نسبه
هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن
غنم الدوسي، كان سيدًا من سادة العرب وسيد قبيلة دوس في الجاهلية وشريف من
أشراف العرب المرموقين وواحدًا من أصحاب المروءات المعدودين، يطعم الجائع
ويؤمن الخائف ويُجير المستجير، وهو إلى ذلك أديب أريب لبيب وشاعر مرهف الحس
رقيق الشعور، بصير بحلو البيان ومره حيث تفعل فيه الكلمة فعل الساحر.
وقد
قدم إلى مكة للحج قبل الهجرة فاستقبلته قريش ولقي الرسول صلى الله عليه
وسلم فأسلم على يده ثم رجع لدوس ولبث عندهم يدعوهم إلى الإسلام والتحق
بعدها بالرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد معركة أحد ومعه 80 بيتا من
دوس فشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم فتح خيبر وفتح مكة.
إسلامه رضي الله عنه
قال
ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى
الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال قريش، وكان الطفيل رجلا شريفاً شاعراً
لبيبا، فقالوا له: إنك قدمتَ بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق
جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين
الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد
دخل علينا فلا تَكْلِمَنَّهُ وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْه، قال: فوالله ما
زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوْت في أذني حين
غدوت إلى المسجد كرسفا (قطنا) فرَقَاً (خوفا) من أن يبلغني شيء من قوله .
قال:
فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند
الكعبة، فقمت قريبا منه فأبَىَ الله إلا أن يُسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً
حسناً، فقلتُ في نفسي: وَاثُكْلَ أُمَّاه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما
يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني مِنْ أن أسمع من هذا الرجل ما
يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبِلْتُ، وإن كان قبيحا تركت، قال: فمكثت
حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل
بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما
برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبَى الله عز
وجل إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض عليَّ أمرك، قال: فعرض رسول
الله صلى الله عليه وسلم عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما
سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق،
وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم فداعيهم إلى
الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه،
فقال: اللهم اجعل له آية .
قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية (ما
انفرج بين الجبلين) يقال لها كذا وكذا تطلعني على الحاضر (القبيلة النازلة
على الماء)، وقع نور بين عيني مثل المصباح، قال: قلت: اللهم في غير وجهي
إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلَةٌ (مرض وعقوبة) وقعت في وجهي لفراق دينهم،
قال: فتحول فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية
حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً، فقلت: إليك
عني يا أبت، فلستُ منك ولستَ مني، قال: لِم يا بُني؟، قلت: أسلمت وتابعت
دين محمد، قال: يا بني، فديني دينك، قال: قلت: فاذهب يا أبتِ فاغتسل وطهر
ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء
فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي (زوجتي) فقلت لها: إليك عني
فلست منك ولست مني، قالت: لم، بأبي أنت وأمي؟، قلتُ: فرق الإسلام بيني
وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، قالت: فديني دينك، قال:
قلت: فاذهبي إلى حنى ذي الشرى فتطهري منه وكان ذو الشرى صنما لدوس، وكان
للحنى حمى حوله وبه وشل (قليل) من ماء يهبط من جبل إليه، قالت: بأبي وأمي
أتخشى علي الصبية من ذي الشرى شيئا؟، قال: قلت: لا، أنا ضامن لك، قال:
فذهبت واغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت .
ثم دعوت دوسا إلى
الإسلام فأبطئوا عليَّ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي
الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد دوسا،
ثم قال: ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم، فرجعت إليهم فلم أزل
بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن
أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فنزلت المدينة
بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم
بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين، وقلنا: يا رسول الله اجعلنا في ميمنتك واجعل
شعارنا مبرورًا، ففعل.
وكان إسلام الطفيل في مكة بعد رجوع النبي صلى
الله عليه وسلم من رحلة الطائف بعد دعوة ثقيف إلى إسلامه ورفضهم الإيمان
برسالته، وكان ذلك في السنة العاشرة من بعثه النبي، وأمره رسول الله بدعوة
قومه إلى الإسلام، فقال: يا رسول الله اجعل لي آية تكون لي عونًا، فدعا له
رسول الله فجعل الله في وجهه نورًا فقال: يا رسول الله إني أخاف أن يجعلوها
مثلة، فدعا له رسول الله فصار النور في سوطه وكان يضئ في الليلة المظلمة
ولذا كان يُسمى ذو النور.
ومما قاله الطفيل بن عمرو يخاطب قريشًا عندما هددوه لما أسلم:
ألا أبلغ لديك بني لؤي
دليل هدى موضح كل رشد
أن اللـه جلله بهـاد
وأعلى جـده على كل جد
وفي قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه الكثير من الفوائد والعبر، ومنها:
الرحمة
النبوية مع الكافرين حيث لم تقف رحمة النبي صلى الله عليه وسلم مع
الكافرين عند الإعراض عنهم، والصبر على أذاهم، والحلمِ عن جهلهم، بل إنها
تعدَّت ذلك إلى مجال أرحب وأفسح، تجلَّى في حرصه على دعوتهم وهدايتهم،
وإنقاذهم من النار، ولذلك لما طلب الطفيل رضي الله عنه من النبي صلى الله
عليه وسلم الدعاء على قبيلته دوس لإعراضهم قائلا: (فادع الله عليهم)، رد
النبي صلى الله عليه وسلم على طلبه بقوله: (اللهم اهد دوسا).
لم يكن
الطفيل رضي الله عنه من علماء الصحابة، ولا من رواة الأحاديث، لكن يكفيه
فضلاً وشرفاً أن أبا هريرة رضي الله عنه أسلم على يديه، فقد كان ضمن
السبعين عائلة الذين أسلموا على يد الطفيل رضي الله عنه وأتى بهم إلى النبي
صلى الله عليه وسلم بخيبر، ومن ثم فهو حسنة من حسناته.
روى مسلم
بسنده عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي فقال: يا رسول الله هل
لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي صلى
الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا
المدينة فمرض فجزع، فأخذ ذلك الرجل مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه
حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيًا يديه،
فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه فقال: ما لي أراك
مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت, فقصها الطفيل على رسول
الله، فقال رسول الله:"اللهم وليديه فاغفر".
وقد أرسل النبي صلى الله
عليه وسلم الطُّفَيْل بن عمرو ليُحْرِق صَنَم عمرو بن حثمة الذي كان يقال
له: ذُو الْكَفينِ، فأحرقه وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
ميلادنا أكبر من ميلادكا
وكان
ذلك بعدما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، وأراد المسير إلى
الطائف، بعث الطفيل إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حثمة، يهدمه وأمره أن يستمد
قومه ويوافيه بالطائف فقال الطفيل: يا رسول الله أوصني قال: "افش السلام،
وابذل الطعام، واستحي من الله كما يستحي الرجل ذو الهيئة من أهله، إذا أسأت
فأحسن، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين".
وفاة الطفيل بن عمرو
لما
توفي النبي صلى الله عليه وسلم وارتد مَن ارتد مِن العرب عن دين الله
تعالى واتفق الصحابة على قتال المرتدين وبدأ أبو بكر رضي الله عنه ببعث
الجيوش لقتالهم كان الطفيل بن عمرو رضي الله عنه ممن ذهب لقتال مسيلمة
الكذاب وخرج معه ابنه عمرو قال رضي الله عنه: حتى إذا كنا ببعض الطريق رأيت
رؤيا فقلت لأصحابي إني رأيت رؤيا عبروها قالوا: وما رأيت؟ قلت: رأيت رأسي
حلق وأنه خرج من فمي طائر وأن امرأة لقيتني وأدخلتني في فرجها وكان ابني
يطلبني طلباً حثيثاً فحيل بيني وبينه، قالوا: خيراً، فقال : أما أنا والله
فقد أولتها؛ أما حلق رأسي فقطعه وأما الطائر فروحي وأما المرأة التي
أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي وأدفن فيها فقد رجوت أن أقتل شهيداً وأما
طلب ابني إياي فلا أراه إلا سيغدو في طلب الشهادة ولا أراه يلحق بسفرنا
هذا، فقتل الطفيل رضي الله عنه شهيداً يوم اليمامة.
وقد قطعت يد ابنه،
ثم استبل وصحت يده فبينما هو عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أتي بطعام
فتنحى عنه ، فقال عمر: مالك لعلك تنحيت لمكان يدك؟ قال: أجل، قال: واللّه
لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، فواللّه ما في القوم أحد بعضه في الجنة غيرك، ثم
خرج عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقتل شهيداً رضي الله
عنهم أجمعين.

إرسال تعليق