله: «يَمْرقُ بيتهما مارقةٌ: أي تخرج طائفة من الناس على المسلمين فتحاربهم والمقصود بها الخوارج» الذين قتلهم علي فهو أقربُ إلى الحق من معاوية.
فأمير المؤمنين علي هو الخليفة الحق وهو في ذلك القتال أقربُ إلى الحق وأولى به كما جاء في الروايات الصحيحة؛ وجماعةٌ علي وجماعة أهل الشام مسلمون؛ ومن أهل الحق وطلابه والحريصين عليه فهناك قريب من الحق وأقرب إليه، وقد أثبتت الأحاديث قرب أهل الشام من الحق، وهم غير ملومين في حروبهم وقتالهم؛ لأن ذلك كان عن اجتهاد والمخطئ له أجر والمصيب له أجران.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب