انقسام المسلمون والخروج إلى البصرة
رأى الصحابة قوة السبئية وسطوتهم وعَجْز الخليفة عن لَجْمِهِمِ فضلاً عن البطش بهم وتأديبهم فتوزعت آراؤهم وتعددت تصرفاتهم.
قام
طلحة وقال لأمير المؤمنين علي: (دَعني فلآت البصرة فلا يفجؤك إلا وأنا في
خيل، فقال: حتى أنظر فى ذلك، وقال الزبير: دَعني آت الكوفة فلا يفجؤك إلا
وأنا فى خيل، فقال: حتى أنظر فى ذلك).
وظن كثير من القرشيين أن الخوارج
السبئية سيزداد شرُّهم وتعلو سطوتهم أكثر بعد أن تمردوا على أمر الخليفة
وعصّوه فهرب بنو أمية من المدينة مما جعل الخليفة يشتدٌ على قريش وحال
بينهم وبين الخروج على حال. وهذا مما زاد نفورٌ كثير من رجال قريش
وطائفة من الصحابة، ويعبّر ابن كثير عن ذلك فيقول: (لمّا وقع الأمر هكذا
واستحوذوا السبئية عليه وحَجَبوا عنه عِلَْيةَ الصحابة؛ فرّ جماعة من بني
أمية وغيرهم إلى مكة واستأذنه طلحة والزبير في الاعتمار فأَذِن لهما فخرجا
إلى مكة: وتبعهم خلقٌ كثير وجَمٌّ غفير). وقدم إلى مكة سائر بني أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة، ويعلى بن أمية من اليمن.
وفي
مكة كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قد خرجن إلى الحج فراراً من
الفتنة فلما بلغ الناسّ أن عثمان قد قتل أقمن بمكة ينتظرن ما يصنع الناس
وبرز دور أم المؤمنين عائشة بينهن وكان القادمون من المدينة إلى مكة
يقصدونها لرفعة منزلتها ويبثون إليها أحزانهم؛ وهي تتسقط منهم أخبار
الناس، حتى تواتر عندها سطوةٌ السبئية وهيمنتهم على المدينة.
والتقت
عائشة بطلحة والزبير ومن معهما فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: وراءنا أنّا
تحمّلنا بقليّتنا هُراباً من المدينة من غوغاء وأعراب وفارّقنا قوماً حيارى
لا يعرفون حقاً ولا يُنكرون باطلاً ولا يمنعون أنفسَهم، فقالت: فائتمروا
أمراً ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء.
وبعد نظر طويل في أمرهم اجتمع ملؤهم
على المسير إلى البصرة وقالت السيدة عائشة: أيها الناس إن هذا حدثٌ عظيم
وأمرٌ منكر فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه فقد كفاكم أهل
الشام ما عندهم، لعل الله عز وجل يدرك لعثمان وللمسلمين بثأره.
وكان
هناك جماعة من أكابر الصحابة والسابقين كانوا يراقبون الأحداث ويتبصّرون في
مآلاتها فيجدون فتناً جامحة تضطرب فيها الأفهام وتزلٌ فيها الأقدام،
فاجتهدوا في أمرها ورأوا أن الاعتزال أسلْمُ وأن القاعدٌ خيرٌ من القائم
والقائم خيرٌ من الماشي والماشي خير من الساعي، فاعتزلوا الجميع وقعدوا في
بيوتهم ومن هولاء: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن
مَسْلّمة؛ وأبو بَكْرة، وسَلّمة بن الأكوع وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين.
وهكذا أصبح المسلمون ثلاثة فرقاء:
1-
الخليفة ومعه جمهور كبير من الصحابة يرون التريْثٌ حتى تستقر أوضاع الدولة
وتقوى شوكتها عندئذ يتتبع الذين تلطخت أيديهم بدم عثمان مباشرة ويُقام
عليهم حد القصاص.
2- طلحة والزبير وعائشة ومعهم كثير من الصحابة
والتابعين وكذلك معاوية في أهل الشام يرون السعي في الإصلاح والتقوي بأهل
البصرة والإسراع في معاونة الخليفة للقبض على السبئية والغوغاء وكسر
شوكتهم.
3- الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة والخوض فيها وعدم مشاركة أحد الفريقين السابقين.
ثم
لما مضت أربعة أشهر على بيعة علي دون أن يُنفذ القصاص خرج طلحة والزبير
إلى مكة؛ ومنها جمعوا مؤيديهم الذين بلغ عددهم 700 رجل وانطلقوا إلى
البصرة مستهدفين القبضٌ على القتلة من أهلها وإنفاذ القصاص فيها ثم المسير
إلى المدينة لإتمام المهمة الخطيرة بالتعاون مع الخليفة، وقد بلغ عددُّهم
عند وصولهم إلى البصرة 3000 رجل حيث التحق الناس بهم في الطريق إليها.
وكان الصحابي يعلى بن أمية والياً لعثمان على صنعاء؛ فلما قتل عثمان كان يعلى قد قدم حاجاً ومعه 600 بعير و600 ألف درهم فإنضم إليهم.
موقف أهل الشام من بيعة علي رضي الله عنه
لما
استشهد عثمان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان ومعه أصابع نائلة بنت
الفرَافِصة زوج عثمان التي أصيبت حين دافعت عنه بيدها فقطعت مع بعض الكف،
فوّرد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلّق
الأصابع في كم القميص ونَدَّب الناسٌ إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه؛
وقام معه جماعة من الصحابة يحرّضون الناس على المطالبة بدم عثمان ممن قتله
من أولئك الخوارج السبئية.
وعندما بويع علىٌ بالخلافة عزم على تغيير
ولاة عثمان، فنصحه المغيرة وابن عباس بأن يتركهم في ولاياتهم حتى يتمكن،
وأن يقرٌ معاوية على الشام فأبى ذلك وغيّر بعض الولاة وبعث سَهْل بن حنيف
على الشام فخرج حتى إذا كان بتبوك لقيّته خيلٌ وردوه من حيث أتى ورفض أهل
الشام البيعة، فعزم علي على قتالهم وتجهز لذلك.
فمعاويةٌ ومّن معه
من الصحابة في أهل الشام كان مجتهداً متأولاً في توقفه عن بيعة علي؛ حتى
يبادر إلى القصاص من قتلة عثمان، وكان يغلب على ظنّه أن الحق معه واحتج
بقوله تعالى: (ومن قُتٍلَ مَظلُوَمًا فقَدَ جعلَنَا لوَلِيَِه سُلْطَناً
فلا يُسرف في الْقَتلْ إِنّهُ كان مَنصُوراً)، فهو ابن عم عثمان ووليّ دمه
وأجابه أهل الشام جميعاً إلى الطلب بدم عثمان وبايعوه على ذلك وأعطوه
العهود والمواثيق على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم حتى يُدركوا ثأرّهم أو
يُفني الله أرواحهم.
وكتب أمير المؤمنين علي إلى معاوية كتباً يأمره
فيها بالطاعة والبيعة، ومن ثم يتم القصاص من قتلة عثمان، ومعاوية يشترط قتل
القتلة أولاً أو تسليمهم إليه لأنه ولي دم عثمان.
فعزم علي على قتال
أهل الشام؛ وبعث إلى بعض ولاته ليستنفروا الناس لذلك، وحث هو الناس على
ذلك، وخطب فيهم فقال: (إِنْ في سلطان الله عصمةً أمركم فأعطوه طاعتكم غير
مَلْوِيّة ولا مستكرّه بها انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرقون
جماعتكم لعل الله يُصلح بكم ما أفسَّد أهلّ الآفاق وتقضٌّون الذي عليكم).
وتجهز
علي ورتب الجيش وخرج من المدينة، فَبَيِنما هم كذلك إذ جاء الخبر من مكة
أن جيش طلحة والزبير انطلقوا يريدون البصرة، فتعبّئ أمير المؤمنين علي
للخروج إليهم وقال: (إنَ فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين، وما كان عليهم
في المقام فينا مَؤونة ولا إكراه!).
خروج جيش مكة إلى البصرة
خرج
الجيش من مكة المكرّمة إلى البصرة وعلى رأسه طائفة من الصحابة في مقدمتهم
طلحة والزبير وقد أشاروا على الصديقة أم المؤمنين عائشة بالخروج معهم وذلك
لما يوقن به جميع الصحابة والصالحين من بعدهم من حرمتها رضي الله عنها؛
لأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين وبنت الصديق الأكبر
ولمكانتها السامية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفضلها ودينها وعلمها
وفقهها فضلاً عن أنها من أهل الاجتهاد والورع والحرص على مصالح المسلمين
وأنها مرجعٌ للناس في المعضلات وقد أخذ عنها كبار الصحابة ومن بعدهم. لكل هذا رجا الصحابة من خروجها الخيرّ والبركة والصلاح والإصلاح وجمع الكلمة وتوحيد الصف.
وقالوا
لها: (اشخَصي معنا إلى البصرة فإنًا نأتي بلداً مُضَيّعاً وسَيحتجون علينا
فيه ببيعة علي بن أبي طالب فتُنهضيهم كما أنهضت أهلَّ مكة ثم تقعدين فإِنْ
أصلّح الله الأمرَ كان الذي تريدين، وإلا احتسبنا وَدَفَعْنا عن هذا الأمر
بجَهْدنا حتى يقضى الله ما أراد فلما قالوا ذلك لها قالت: نعم).
وكان
خروج هذا الجيش إلى البصرة للتقوي بأهلها فى إقامة حد القصاص على قتلة
عثمان والتفاهم مع أمير المؤمنين على والانضمام إليه لإتمام ذلك الهدف وكسر
شوكة السبئية وإلغاء هيمنتهم على الدولة وقرارها السياسي وإعادة كلمة
الأمة إلى ما كانت عليه من الوحدة والألفة وتجنيبها الفتن.
ولما سُئل
الزبير عن سبب قدومهم إلى البصرة، قال: (نُنْهض الناس فيُدرَك بهذا الدم
لئلا يُبُطل فإن في إبطاله توهينَ سُلطان الله بيننا أبداً إذا لم يُفطْم
الناس عن أمثالها لم يبقَّ إمامٌ إلا قتله هذا الضّرب).
قصة ماء الحَوَءَّب
وفي طريقهم إلى البصرة وقعت لهم حادثة تحققت فيها نبوءة النبي صلى الله عليه وسلّم وكادت السيدة أن ترجع أدراجها.
عن
قيس بن أبي حازم قال: (لمّا بَلغتْ عائشة بعضّ مياه بني عامر ليلاً نبحت
الكلابُ عليها فقالت: أي ماءٍ هذا؟ قالوا: ماءٌ الحَوْءَبِ فوقفتُ فقالت:
ما أَظَنني إلا راجعةً فقال لها طلحة والزبير: مهلاً رحمك الله بل
تَقَدّمِين فيراك المسلمون فيُصلح الله ذات بينهم فقالت: ما أظنني إلا
راجعة؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم: «كيف
بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوءب)
وفي رواية: (أنها ضَربِت عَضدَ بعيرها
فأناخته وقالت: ردُوني ردُوني، أنا والله صاحبة ماء الحوءب) فقال لها
الزبير: ترجعين؟! عسى الله أن يُصلِح بك بين الناس) فقَبِلَت ذلك من الزبير
واستمرت في مسيرها إلى البصرة وتابع الناس طريقهم معها من أجل الإصلاح
وإنفاذٍ القصاص من قتلة عثمان.
وصول الجيش إلى البصرة
اقترب
الجيش من البصرة فكتبت أم المؤمنين إلى الأحنف بن قيس وغيره من وجوه الناس
أنها جاءت فبعث إليها أميرٌ البصرة عثمان بن حُنيف رسولين: الصحابي عمران
بن حصين والتابعي أبا الأسود الدُؤلي ليعلما ما جاءت به فسلَّما وقالا:
إن أميرنا بعثنا إليك نسألّك عن مسيرك؛ فهل أنتٍ مُخبرتنا؟ فقالت: والله ما
مثلى يسير بالأمر المكتوم ولا يُغطي لبنيه الخبر.
وذكرت لهما أنها جاءت
للطلب بدم عثمان؛ لأنه قتل مظلوماً في شهر حرام وبلد حرام؛ وقالت: (ننهض
في الإصلاح ممن أمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصغير
والكبير، والذكر والأنثى؛ فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضّكم عليه،
ومنكّر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره). ودخلا على طلحة والزبير يستعلمان خبرّهما وسببَ خروجهما فقالا مثل قول أم المؤمنين عائشة.
فعادا
إلى أمير البصرة عثمان بن حُنيف وأوقفاه على حقيقة الأمر فخشى من الفتنة
على المسلمين وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ دارّت رَحَا الإسلام ورب
الكعبة.
فاستشار عثمانُ الصحابي عمرانَ بن حُصين فأشار عليه بالتهدئة
والتسكين وقال له: (اعتزل إنى قاعد فاقعد) فال عثمان: (بل أمنعهم حتى يأتي
أمير المؤمنين علي. وأتاه الصحابي هشام بن عامر ونصحه بالتروي بمثل رأي
عمران وقال: (يا عثمان إن هذا الأمر الذي تروم يُسَلِم إلى شر مما تكره؛
إن هذا فتقّ لا يرتق وصدعٌ لا يُجبر فسامِحهم حتى يأتي أمرٌُ علي ولا
تحادهم). فأبى عثمان ونادى فى الناس وأمرّهم بالتهيّؤ ولبسوا السلاح واجتمعوا إلى المسجد الجامع.
فانقسم أهل البصرة ثلاث فِرق:
الأولى: حبّذت خروجٌ أم المؤمنين عائشة ومن معها وانضمت إليهم لمعونتهم على الإصلاح.
والثانية: بقيت على ولاتها لأمير البصرة عثمان بن حُنيف وأنكرت على السيدة عائشة ومن معها خروجّهم.
والثالثة: اعتزلت الفريقين.
وأقبل جيش طلحة والزبير حتى انتهوا إلى (المِرْبّد) وأقاموا في ميمنته وخرج عثمان بن حنيف ونزل في مسيرته.
وقام
طلحة فذكر فضل أمير المؤمنين عثمان وأنه قُتل مظلوماً وأنهم جاؤوا لإقامة
حد القصاص على قتلته وفى البصرة طائفة منهم وتابعه الزبير فتكلم بمثل
مقالته.
فقال مَنْ في الميمنة: صَدّقاً وبرّاً وقالا الحق وأمرا به وقال
من في الميسرة: فَجَراً وغدراً وقالا الباطل وأمَرا به فتحاثى الناس
بالتراب وتراموا بالحجارة ولمّا تكلمت السيدة عائشة فحثت الناس للأخذ بثأر
عثمان وقتل قتلته افترق جيش ابن حنيف فرقتين: فرقة ثبتت معه والأخرى انضمت
لجيش عائشة رضي الله عنها.
وأقبل حُكَيْم بن جَبّلة وكان على خيل ابن
حُنيف وممن باشرَ قتل عثمان بن عفان فأنشب القتال وجعل أصحاب أم المؤمنين
يكفون أيديّهم ويمتنعون من القتال وجعل حُكَيْم يقتحم عليهم فاقتتلوا على
فم السكة وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن وحجز
الليل بينهم.
فلما كان اليوم الثاني غدا حُكيم وهو يُبربر وفي يده
الرمح فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي تسبٌ؟ قال: عائشة قال: يا ابن
الخبيثة لأم المؤمنين تقول هذا فوضع حُكيم السنان بين ثدييه فقتله ثم مرٌ
بامرأة وهو يسبٌ أم المؤمنين فأنكرث عليه؛ فقتلها أيضاً برمحه؛ ثم سار فلما
اجتمع أصحابه قاتلوهم ومنادي عائشة يناشٍدهم ويدعوهم إلى الكَفٌ فيأبَون
فلم يجد أصحاب عائشة بُدَاً من قتالهم. فتصدوا لهم وأذاقوهم من بأسهم فلما مَسَّهم الشر وعضّتهم الحرب؛ نادوا أصحابَ عائشة إلى الصلح فأجابوهم.
ولم
يتوقف حُكَيم بن جبّلة عن غيّه وشرّه وولوغه في الفتنة وإثارة القتال فلما
ذهب طلحة والزبير ومن معهما إلى المسجد فوافقا صلاة العشاء وقد أبطأ عثمان
بن حُنيف فقدَّما عبد الرحمن بن عتَّاب يصلي بهم فوقعت فتنة من رَعَاع
البصرة أتباع حُكيم؛ لكنه صلَّى العشاء والفجر ودخل قوم إلى عثمان بن حُنيف
في قصره فوطئوه ونتفوا شعره فلما علم طلحة والزبير استعظما ذلك وأرسلا إلى
عائشة بالذي كان فأمرت أن يُخلى سبيله؛ فأطلقوه.
ولما قدم على علي
بالرّبَذة وقد نتفوا شعر رأسِه ولحيته وحاجبيه فقال: يا أمير المؤمنين
بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد، قال: أصبت أجراً وخيراً.
وبذلك انتهت
ولاية عثمان بن حُنيف على البصرة وفرّغت من أميرها وأصبح حكيم بن جبلة في
خيله على رِجل فيمن تبعه من عبد القيس ومّن نزع إليهم من أفناء ربيعة ثم
توَجَهوا نحو دار الرزق وجعل يشتم أمَّ المؤمنين عائشة فسمعَته امرأة من
قومه فقالت: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك فطعنها فقتلها فغضبت قبيلة عبد
القيس إلا من شارك في الفتنة والخروج على أمير المؤمنين عثمان فقالوا: فعلت
بالأمس وعُدتَ لمثل ذلك اليوم والله لندعَنك حتى يُقَيدَّك الله فرجعوا
وتركوه ومضى حُكيم فيمن قتل معه الخليفة عثمان وحَصّره من نزَّاع القبائل
كلها.
فنادى منادي طلحة والزبير: (مَن لم يكن من قتلة عثمان فَليكفف عنا
فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحداً) فأنشّبَ حكيم القتال ولم
يُرَعَ للمنادي فقال طلحة والزبير: (اللّهمٌ لا تبق منهم أحداً وأَقِدْ
منهم اليوم فاقتلّهم).
وكان حُكيم رأسٌ الفتنة في البصرة ويقود فرقة من
300 رجل وجميعٌ من معه 700 رجل واشتد القتال وكان حُكيم ذا بأس وتصدى له
رجل من الحُدّان يقال له: ضُحيم فضرب عنقّه فمال رأَسُه فتعلّق بجلده فصار
وجهه في قفاه.
وهرب أتباع حكيم إلى البصرة ونادى منادي الزبير وطلحة
بالبصرة: (ألا من كان فيهم من قبائلكم أحدٌ ممن غزا المدينة فليأتِنا بهم
فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعاً إلا
حرقوص بن زهير فإن بني سعد منعوه وكان من بني سعد فمسّهم في ذلك أمر شديد). واستقر أمر البصرة بيد طلحة والزبير وقوي موقفهم باستيلائهم على بيت المال وفيه الذهب والفضة.
وكانت
هذه الوقعة في 25 ربيع الآخر من سنة 36ه وأتى الخبر بجميع ما جرى إلى
أمير المؤمنين علي وهو بالثعْلبِيّة وهي من منازل طريق مكة من الكوفة.
خروج علي رضي الله عنه من المدينة
أدرك
أمير المؤمنين على خطورة الموقف وما يمكن أن يجر الخلاف إليه من تمزيق
وحدة الأمة والدولة وأن من واجبه بذل الجهد لتوحيد الكلمة وإعادة كل من
خرج عن أمره إلى الطاعة والجماعة.
فخرج علي على تعبيته التي تعبّى بها
إلى الشام واستنفر أهل المدينة للخروج معه؛ فاجتمع له نحو 700 رجل وتثاقل
عنه عدد من كبار الصحابة لأنهم رأوا أنها أحداث فتنة ينبغي عدم الدخول فيها
وخرج من المدينة متجهاً إلى العراق وقد عسكر في الرَّبَذة حيث أضيف إلى
جنده 200 رجل.
وكان خروجه في آخر ربيع الآخر من سنة 36 وهو يرجو أن
يدرك طلحة والزبير ومن خرج معهما من مكة إلى البصرة في الطريق فَيَحُول
بينهم وبين الخروج فلما وصل الربذة تبيّن له أنهم فاتوه. وتابع على
مسيره نحو الكوفة من الرّبذة إلى الثعلبية حتى إذا دنا من الكوفة مال إلى
ذي قار بين الكوفة والبصرة ومن هناك بعث رجالا يستنفرون أهل الكوفة
لمساندته.
كان الحسن بن على فى أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيراً
مما يفعله ويرجع علي رضي الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه وحاول الحسن ثنيَ
أبيه عن الذهاب إلى العراق وهو يبكي لما أصاب المسلمين من الفرقة
والاختلاف روى طارق بن شهاب وقد جاء إلى علي وهو بالرّبذة قال: (قام
الحسن بن علي فقال لأبيه: ألم أقلْ لكَ إن العرب ستكون لهم جولة عند قَتل
هذا الرجل؟ فلو أقمت بدارك التى أنت بها يعني بالمدينة فإني أخاف أن تقتل
بحال مَضّيّعة لا ناصرَ لك فقال علي: اجلس إنما تَخِنٌّ كَخنِين الجارية).
كذلك
نصحه الصحابي الجليل عبدالله بن سَلَام فقال: (لا تأت العراق وعليك بمنبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم فالزمْه، فوالله لئن تركتّه لا تراه أبداً). وصدق ابن سلام فلم يرو أن عليّاً عاد إلى المديئة بعد ذلك.
لم
يكن أمير المؤمنين علي في مسيره هذا يمشي في عماء ولا هو يقود الأمة لأجل
فرض سيطرته؛ بل كان يسعى إلى وحدة الصف وجمع الكلمة وصلاح أمر المسلمين
وتوطيد الأمن ووحد الدولة وتجنيب الأمة شراً أكبر وفساداً أعم.
سأله
رفاعة بن رافع الأنصاري فقال: (يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ وإلى أين
تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إِنْ قبلوا منا وأجابونا
إليه قال: فإِنْ لم يجيبوا إليه؟ قال: نَدَعْهم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر
قال: فإن لم يرضّوًا؟ قال ندعهم ما تركونا قال: فإن لم يتركونا؟ قال:
امتنعنا منهم قال: فنعم إذاً).
وفي حديث يرويه الحسن البصري يقول: (لمّا
قدِمّ علي البصرة في أمر طلحة وأصحابه قام عبد الله بن الكوّاء وقيس بن
عبّاد فقالا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرك هذا: أوصية أوصاك بها رسول
الله صلى الله عليه وسلم أم عهداً عهده عندك أم رأياً رأيتهُ حين تفرّقت
الأمة واختلفت كلمتها؟ فذكر حديثاً طويلاً وفي آخره: (فأخبرنا عن هذين
الرجلين يعنيان طلحة والزبير هما صاحباك في الهجرة وصاحباك في بيعة الرضوان
وصاحباك في المشورة؟ فقال: بايَعَاني في المدينة وخالْفاني بالبصرة ولو أن
رجلاً ممن بايع أبا بكر خلّعَه لقاتلناه ولو أن رجلاً ممن بايع عمرٌ
خلَّعَه لقاتلناه).
ولقد أكدت مجريات الأحداث ومواقف الصحابة وأقوالهم عمقّ مأساة الجميع؛ والغموضٌ الذي اكتنفهم وألقى بظلاله على نتائج اجتهاداتهم.
لما
بلغ أهلّ المدينة ما كان من خروج (طلحة والزبير وعائشة) في جيش مكة إلى
البصرة ورأوا اختلاف الكلمة؛ اشتدٌ عليهم الأمر ودعاهم علي رضي الله عنه
للخروج معه فتثاقل كثير منهم وقالوا: (لا والله ما ندري كيف نصنع فإن هذا
الأمر لَمشتبَه علينا ونحن مقيمون حتى يُضِي لنا ويُسْفِر).
وطلب
الخليفةٌ عبد الله بن عمر وهو أحد أكابر الصحابة وقال له: انهض معي فقال
ابن عمر: أنا مع أهل المدينة إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر
فدخلت معهم لا أفارقهم؛ فإِنْ يخرجوا أخرج وإن يقعدوا أقعد. ومثله موقف أسامة بن زيد وقد تخلّف عن الخروج مع علي وقال: (هذا أمر لم أره).
وتروي
عدَيْسة بنت الصحابي أهبان بن صَيْفي فتقول: (لمّا جاء علي بن أبي طالب
هاهنا البصرةً دخل على أبِي فقال: يا أبا مسلم ألا تعينني على هؤلاء القوم؟
قال: بلى فدّعًَا جارية له فقال: يا جاريةٌ أخرجي سيفي فأخرجَته فَسَلّ
منه قدرَ شِبر فإذا هو خشب! فقال: إِنَّ خليلي وابنَ عمك صلى الله عليه
وسلم عَهِد إلي: «إذا كانت الفتنة بين المسلمين فاتَّخْذْ سيفاً من خشب
فإِنْ شئتَ خرجت معك قال: لا حاجةً لي فيك ولا في سيفك).
ويقول الزبير
بن العوام وهو يتلو قوله تعالى ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ﴾ الأنفال (25). لقد تلوت هذه الآية زماناً وما أراني من أهلهاء
فأصبحنا من أهلها).
وعبّر طلحة عن جلالة الرزْء الذي نَزل بهم بعد
خروجهم وحدوث الكارثة فقال: (كنًا أمس يداً واحدة على مَن سوانا فأصبحنا
اليوم جبليْن من حديد يزحفٌُ أحدنا إلى صاحبيه).
وهكذا جرى لجماعة من
وجوه الناس وأمرائهم؛ الذين حيّرهم الأمر ومنهم الأحنف بن قيس أحد زعماء
بني تميم وقد طلب منه الزبير بن العوام الانضمامَ إليهم فقال: (أتاني
أفظعٌ أمر أتاني قطّ فقلت: إن خذلاني قوماً معهم أم المؤمنين وحواريّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم لَشديدٌ! وإن قتالي ابنَ عم رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقد أمروني ببيعته لشديد!).

إرسال تعليق