هو سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة يكني أبو سليمان، وهو من فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان حليف للأنصار.
نشأ
سمرة بن جندب في مضارب قبيلته فزارة إحدى قبائل غطفان، ثم قدمت به أمه
المدينة المنورة بعد موت أبيه، فتزوجها رجل من الأنصار، ولم يدرك الجاهلية
ولاقى النبي وهو بعد طفل، وقد نشأَ سمرة في ديار الأنصار، فَتَطَبَّعَ
بأَخلاقهم الطيبة، وسجاياهم الكريمة، وخصالهم الرفيعة.كان رسول الله يعرض غلمان الأنصار فمر به غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة فرده فقال لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته قال فدونكه فصارِعْهُ، فصَرَعَهُ سمرةَ فأجازَه.
عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاريّ، عن أبيه أن أمّ سمرة بن جُندب مات عنها زوْجُها، وترك ابنه سمرة، وكانت امرأةً جميلةً فقدمت المدينة فخطبت، فجعلت تقول: إنها لا تتزوّج إلا برجل يكفل لها نفقةَ ابنها سمرة حتى يبلغ، فتزوّجها رجلٌ من الأنصار على ذلك، فكانت معه في الأنصار.
كانت أُمَّ سَمُرَةَ بن جندب تحتَ مُرَيّ بن سنان بن ثعلبة. عم أبي سعيد الخُدْرِيّ فكان ربيبُهُ، فلما خرج رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى أُحدٍ وعَرَضَ أصحابَهُ فَرَدّ من استصغَر، رَدَّ سَمُرَةَ بن جُنْدب وَأَجَازَ رافع بن خَدِيج. فقال سَمُرَةُ بن جُنْدب لربيبهِ مُرَيّ: يَاأَبَتِ، أجاز رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم رافعَ بن خديج وردَّني. وأنا أَصْرَعُ رَافِعَ بن خَدِيج، فقال مُرَيّ بن سنان: يا رسول الله رددتَ ابني وأجزتَ رافعَ بن خَدِيج، وابني يصرعه، فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم لرافع وسمرة: "تصارعا"! فصرع سَمُرَةُ رافعًا، فأجازهُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في أُحُدٍ فشهدها مع المسلمين، شارك سمرة في غزوة أحد بعد أن أجازه النبي محمد للقتال، وشارك معه في عدة غزوات.
وبعد الفتوحات الإسلامية، نزل سمرة البصرة، وأقام فيها. ولما ولي زياد بن أبيه البصرة والكوفة، استعان بسمرة بن جندب، فكان يستخلفه على البصرة إذا سار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة، ولما مات زياد استخلفه على البصرة، فأقره معاوية بن أبي سفيان عليها عامًا أو أقل، ثم عزله.
وكان رضي الله عنه يتمتع بخلال عذبة، وشمائل كريمة منها الشجاعة وعدم التسامح مع المخطئين وقد ظهر هذا في تعامله مع الخوارج.
فكان إذا أتي بواحد منهم قتله، وهو يقول: «شر قتلى تحت أديم السماء يُكفّرُون المسلمين، ويسفكون الدماء».
وقد أَكرم الله تعالى سمرة بحافظة عجيبة، وذكاءٍ نادر، فاستغلَّ هذا الذكاء وتلك الحافظة خير استغلال، حيث سخَّرها في حفظ أَحاديث المصطفى، فكان من الصحابة المكثرين عنه.
فعن عبد الله بن بريدة: عن سمرة قال: كنتُ غلاماً على عهد رسول الله ، فكنتُ أحفظ عنه، وما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالاً هم أسنّ مني، ولقد صليت مع النبي على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها في الصلاة وسطها.
وهذا شاهد صريح في ضرورة التأدب مع الكبار، فلا يتقدم بين أيديهم من هو دونهم، إذا كانوا أولى منه بالعلم والحفظ والرواية، فإذا قُدِّرَ للإنسان أن يعيش بعد ذلك فإن الناس يحتاجون إليه، ويأخذون عنه.
وقال الحسن: تذاكر سمرةُ وعمرانُ بن حصين، فَذَكَرَ سمرةُ أنه حفظ عن رسول الله سَكْتَتَيْن: سَكْتَة إذا كَبَّر، وسَكْتَة إذا فرغ من قراءة "ولا الضالين". فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، فكتبوا في ذلك إلى المدينة، إلى أُبَيّ بن كعب، فكان في جواب أبي بن كعب: إن سمرة قد صدق وحفظ.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث منها، عن سمرة بن جندب قال: قال النبي: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا؟. فقال الذي رأيته في النهر آكل الربا".
وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله لنا: "أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم".
لما مرض سمرة بن جندب مرضه الذي مات فيه، أصابه بردٌ شديدٌ، فأُوقدت له نار، فَجُعلَ كانونٌ بين يديه، وكانونٌ من خلفِهِ، وكانون عن يمينهِ، وكانون عن يساره، قال: فجعل لاينتفعُ بذلك ويقول: كيف أصنع بما في جوفي! فلم يزل كذلك حتى مات. كانت وفاتُه بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثماني وخمسين، سقط في قِدْرٍ مملوءة ماء حارًا كان يتعالج بالقعود عليها، من كُزَاز شديد أصابه، فسقط في القِدْر الحارة فمات.
روى ابن عبد البر عن محمد بن سيرين قال: "كان سمرة عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله". وَيعرِّفه الذهبي في تاريخه فيقول: له صحبة ورواية وشرف.

إرسال تعليق