نسبه ونشأته
هو عكرمة بن عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم، أمه: أم عكرمة فلوة بنت كبير بن حبيب بن ربيعة، زوجته: أم حكيم بنت
الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية.
كان عكرمة طويل القامة، مفتول
العضلات، عريض المنكبين، حاد الملامح، حنطي البشرة، غزير الشعر، جهوري
الصوت، شديد الشبه بأبيه عمرو بن هشام بن المغيرة، وكان لين العريكة،
حليماً، حكيماً.
نشأ عكرمة في مكة في جو مترف محفوف بالنعيم، في قصر
المغيرة، وتعلم القراءة والكتابة والأنساب على يد أفضل المعلمين في تهامة،
وكغيره من أبناء العرب، تعلم الفروسية وأبدى نبوغًا ومهارة في المبارزة
وفنون القتال، وبرز بين أقرانه ببراعته في رمي الرمح وتصويب السهام، كما
عُرف بالشجاعة وخفة الحركة في الكرّ والفرّ.
حياته في الجاهلية
شارك
عكرمة في معركة بدر تحت قيادة والده أبو جهل مع كفار قريش، ورأى عكرمة في
المعركة عبد الله بن مسعود يرتقي على صدر أبيه ويقتله، فانسحب عكرمة من
المعركة مع غيره من فرسان قريش، وعاد عكرمة إلى مكة بعد أن خلف جثة سيد
قريش في بدر فقد أعجزته الهزيمة عن أن يظفر بها ليدفنها في مكة وأرغمه
الفرار على تركها للمسلمين فألقوها في القليب مع العشرات من قتلى المشركين
وأهالوا عليها الرمال.
ثم خرج عكرمة بن عمرو إلى معركة أحد وأخرج معه
زوجه أم حكيم لتقف مع النسوة وراء الصفوف وتضرب معهن على الدفوف تحريضاً
لكفار قريش على القتال وتثبيتاً لفرسانها إذا حدثتهم أنفسهم بالفرار فكان
على ميمنة فرسان قريش خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة.
وفي يوم
الخندق حاصر المشركون المدينة أياماً طوالاً فنفد صبر عكرمة بن عمرو وضاق
ذرعاً بالحصار فنظر إلى مكان ضيق من الخندق وأقحم جواده فيه فاجتازه ثم
اجتازه وراءه بضعة فرسان، وتهور غير محسوب، قتل على أثرها عمرو بن ود.
ويوم فتح مكة خرج عكرمة ونفر معه وهاجموا الجيش الإسلامي بتهور فهزمهم المسلمون، ففر عكرمة إلى اليمن.
إسلامه
يروى
عبد الله بن الزبير قصة إسلام عكرمة فيقول: "قالت أم حكيم امرأة عكرمة بن
أبي جهل: يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمنه،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو آمن.
فخرجت أم حكيم في طلبه
ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت على حي من
عك، فاستغاثتهم عليه فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى ساحل من
سواحل تهامة فركب البحر، فأَصابتهم عاصف، فقال أَصحاب السفينة لأَهل
السفينة: أَخلصوا فإِن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا، فقال: ما هذا؟
قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، قال: إِن لم ينجني في البحر إلا
خلاص ما ينجيني في البر غيره، هذا إله محمد الذي يدعونا إليه، اللهم لك
عليّ عهد إِن أَنت عافيتني مما أَنا فيه أَن آتي محمدًا حتى أَضع يدي في
يده، فَلأَجدنَّه عفوًّا كريمًا، فجعلت امرأته تلوح إليه وتقول: يا ابن عم،
جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك فوقف لها حتى
أدركته فقالت: إني قد استأمنت لك محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قال: أنت فعلت؟، قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك فرجع معها، وقال: ما لقيت من
غلامك الرومي؟، فخبرته خبره فقتله عكرمة، وهو يومئذ لم يسلم.
ويكمل عبد
الله بن الزبير القصة فيقول:" وجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها، فتأبى عليه
وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة، فيقول: إن أمرا منعك مني لأمر كبير.
فلما
رأى النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب إليه، وما على النبي صلى الله عليه
وسلم رداء، فرحا بعكرمة، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بين
يديه، وزوجته منتقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: صدقت، فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى ما تدعو يا
محمد؟، قال: أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن
تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتفعل، وتفعل، حتى عَدَّ خصال الإسلام، فقال
عكرمة: والله ما دعوتَ إلا إلى الحق وأمرٍ حسن جميل، قد كنتَ والله فينا
قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثا وأبرنا برا.
ثم قال
عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فسُرَّ
بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله علمني خير شيء
أقوله، قال: تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، قال
عكرمة: ثم ماذا؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقول أُشْهِد الله
وأشهد من حضر أني مسلم مهاجر ومجاهد، فقال عكرمة ذلك.
فقال رسول الله:
لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحداً إلا أعطيتكه، فقال عكرمة : فإني أسألك أن
تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو
كلام قلته في وجهك أو وأنت غائب عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك
المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال مني من عرض في وجهي أو أنا غائب عنه.
فقال
عكرمة: رضيت يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صدٍ عن سبيل الله
إلا أنفقتُ ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا كنت أقاتل في صد عن سبيل الله
إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، وبعد أن أسلم رد رسول الله صلى الله عليه
وسلم امرأته له بذلك النكاح الأول.
ولما دنا عكرمة من المدينة قال
الرسول لأصحابه: (سيأتيكم عكرمة بن عمرو مؤمناً مهاجراً فلا تسبوا أباه فإن
سب الميت يؤذى الحى ولا يبلغ الميت) فدخل عكرمة المدينة ووفد على رسول
الله فقال له: «مرحباً بالراكب المهاجر» وبايعه على الإسلام، وشهد معه
معركة حنين والطائف وشهد حجة الوداع.
جهاده رضي الله عنه
بعد
وفاة رسول الله قاتل عكرمة المرتدين واستعمله أبو بكر على جيش وسيره إلى
أهل عمان وكانوا قد امتنعوا عن دفع الزكاة وظهر عليهم عكرمة، ثم وجهه أبو
بكر أيضاً إلى اليمن فلما فرغ من قتال أهل الردة سار إلى الشام مجاهداً
أيام أبي بكر مع جيوش المسلمين، فلما عسكروا بالجرف على ميلين من المدينة،
خرج أبو بكر يطوف في معسكرهم، فبصر بخباء عظيم حوله ثمانية أفراس ورماح
وعدة ظاهرة، فانتهى إليه فإذا بخباء عكرمة، فسلم عليه أبو بكر وجزاه خيرًا،
وعرض عليه المعونة، فقال: "لا حاجة لي فيها، معي ألفا دينار" فدعا له
بخير.
استشهاده رضي الله عنه
وفي يوم اليرموك وهناك في وادي
اليرموك عندما أوشك الروم على تدمير جيش المسلمين بعد أن قاموا بمحاصرتهم
من كل جانب، تناول عكرمة سيفه وكسر غمده ونادى بالمسلمين: أيها المسلمون من
يبايع على الموت؟ فتقدم إليه 400 مقاتل وبايعه عمه الحارث بن هشام بن
المغيرة وضرار بن الأزور، وعندها اتجه خالد بن الوليد نحو عكرمة وحاول منعه
من ذلك، ولكن عكرمة قال: إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول اللَّه
سابقة أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول اللَّه فدعني أكَفّر عما
سلف مني، ولقد قاتلت رسول اللَّه في مواطن كثيرة وأفر من الروم اليوم؟ إن
هذا لن يكون أبدًا فانطلقت كتيبة الموت، وتفاجأ الروم بهم تنقض عليهم
لتدكدك جماجمهم، وتقدم عكرمة بنفسه إلى قلب الجيش الروماني ليكسر الحصار عن
جيش المسلمين، واستطاع فعلًا إحداث ثغرة في جيش العدو بعد أن انقض على
صفوفهم، فأمر قائد الروم أن تصوب كل السهام نحو عكرمة، فسقط فرس عكرمة من
كثرة السهام التي انغرست فيه، فوثب عكرمة من على ظهر فرسه وتقدم وحده نحو
عشرات الآلاف من الروم يقاتلهم بسيفه، عندها صوب الروم سهامهم إليه،
وستطاعت تلك الوحدة كسر الحصار عن جيش المسلمين.
وبعد المعركة فتش خالد
بن الوليد على ابن عمه عكرمة ليجده وهو ملقى بين اثنين من جنوده وهم الحارث
ابن هشام وعياش بن أبي ربيعة والدماء تسيل منهم جميعًا، فطلب الحارث ابن
هشام بعض الماء ليشربه، وقبل أن يشرب قطرة منه نظر إلى عكرمة بن أبي جهل
وقال لحامل الماء: اجعل عكرمة يشرب أولًا فهو أكثر عطشًا مني، فلما اقترب
الماء من عكرمة أراد أن يشرب لكنه رأى عياش بجانبه فقال لحامل الماء: احمله
إلى عياش أولًا، فلما وصل الماء إلى عياش قال: لا أشرب حتى يشرب أخي الذي
طلب الماء أولًا، فالتفت الناس نحو الحارث بن هشام فوجدوه قد فارق الحياة،
فنظروا إلى عكرمة فوجدوه قد استشهد، فرجعوا إلى عياش ليسقوه شربة ماء
فوجدوه استشهد.
ولقد وجدوا فيه بضعاً وسبعين، من بين ضربة وطعنة ورمية.
وقد برّ عكرمة بما قطعه للرسول من عهد، فما خاض المسلمون معركة بعد إسلامه،
إلا وخاضها معهم، ولا خرجوا في بعث إلا كان في طليعتهم.
كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه ويقول: "كلام ربي، كلام ربي".
وروت
أُم سلمة زوج رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صَلَّى
الله عليه وسلم "رَأَيْتُ لِأَبِي جَهْلٍ عِذْقًا فِي الْجَنَّةِ"،
فَلَمَّا أَسْلَمَ عَكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: يَا أُمَّ
سَلَمَةَ، هَذَا هُوَ.

إرسال تعليق