نسبه ونشأته
هو عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن
عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن الثقفي، أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور.
وأمه سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف القرشية، وهو عم والد المغيرة بن
شعبة، وهو جد أم الحجاج بن يوسف الثقفي.
ولد في الطائف في بيت عز وشرف،
فأبوه مسعود بن معتب كان زعيم ثقيف وقيس عيلان في حرب الفجار أمام قريش
وكنانة، وقد حضر تلك الحروب هو وإخوته الأسود ونويرة وهم يومئذٍ غلمان،
فكانوا في يوم عكاظ إحدى أيام حرب الفجار يجيرون قومهم ويدخلونهم خباء أمهم
سبيعة بنت عبد شمس وهي أمرتهم بذلك ليسودوا، وبذلك تحققت له السيادة
والشرف من الصغر فأصبح مقدماً لدى قومه وأحد وجوه العرب وأشرافها.
كان
أحد الأكابر من قومه، وقيل: إنه المراد بقوله: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31], قال ابن عباس وعكرمة ومحمد بن كعب
وقتادة والسدي: المراد بالقريتين مكة والمدينة، واختلفوا في تعيين الرجل
المراد، فعن قتادة أرادوا الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود
الثقفي من أهل الطائف.
حياته في الجاهلية
استطاع عروة بن مسعود
إنقاذ ثقيف من حرب بين بطونها، وكان سببها أن المغيرة بن شعبة خرج مع نفر
من بني مالك بن حطيط ابن جشم بن قسي وكان المغيرة أحد الأحلاف ومع المغيرة
حليفان له يقال لأحدهما دمون رجل من كندة والآخر الشريد خرجوا إلى المقوقس
صاحب الإسكندرية فجاء بني مالك وآثرهم على المغيرة فأقبلوا راجعين حتى إذا
كانوا ببساق شربوا خمراً فكف المغيرة عن بعض الشراب وأمسك نفسه وشربت بنو
مالك حتى سكروا فوثب عليهم المغيرة فقتلهم وكانوا ثلاثة عشر رجلا فلما
قتلهم ونظر إليهم دمون تغيب عنه وظن أن المغيرة إنما حمله على قتلهم السكر
فجعل المغيرة يطلب دمون ويصيح به فلم يأت ويقلب القتلى فلا يراه فبكى فلما
رأى ذلك دمون خرج إليه فقال المغيرة ما غيبك قال خشيت أن تقتلني كما قتلت
القوم قال المغيرة إنما قتلت بني مالك بما صنع بهم المقوقس قال وأخذ
المغيرة أمتعتهم وأموالهم ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي: لا
أخمسه هذا غدر وذلك حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم وأسلم
المغيرة.
وأقبل الشريد فقدم مكة فأخبر أبا سفيان بن حرب بنعمان واد
لهذيل على ليلتين من عرفات، وهو بين مكة والطائف بما صنع المغيرة ببني مالك
فبعث أبو سفيان ابنه معاوية بن أبي سفيان إلى عروة بن مسعود يخبره الخبر
فقال معاوية: خرجت حتى إذا كنت بنعمان قلت في نفسي إن أسلك ذا غفار فهي
أبعد وأسهل وإن سلكت ذا العلق فهي أغلظ وأقرب فسلكت ذا غفار فطرقت عروة بن
مسعود من الليل فأخبرته الخبر فقال عروة: انطلق إلى مسعود بن عمرو المالكي
فوالله ما كلمته منذ عشر سنين والليلة أكلمه قال فخرجنا إلى مسعود فناداه
عروة فقال من هذا فقال عروة فأقبل مسعود إلينا وهو يقول أطرقت عراهية أم
طرقت بداهية، قال عروة: بل طرقت بداهية أقتل ركبهم ركبنا أم قتل ركبنا
ركبهم لو قتل ركبنا ركبهم ما طرقني عروة بن مسعود فقال عروة أصبت قتل ركبي
ركبك يا مسعود انظر ما أنت فاعل فقال مسعود إني عالم بحدة بني مالك وسرعتهم
إلى الحرب فهبني صمتا قال فانصرفنا عنه فلما أصبح غدا مسعود فقال يا بني
مالك إنه قد كان من أمر المغيرة بن شعبة أنه قتل إخوانكم بني مالك فأطيعوني
وخذوا الدية اقبلوها من بني عمكم وقومكم قالوا: لا يكون ذلك أبدا والله لا
نترك الأحلاف أبدا حتى تقبلها قال: أطيعوني واقبلوا ما قلت لكم فوالله
لكأني بكنانة بن عبد ياليل قد أقبل يضرب درعه روحتى رجليه لا يعانق رجلا
إلا صرعه والله لكأني بجندب بن عمرو قد أقبل كالسيد عاضا على سهم مفوق بآخر
لا يشير إلى أحد بسهمه إلا وضعه حيث يريد فلما غلبوه أعدوا القتال واصطفوا
أقبل كنانة بن عبد ياليل يضرب درعه روحتي رجليه يقول: من مصارع ثم أقبل
جندب بن عمرو عاضا سهما مفوقا بآخر، فقال مسعود: يا بني مالك أطيعوني
قالوا: الأمر إليك قال فبرز مسعود بن عمرو فقال يا عروة بن مسعود اخرج إلي
فخرج إليه فلما التقيا بين الصفين قال عليك ثلاث عشرة دية فإن المغيرة قد
قتل ثلاثة عشر رجلا فاحمل بدياتهم قال عروة حملت بها هي علي قال فاصطلح
الناس فقال الأعشى أخو بني بكر وائل يمدح عروة:
تحمل عروة الأحلاف لما
رأى أمرا تضيق به الصدور
ثلاث مئين عادية وألفا
كذلك يفعل الجلد الصبور
كما
سعي في صلح الحديببية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش، فقد بعث النبي
صلى الله عليه وسلم بعثاً إلى قريش فأبوا أن يسمعوا فقال عروة بن مسعود:
والله ما رأيت كاليوم رأياً أعجب! وما تكرهون أن تسمعوا من بديل وأصحابه؟
فإن أعجبكم أمرٌ قبلتموه، وإن كرهتم شيئاً تركتموه؛ لا يفلح قومٌ فعلوا هذا
أبداً! وقال رجالٌ من ذوي رأيهم وأشرافهم، صفوان ابن أمية والحارث بن
هشام: أخبرونا بالذي رأيتم والذي سمعتم. فأخبروهم بمقالة النبي التي قال،
وما عرض على قريشٍ من المدة، فقال عروة: يا معشر قريش تتهمونني؟ ألست
الوالد وأنا الولد؟ وقد استنفرت أهل عكاظ لنصركم، فلما بلحوا علي نفرت
إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني! فقالوا: قد فعلت! فقال: وإني ناصحٌ لكم
شفيقٌ عليكم، لا أدخر عنكم نصحاً، وإن بديلاً قد جاءكم بخطة رشدٍ لا يردها
أحد أبداً إلا أخذ شراً منها، فاقبلوها منه وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من
عنده، وأنظر إلى من معه وأكون لكم عيناً آتيكم بخبره.
فبعثته قريشٌ
إلى رسول الله، وأقبل عروة بن مسعود حتى أناخ راحلته عند رسول الله، ثم
أقبل حتى جاءه، ثم قال: يا محمد، إني تركت قومك، كعب بن لؤي وعامر بن لؤي
على أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، قد استنفروا لك أحابيشهم ومن
أطاعهم، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم. وإنما
أنت من قتالهم بين أحد أمرين، أن تجتاح قومك، ولم نسمع برجلٍ اجتاح أصله
قبلك؛ أو بين أن يخذلك من نرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشاً من الناس،
لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم.
فغضب أبو بكر الصديق وقال: امصص بظر اللات،
أنحن نفر عنه؟ فقال عروة: أما والله لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها بعد
لأجبتك! وكان عروة بن مسعود قد استعان في حمل ديةٍ، فأعانه الرجل
بالفريضتين والثلاث وأعانه أبو بكر بعشر فرائض، فكانت هذه يد أبي بكر عند
عروة بن مسعود. فطفق عروة وهو يكلم رسول الله يمس لحيته والمغيرة قائمٌ على
رأس رسول الله بالسيف، على وجهه المغفر فطفق المغيرة كلما مس لحية رسول
الله قرع يده ويقول: اكفف يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك! فلما
أكثر عليه غضب عروة فقال: ليت شعري من أنت يا محمد من هذا الذي أرى من بين
أصحابك؟ فقال رسول الله : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: وأنت بذلك
يا غدر؟ والله ما غسلت عنك عذرتك إلا بعلابط أمس! لقد أورثتنا العداوة من
ثقيف إلى آخر الدهر. (يقصد بذلك ما فعله المغيرة مع بني مالك عندما قتل
ثلاثة عشر رجلاً منهم)
فلما فرغ عروة بن مسعود من كلام رسول الله ورد
عليه رسول الله ما قال لبديل بن ورقاء وأصحابه وكما عرض عليهم من المدة،
ركب عروة بن مسعود حتى أتى قريشاً فقال: (يا قوم، إني قد وفدت على الملوك،
على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكاً قط أطوع فيمن هو بين
ظهرانيه من محمدٍ في أصحابه؛ والله ما يشدون إليه النظر، وما يرفعون عنده
الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى أمرٍ فيفعل، وما يتنخم وما يبصق إلا وقعت
في يدي رجلٍ منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر
منه بشيءٍ؛ وقد حرزت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم؛ وقد
رأيت قوماً ما يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم؛ والله لقد رأيت نسياتٍ
معه إن كن ليسلمنه أبداً على حال؛ فروا رأيكم، وإياكم وإضجاع الرأي، وقد
عرض عليكم خطةً فمادوه! يا قوم، اقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أني أخاف
ألا تنصروا عليه! رجلٌ أتى هذا البيت معظماً له، معه الهدي ينحره وينصرف.).
إسلام عروة بن مسعود ووفاته
قال
ابن إسحاق: لما انصرف رسول الله من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود بن
معتب حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأل رسول الله أن يرجع إلى
قومه بالإسلام، فقال له رسول الله: "إن فعلت فإنهم قاتلوك". فقال له عروة:
يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم، وكان فيهم محببًا مطاعًا، فخرج
يدعو قومه إلى الإسلام فأظهر دينه رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، ولكنهم
غضبوا منه وسبوه، وأسمعوه ما يكره، وفي فجر اليوم التالي صعد عروة فوق سطح
غرفة له وأذن للصلاة، فخرجت إليه ثقيف، ورموه بالنبل من كل اتجاه، فأصابه
سهم فوقع على الأرض، فحمله أهله إلى داره، وهناك قيل لعروة: ما ترى في
دَمِكَ؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس في إلا
ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني
معهم، فدفنوه معهم. فلما علم بما حدث لعروة قال: (مَثَلُ عروة في قومه
مَثَلُ صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه)، وقال: (عُرض عليَّ الأنبياء،
فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم فإذا
أقرب مَنْ رأيت به شبهًا عروة بن مسعود).
واختلف في اسم قاتله فقيل: أوس بن عوف، وقيل: وهب بن جابر.
ولعروة ولد يقال له: أبو المليح، أسلم بعد قتل أبيه مع قارب بن الأسود.

إرسال تعليق