تشديد الحصار على أمير المؤمنين رضي الله عنه
قال أبو هريرة: حصر أمير المؤمنين عثمان في داره أربعين ليلة، وقال حماد بن زيد: حوصر نيفاً وأربعين ليلة.
بعد
أن بدأ القوم السبئيون بتشديد الحصار ومنع دخول الماء والطعام والناس على
عثمان، كان رضي الله عنه قد أمر المدافعين عنه أن يخرجوا سالمين مسلوماً
منهم، وأذن لهم أن يكونوا في الدار ومحيطين بها وعند الباب، وكان فيهم
الحسن والحسين ابنا علي، ومحمد بن طلحة، وابن عمر، وأبو هريرة، ومروان بن
الحكم، وناب إليهم ناس كثير، وكما قالابن سيرين وغيره: كان مع عثمان في
الدار يومئذ 700 نفس، وأمير الدار عبد الله بن الزبير، وشباب الصحابة
وأبناؤهم كلهم شاكي السلاح.
وأمير المؤمنين الخليفة العظيم يكرر على
إخوانه ومناصريه من أولئك الأشبال الأبطال: أنشد الله رجلاً أهراق في دما
وهم يقولون له: قد أمكنتنا البصائر، فأذن لنا في الجهاد، وهو يقول لهم:
عزمت على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل.
وجاء عبد الله بن سلام رضي
الله عنه إلى تلك العصابات الخارجة، يصفعهم بآخر نصائحه وتخويفاته؛ فيقول
لهم: (إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله إلى
اليوم، والله لئن قتلتموه لتذهبن ثم لا تعود إليكم أبداً وإن السيف لم يزل
مغموداً فيكم، فوالله لئن قتلتموه ليسلكه الله عليكم ثم لا يغمده عنكم أبدا
-أو قال: إلى يوم القيامة- وما قتل نبي إلا قتل به سبعون ألفاً، ولا قتل
خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً، وذكر أنه قتل على دم يحيى بن زكريا
سبعون ألفاً).
لكن أولئك
الخوارج ما كانوا يريدون وجه الله، وقد هيمن عليهم غدرهم وإجرامهم، وران
على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وصدق عليهم إبليس ظنه، فسدوا كل منافذ الخير
والإصلاح ولم يرعووا عن باطلهم.
قال شداد بن أوس: (لما اشتد الحصار
بعثمان يوم الدار، أشرف على الناس فقال: يا عباد الله، قال: فرأيت علي بن
أبي طالب خارجاً من منزله، معتماً عمامة رسول الله، متقلداً سيفه، أمامه
الحسن وعبد الله بن عمر في نفر المهاجرين والأنصار، حتى حملوا على الناس
وفرقوهم، ثم دخلوا على عثمان، فقال له علي: السلام عليك يا أمير. المؤمنين،
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل
المدبر، وإني والله لا أرى القوم إلا قاتليك، فمزنا فلنقاتل، فقال عثمان:
أنشد الله رجلاً رأى لله حقاً، وأقر أن لي عليه حقا؛ أن يهريق في سببي ملء
محجمة من دم، أو يهريق دمه في، فأعاد علي عليه القول، فأجابه بمثل ما
أجابه، قال: فرأيت علياً خارجاً من الباب وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا
بذلنا المجهود)،
وقال جبير بن مطعم: (لما حصر عثمان بن عفان حتى والله
ما يشرب إلا من الفقير فقير الدار، قال جبير: فدخلت على علي بن أبي طالب،
فقلت: يا ابن أبي طالب أقد رضيت بهذا أن يحصر ابن عمك حتى والله ما يشرب
إلا من فقير الدار؟! فقال: سبحان الله وقد بلغوا هذا منه؟! قال: نعم وأشد
من هذا قال: فحمل الروايا حتى أدخلها عليه وسقاه).
ثم بالغ القوم حتى
منعوا عنه الماء والطعام، فأرسل عثمان إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن
قدرتم على أن ترسلوا إلينا بماء فافعلوا، وأرسل إلى طلحة والزبير وإلى
عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان أولهم إنجاداً له علي وأم
حبيبة، جاء علي في الغلس فقال: يا أيها الناس، إن الذي تصنعون لايشبه أمر
المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة، فإن الروم
وفارس لتأسر فتطعم وتسقي، وما تعرض لكم هذا الرجل في شيء، فبم تستحلون حصره
وقتله؟! فقالوا: لا والله، ولا نعمة عين، لا نتركه يأكل ولا يشرب! فرمى
بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني له، فرجع، وجاءت أم حبيبة على
بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة، فضربوا وجه
بغلتها، فقالت: بني إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، وأحببت أن ألقاه
وأسأله عن ذلك كي لا تهلك أموال أيتام وأرامل، فقالوا: كاذبة! وأهووا لها،
وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندت بأم حبيبة، فتلقاها الناس وقد مالت
رحالتها، فتعلقوا بها فأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها).
ولم يتوقف علي رضي الله عنه عن نجدة أخيه الخليفة المحصور حتى منعه أهله خشية عليه من المحاصرين القتلة.
يروي
راشد بن كيسان وغيره: (أن عثمان بعث إلى على وهو محصور في الدار أن ائتني
فقام علي ليأتيه، فقام بعض أهل علي حتى حبسه وقال: آلا ترى إلى ما بين يديك
من الكتائب، لا تخلص إليه؟! وعلى علي عمامة سوداء فتقضها على رأسه ثم رمى
بها إلى رسول عثمان وقال: أخبره بالذي قد رأيت! ثم خرج علي من المسجد حتى
انتهى إلى أحجار الزيت).
وعن كنانة مولى أم المؤمنين صفية بنت حيي أنه
شهد مقتل عثمان قال: وأنا يومئذ ابن أربع عشرة سنة قال: (أمرتنا صفية أن
نرحل بغلة بهودج، فرحلناها ثم مشينا حولها إلى الباب، فإذا الأشتر وناس
معه، فقال لها الأشتر: ارجعي إلى بيتك، فأبت، فرفع قناة معه -أو رمحا-
فضرب عجز البغلة، فشبت البغلة ومال الهودج حتى كاد أن يقع، فلما رأت ذلك
قالت: ردوني، ردوني). قال: فوضعت خشباً بين منزلها وبين منزل عثمان، تنقل عليه الطعام والشراب).
استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه
مع
استمرار السبئيين الخوارج في غيهم، ومضيهم في تنفيذ جريمتهم، لم يتوقف
الخليفة الراشد عثمان عن موعظتهم وتأنيبهم وترغيبهم وترهيبهم، حتى لا يترك
لهم أثارة من غدر أو حجة عند الله تعالى وعند المؤمنين.
عن مسلم أبي
سعيد مولى عثمان بن عفان (أن عثمان بن عفان أعتق عشرين مملوكا، ودعا
بسراويل فشدها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم
قالوا لي: اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه،
فقتل وهو بين يديه).
قال ابن كثير: إنما لبس السراويل رضي الله عنه في
هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل، فإنه كان شديد الحياء، فكانت تستحي منه
ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي فيه.
وعن كثير بن الصلت قال: (نام
عثمان في ذلك اليوم الذي قتل فيه، وهو يوم الجمعة، فلما استيقظ قال: لولا
أن يقول الناس: تمنى عثمان أمنية، لحدثتكم حديثا! قال: قلنا: حدثنا أصلحك
الله، فلسنا نقول كما يقول الناس، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي هذا، فقال: إنك شاهد معنا الجمعة).
واتخذ
عثمان تلك الأيام القرآن نحباً، يصلي وعنده المصحف، فإذا أعيأ جلس فقرأ
فيه هكذا كان أمير المؤمنين عثمان في عالمه الرباني؛ في صيام وقيام وتلاوة
للقرآن وعتق للرقاب ورؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم وبشرى بأنه سيشهد
الجمعة معه ويفطر عنده والصحابة وأبناؤهم في عنفوان الحماسة للدفاع عن
عثمان والذود عن الخلافة، والمؤمنون في منى قضوا مناسكهم وأغدوا السير
لنجدة الخليفة المحصور، أما المنافقون المنحرفون من الخوارج السبئيين ففي
طغيانهم يعمهون وفي ضلالهم سادرون وعلى تنفيذ جريمتهم عازمون.
واتخذ
البغاة المجرمون قرارهم بقتل عثمان، فانتدب رجل منهم، فدخل على عثمان فقال
له: اعزل نفسك وندعك، فأبى عثمان وقال (لست خالعاً قميصاً كسانيه الله عز
وجل، فرجع الرجل إليهم، فقالوا له: ما صنعت؟ قال: علقنا، والله ما ينجينا
من الناس إلا قتله، وما يحل لنا قتله.
فأدخلوا عليه رجلاً من بني ليث،
فقال عثمان: من الرجل؟ فقال: ليثي، فقال عثمان: لست صاحبي! قال: وكيف؟
فقال: ألست الذي دعا لك النبي صلى الله عليه وسلم في نفر أن تحفظ في كذا
وكذا؟ قال : بلى، قال عثمان: فلن تضيع فرجع وفارقهم، ثم أدخلوا رجلاً من
قريش، فقال: يا عثمان إني قاتلك! فقال عثمان: كلا يا فلان، لا تقتلني قال:
كيف؟ قال: إن رسول الله استغفر لك يوم كذا وكذا، فلن تقارف دماً حراماً
فاستغفر الرجل ودمع.
فدخل عليه محمد بن أبي بكر الصديق في ثلاثة عشر
رجلاً، فأخذ بلحية عثمان وقال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر،
ما أغنت عنك كتبك! فقال عثمان: أرسل لحيتي يا ابن أخي، فوالله لقد أخذت
مأخذاً ما كان أبوك ليأخذ به! فتركه وانصرف مستحياً نادماً، فاستقبله القوم
على الباب، فردهم طويلاً حتى غلبوه، فدخلوا، ورجع محمد بن أبي بكر، ولم
يشترك بقتله.
وأسرعوا فحملوا النيران إلى منزل عثمان، فأحرقوا الباب
والسقيفة، حتى إذا احترق الخشب خرت السقيفة على الباب، وأسرع الناس لإطفاء
الحريق، ونادى عثمان: (ما بعد الحريق شيء، وما احترق الباب إلا لما هو أعظم
منه، لا يحركن رجل منكم يده، ومن كانت لي عليه طاعة فليمسك داره، فإنما
يريدني القوم).
ولما حلت الكارثة، أسرع من عند عثمان للدفاع عنه،
وعثمان يقرأ القرآن ما تركه، وافتتح سورة طه وكان سريع القراءة، ما فزع لما
حصل، يقرأ وما يخطئ وما يتعتع، حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه. فخرج الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص والمغيرة بن الأخنس بن شريق وأبو هريرة وغيرهم، فاجتلدوا مع القوم.
وقام
أمير المؤمنين ينهاهم ويطلب منهم أن يغادروا، فكان آخر من خرج عبد الله بن
الزبير، وأمره عثمان أن يأتي أهل الدار فيأمرهم أن ينصرفوا إلى منازلهم،
وأقبل عثمان على القرآن، ولم يبق معه إلا أهل بيته.
ثم عاد عثمان إلى
مصحفه وقرأ: ( الذين قالوا لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم
إيماننا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (أل عمران: 173).
فهاج
المجرمون وماجوا، وأطلقوا الرصاصة الأخيرة في جعبتهم فتسوروا دار عمرو بن
حزم المجاورة لدار عثمان ودخلوا بغير إذن واقتحموا عليه، وقد خلا من حراسه
والمدافعين عنه، وكان فيمن دخل عليه: قتيرة السكوني، وسودان بن حمران،
والغافقي بن حرب، وكلثوم بن تجيب، ورجل اسمه الموت الأسود،
وكنانة بن بشر التجيبي، وهجموا على عثمان؛ فمنهم من يجؤه بنعل سيفه، وآخر
يلكزه، والمصحف الشريف بين يديه يقرأ في سورة البقرة، وهم يهابون قتله،
فانقض عليه الموت الأسود فخنقه خنقاً شديداً، وضربه الغافقي بحديدة كانت
معه، ورفع أحدهم سيفه فأتقاه عثمان بيده فقطعها، فقال عثمان: (أما والله؛
إنها لأول يد خطت المفصل).
وجاء رجل بمشاقص فوجأه في ترقوته، فقال
عثمان: (بسم الله توكلت على الله)، وإذا الدم يسيل على لحيته يقطر، والمصحف
بين يديه، فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: (سبحان الله العظيم)، وهو في
ذلك يقرأ المصحف، والدم يسيل على المصحف، حتى وقف الدم عند قوله تعالى:
(فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) (البقرة:137) وأطبق المصحف، وضربوه
جميعاً ضربة واحدة فرفع كنانة بن بشر مشاقص كانت بيده فوجأ بها أصل أذن
عثمان فمضت حتى دخلت حلقه، ثم ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه،
فجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه زوجته نائلة بنت الفرافصة، واتقت
السيف بيدها، فتعمدها سودان ونفح أصابعها، فقطع أصابع يدها، وضرب عثمان
بعدما خر لجنبه فقتله.
ودخل غلمة عثمان لينصروه وقد كان عثمان أعتق
من كفت يده منهم فلما رأوا سودان قد ضربه؛ أهوى بعضهم عليه فضرب عنقه
فقتله، فوثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت، وأخرجوا من
فيه، ثم أغلقوا الباب على ثلاثة قتلى، فلما خرجوا إلى الدار، وثب غلام آخر
لعثمان على قتيرة فقتله، وكل من دخل على عثمان اشترك في قتله.
ونادى
منادي القوم: أيحل دم عثمان ولا يحل ماله؟! فانتهبوا كل شيء، وأخذوا ما في
الدار، وكان شيئاً عظيماً جداً، حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ كلثوم بن
تجيب ملاءة نائلة، وبصر به غلام عثمان فقتله وقتل.
ثم تنادوا في الدار:
أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، فسمع أصحاب بيت المال أصواتهم، فقالوا:
النجاء! فإن القوم إنما يريدون الدنيا فهربوا، وأتى الخوارج القتلة بيت
المال فانتهبوه، وكان فيه شئ كثيراً جداً.
وأخرج من الدار أربعة من
شبان قريش ملطخين بالدم، محمولين، كانوا يدرؤون عن عثمان وهم: الحسن بن
علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، وكان من أعيان
من قتل من أصحاب عثمان: زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس بن شريق،
ونيار بن عبد الله الأسلمى.
وقد ذكر في الذين شاركوا في قتل أمير
المؤمنين عثمان عدد كبير؛ ففي رواية وثاب وكان ممن شهد يوم الدار، قال:
(فجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلاً، حتى انتهى إلى عثمان، فأخذ
بلحييه فقال بها، حتى سمعت وقع أضراسه!).
أما الذين باشروا قتل عثمان، فقد جاءت تسمية بعضهم في روايات متعددة، ومنهم:
1- الموت الأسود (عبد الله بن سبأ).
2- الغافقي بن حرب.
3- كنانة بن بشر.
4- سودان بن حمران.
5- قتيرة السكوني.
6- رومان بن وردان.-
7 جبلة من أهل مصر.
وقد
ذكر بعض المؤرخين أن الذي قتل عثمان هو: سودان بن حمران، وآخرون قالوا:
الموت الأسود، والحقيقة أن كل من ذكرنا أسماءهم قد تلطخ بقتل الشهيد عثمان
رضي الله عنه. وأما محمد بن أبي بكر: فتتضافر الروايات على أنه آلب على
أمير المؤمنين عثمان، وخرج عليه، وسعى مع الخوارج إليه، وشارك في الحصار
الآثم، وكذلك تلطخ بالإثم فدخل على عثمان في ثلاثة عشر رجلاً، وأخذ بلحيته
وعنفه، فذكره عثمان بمكانه من أبيه أبي بكر الصديق، فخرج ولم يشارك في قتله
وكان ابنه القاسم بن محمد يقول: اللهم اغفر لأبي ذنبه في عثمان.
تاريخ استشهاده وغسله والصلاة عليه ودفنه
استشهد عثمان رضي الله عنه وأرضاه في المدينة المنورة، يوم الجمعة في (18 / ذي الحجة / 35هـ - الموافق 656/6/17 م).
وتولى
غسله جبير بن مطعم، والمسور بن مخرمة، وحكيم بن حزام، وابنه عمرو بن
عثمان، وزوجتاه نائلة وأم البنين، وكفنوه وصلوا عليه، صلى عليه حكيم بن
حزام، وقيل: الزبير بن العوام، بوصية عثمان.
وخرج به جماعة من الصحابة
فيهم علي وطلحة والزبير، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وحويطب بن عبد العزى،
ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة
العدوي، وخرجت زوجته نائلة بسراج، فقال لها جبير: أطفئي السراج، لا يفطن
بنا فأطفأته. وخرجت معهم زوجته الأخرى أم البنين.
وحملوه سراً على باب،
وإن رأسه ليقرع الباب يقول: (طق، طق)! لإسراعهم به؛ لما بهم من الخوف
العظيم من أولئك المنافقين الذين أرادوا رجمه ودفنه بمقبرة يهود!.
ودفنوه
ليلاً للعجز عن إظهار دفنه، بسبب غلبة قاتليه، ودفن ليلة السبت بين المغرب
والعشاء في (حش كوكب)، وكان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم فيه، وكان
عثمان رضي الله عنه يمر بحش كوكب ويقول: (يوشك أن يهلك رجل صالح، فيدفن
هناك، فيأتسي الناس به)، فكان عثمان أول من دفن فيه!.
ونزل في قبره
نيار بن مكرم وأبو جهم بن حذيفة وجبير بن مطعم، وكان حكيم بن حزام وزوجتا
عثمان يدلونه على الرجال، حتى لحدوا له، وبني عليه، ثم تفرقوا. وأخرجوا
عبدي عثمان اللذين قتلا معه في الدار، وهما صبيح ونجيح، فدفنا إلى جانبه
بحش كوكب. وقد اعتنى معاوية رضي الله عنه في أيام خلافته بقبر عثمان؛
فهدم الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله، حتى
اتصلت بمقابر المسلمين.
عمره ومدة خلافته وتركته
مات عثمان وعمره اثنتان
وثمانون سنة، وقد بويع بالخلافة يوم السبت غرة المحرم سنة (24ه)، وقتل في
الثامن عشر من ذي الحجة سنة (35هـ)؛ فتكون مدة خلافته اثنتي عشرة سنة إلا
اثني عشر يوماً.
وكان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون
مليون درهم وخمس مئة ألف درهم، ومئة وخمسون ألف دينار، انتهبت كلها، وترك
ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها، قيمة مئتى ألف درهم.
حزن الصحابة وعامة المسلمين على عثمان رضي الله عنه
لقد
كان وقع المصيبة على نفوس الصحابة وعامة المسلمين عظيماً، فباتوا وقد
جللهم الحزن، وطاشت عقولهم، وفاضت مآقيهم بالدموع، ولهجث ألسنتهم بذكر
مناقبه والترحم عليه وسب قاتليه ورثائه بالأشعار الباكية.
قال أبو حازم:
(كنت عند عبد الله بن عمر، فذكر عثمان؛ فذكر فضله ومناقبه وقرابته حتى
تركه أنقى من الزجاجة،ثم ذكر علي بن أبي طالب؛ فذكر فضله وسابقته وقرابته
حتى تركه أنقى من الزجاجة، وقال: من أراد أن يذكر هذين فليذكرهما هكذا أو
وليدع!)
وعن زيد بن علي: (أن زيد بن ثابت كان يبكي على عثمان يوم الدار).
وقال أنس بن مالك: (يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب مؤمن! وكذبوا، والله الذي لا إلله إلا هو لقد اجتمع حبهما في قلوبنا).
وقام
الحسن بن علي بعدما قتل عثمان، فقال لقتلته: (لا مرحباً بالوجوه ولا
أهلاً، مشائم هذه الأمة من فتق فيها المفتق العظيم، أما والله لولا عزمة
أمير المؤمنين علينا، لكان الرأي فيكم نابلا!).
وقال عيسى بن عمر القارئ: (رأيت طلحة بن مصرف، فبكى وقد ذكر عثمان، فقال: حصروه وعطشوه!).
وقال طلحة: (أبى قلبي إلا حب عثمان).
وعن زيد بن صوحان: أنه قال يوم قتل عثمان: (اليوم نفرت القلوب منافرها، والذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة).
وعن
يزيد بن يزيد قال: قال أبو مسلم الخولاني لوفد أهل المدينة وقد وفدوا على
معاوية بالشام: هؤلاء شر من ثمود فدخلوا على معاوية فشكوه، فقال معاوية: يا
أبا مسلم، ما قلت لهم؟ قال: قلت: هؤلاء شر من ثمود؛ ثمود عقروا الناقة،
وهؤلاء قتلوا الخليفة، وأشهد على ربي لخليفته أكرم عليه من ناقته.

إرسال تعليق