عثمان رضي الله عنه يصر على عدم القتال
كان عثمان يعلم حق العلم بالبلاء
الشديد الذي يكتنف حياته في أيام خلافته، حيث حفظ ذلك ووعاه عن رسول الله
وقد بشره بالجنة والشهادة ومعها بلاء شديد، ففي الحديث عن أبي موسى
الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (افتح له وبشره بالجنة على
بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فحمد الله، ثم قال: الله المستعان).
وفي رواية: (ثم جاء آخر فسلم، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فأذن له، وبشره بالجنة على بلوى شديدة،
قال: فانطلقت، فإذا هو عثمان، فقلت: أدخل وأبشر بالجنة على بلوى شديدة قال:
فجعل يقول: اللهم صبراً حتى جلس).
ولهذا كان موقف أمير المؤمنين عثمان
حازماً حاسماً منذ اللحظة الأولى، وبقي ثابتاً عليه متمسكاً به حتى آخر رمق
من حياته؛ حيث رفض مقاتلة أولئك الخوارج السبئيين المحاصرين له، ونهى آحاد
الصحابة وجماعاتهم عن الدفاع عنه، وأمرهم بحق ولايته عليهم وطاعتهم له أن
يكفوا عن استخدام السلاح، وألا يهريقوا بسببه محجمة من دم، وذلك وفاء بما
عهد إليه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصبر على تلك الابتلاءات
العظيمة التي تناوشته، وتوالت عليه حتى كان أعنفها باغتيال روحه وسفك دمه
الزكي.
عن قيس بن أبي حازم: (عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم في مرضه: «وددت أن عندي بعض أصحابي، قالت: فقلنا: يا رسول الله،
ألا ندعو لك أبا بكر، فسكت قلنا: عمر؟ فسكت قلنا: علي فسكت قلنا: عثمان؟
قال: نعم، قالت: فأرسلنا إلى عثمان، قالت: فجعل النبي يكلمه، ووجهه يتغير.
قال
قيس: فحدثني أبو سهلة أن عثمان قال يوم الدار: إن رسول الله عهد إلى عهداً
وأنا صابراً عليه قال قيس: كانوا يرون أنه ذلك اليوم).
وفي رواية: عن
قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة(قالت: فجاء عثمان، فقال: قومي فجعل
النبي يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير، قال: فلما كان يوم الدار قلنا: آلا
تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أمراً، فأنا صابر
نفسي عليه)، ولهذا أصر أمير المؤمنين عثمان على عدم القتال.
وكذلك خوفه
الشديد من قتل أي نفس ظلماً، وهو يعلم أن الفتن بي مشتبهة، وأن في القوم
الخارجين عليه أغماراً ومغفلين ومخدوعين؛ فخشي إن نشب قتال أن تراق دماء
بريئة، أو على الأقل في سفكها شبهة، فأراد أن يخرج من الدنيا إلى ربه
طاهراً نقياً بريئاً من قطرة دم تهراق بغير وجه حق! فكان يصر على كل
الصحابة الذين هبوا لنصرته جماعات وأفراد، ويقول: (أذكر الله رجلاً أهراق
في دما).
وقال لأبي هريرة: (يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعا
وإياي؟ قلت: لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلاً واحداً فكانما قتل الناس
جميعاً).
واستأنس برأي الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، فأرسل إليه
وسأله عن الموقف من هؤلاء المجرمين الذين أحاطوا بداره، فقال له: ما ترى؟
فقال: الكف الكف، فإنه أبلغ في الحجة.
موقف الصحابة من الحصار
ومع
إصرار عثمان على الصحابة في كفكفة الفتنة، وأمرهم بإغماد سيوفهم وترك
الدفاع عنه وعدم مقاتلة أولئك الخوارج، وتأكيده بأن لا يريقوا بسببه محجمة
من دم، فإن الصحابة رضي الله عنهم مع طاعتهم له وملازمتهم أمره، لم يتركوه
ولا عادوا إلى بيوتهم، بل باتوا قريبين ويروحون، ويرسلون إليه أبناءهم
وشباب الصحابة يغدون عليه للمكث الدائم عنده، حتى لا يغدر به أولئك
السبئيون المجرمون، ويرون أن حمايته والدفاع عنه ومجاهدة أولئك المارقين من
أكبر واجبات النصرة لأمير المؤمنين.
وقد رغب الصحابة وأبناؤهم وكل من
في المدينة من الصالحين بالدفاع عن الخليفة المحصور، وقدموا بين يديه نماذج
من التضحيات، وعرضوا عليه شتى ألوان الذود والفداء، ورد طغيان الخارجين
فما وجدوا منه إلا الرفض التام للقتال وحمل السلاح.
وكان للمهاجرين
الذين هم طلائع الإسلام ونواته الأولى، وللأنصار وهم أهل الإيواء والنصرة
ودار الإسلام دور عظيم في الدفاع عن أمير المؤمنين، وتقديم جميع أصناف
الحماية له.
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: (كنت مع عثمان في
الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن لنا عليه سمعاً وطاعة، إلا كف يده
وسلاحه، فإن أفضلكم عندي غناءً من كف يده وسلاحه).
وعن محمد بن سيرين
قال: (كان مع عثمان يومئذ في الدار سبع مئة، لو يدعهم لضربوهم إن شاء الله
حتى يخرجوهم من أقطارها، منهم ابن عمر والحسن بن علي وعبد الله بن الزبير).
وعن
جابر بن عبد الله: (أن علياً أرسل إلى عثمان أن معي خمسن مئة دارع، فأذن
لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئا يستحل به دمك! قال: جزيت خيراً، ما
أحب أن يهراق دم في سببي).
وروى موسي بن عقبة عن جده لأمه أبي حبيبة
مولى الزبير بن العوام قال: (بعثني الزبير إلى عثمان وهو محصور، فدخلت عليه
في يوم صائف، وهو على فرش ذي ظهر، وعنده الحسن بن علي وأبو هريرة وعبد
الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وبين يديه مراكن ماء مملوءة، ورياط
مطروحة، فقلت: بعثني إليك الزبير، وهو يقرئك السلام ويقول: إني على طاعتك
لم أبدل ولم أنكث، فإذ شئت دخلت الدار معك فكنت رجلاً من القوم وإن شئت
أقمت وإن بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي ثم يمضوا لما آمرهم به
فلما سمع الرسالة قال: الله أكبر الحمد لله الذي عصم أخي، أقرئه السلام
وقل له: إن يدخل الدار لا يكون إلا رجلاً من القوم، فمكانك أحب إلي، وعسى
أن يدفع الله بك عني. فلما سمع الرسالة أبو هريرة قام فقال: ألا أخبركم بما
سمعت أذناي من رسول الله؟ قالوا: بلى يا أبا هريرة، قال: أشهد لسمعت رسول
الله يقول: تكون بعدي فتن وأمور وأحداث، قلنا: فأين المنجا منها يا رسول
الله؟ قال: إلى الأمين وحزبه وأشار إلى عثمان بن عفان.
فقام الناس
فقالوا: قد آمكتننا البصائر، فأذن لنا في الجهاد؟ فقال عثمان: عزمت على من
كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل، قال: فبادر الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو
بن عوف، فقتلوه رضي الله عنه!).
وقام كعب بن مالك الأنصاري شاعر الرسول
صلى الله عليه وسلم يحضض الأنصار على نصرة الخليفة، فيقول: (يا معشر
الأنصار، كونوا أنصار الله مرتين يعني في أمر عثمان رضي الله عنه).
وعن قتادة: (أن زيد بن ثابت قال لعثمان: هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين فقال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا).
وهذا حارثة بن النعمان الأنصاري يسعى إلى الخليفة المحصور، ويؤكد له ما تقد به كعب وزيد، فيقول لعثمان: إن شئت أن نقاتل دونك.
ويقول سعد بن أبي وقاص: (جئت عثمان يوماً، فقلت: افتح الباب أدخل عليك، فقال: مكانك أحب إلي).
وكان
يقول: (يا أيها الناس، هذه يدي بما طلب عند عثمان وإن ضربت بسوط، فجعل
الناس يرقون ذلك عليه، وجعل يفرجهم عن نفسه بيديه، حتى إذا غلب دخل
المسجد).
وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان مع عثمان في الدار، وأنه لبس
الدرع يوم الدار مرتين، وكان يومئذ متقلداً سيفه حتى عزم عليه عثمان أن
يخرج مخافة أن يـقتل).
وعن أبي هريرة قال: قلت لعثمان: اليوم طاب الضرب
معك، قال: أعزم عليك لتخرجن زاد في رواية: قال أبو هريرة: فرميت بسيفي فما
أدري أين هو حتى الساعة).
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: (أن الحسن بن علي
دخل على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، إنا طوع يديك، فمرني بما شئت فقال
له عثمان: يا ابن أخي، ارجع فاجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره، فلا حاجة
لي في هراقة الدماء).
وعن عاصم بن سليمان: أن الحسن بن علي قال: (رحت
إلى الدار وغدوت إليها شهراً، وعثمان رضي الله عنه محصور، كل ذلك بعين علي
رضي الله عنه ما نهاني يوماً قط، قال: فقام إليه يوم زحف إليه، فقال: يا
أمير المؤمنين، علام تكف الناس؟ والله لقد حل لك قتالهم، والناس جادون،
فأذن للناس في قتالهم! فقال: يا ابن أخي، أعزم عليك بحقي عليك إلا لحقت
بأهلك).
وهذا بطل شباب الصحابة عبد الله بن الزبير يصف لنا نصرتهم
لعثمان، فيقول: (قلت لعثمان: يا أمير المؤمنين، إن معك في الدار عصابة
مستنصرة ينصر الله بأقل منهم، فأذن لي فلأقاتل! فقال: أذكر بالله رجلاً
أهراق في دمه، أو قال: أهراق في دماً).
وممن كان مع عثمان في داره
ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، فأمره عثمان على الناس ليقيم لهم حجهم تلك
السنة، فقال: يا عبد الله بن عباس فدعي له، فقال: اذهب فأنت على الموسم،
وكان ممن لزم باب الدار، فقال: يا أمير المؤمنين، لجهاد هؤلاء أحبإلي من
الحج فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة).
ويروي
ابن أخي عبد الله بن سلام فيقول (لما أريد عثمان، جاء عبد الله بن سلام،
فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم
عني، فإنك خارج خير لي منك داخل، قال: فخرج).
وقد كرر عبد الله بن سلام
المجيء إلى أمير المؤمنين عثمان، وتردد إلى أولئك الخوارج عدة مرات ونهاهم
عن قتله، وحذرهم مغبة ذلك غضب الله وسخطه.
ومع كل ذلك الإلحاح من
عثمان على عدم المواجهة والقتال مع عصابات السبئيين الخوارج؛ فإن رهطاً
كبيراً من الصحابة وشبانهم وأبنائهم لزموا الدار داخلها وحولها، ولم
يبرحوها، وكان أميرهم عبد الله بن الزبير، عن عروة بن الزبير (عن عبد الله
بن الزبير قال: قلت لعثمان يوم الدار: قاتلهم، فوالله لقد أحل الله لك
قتالهم فقال: لا والله لا أقاتلهم أبداً قال: فدخلوا عليه وهو صائم قال:
وقد كان عثمان أمر عبد الله بن الزبير على الدار وقال عثمان: من كان لي
عليه طاعة؛ فليطع عبد الله بن الزبير).
وعن محمد بن سيرين قال: (انطلق
الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان كلهم شاكي السلاح، حتى دخلوا
الدار ، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم. فخرج ابن عمر والحسن والحسين، فقال ابن الزبير ومروان: ونحن نعزم على أنفسنا أن لا نبرح!).
عثمان رضي الله عنه يستمد ولاة الأمصار
مع
كل ما تقدم من عزم عثمان على الكفكفة ودرء اتساع الفتنة، وإمساكه بأيدي
الصحابة عن القتال، ومنعهم من الاشتباك مع السبئيين الفجرة، ومع وجود
جماعات من الصحابة كفيلة برد بغي البغاة وقمع إفسادهم لكن ذلك التكافؤ
العددي بين الطرفين سيؤدي إلى سفك دماء كثيرة في مدينة رسول الله، وعثمان
لا يحب هذا، بل يريد أقل الحالات شراً، وأخفها ضرراً، ولابد لهذا من قوة
عظيمة، إذا رآها المنحرفون الخوارج خنسوا واستسلموا، ولم يرموا بسهم من
كنانتهم.
لذا كان أمير المؤمنين يود أن تكون عنده قوة كبيرة باطشة تقمع
قوى الشر والفساد والإفساد، وتضع حداً لغطرستها وجاهليتها؛ فأرسل إلى عماله
في الأمصار يأمرهم بإرسال قوى تنجده وأهل المدينة من السبئيين القتلة،
وكذلك يكون الحجيج قد قضوا مناسكهم، فتنضم قوتهم إلى جيوش الأمصار، فتتكون
قوة مرهوبة منظمة مهيبة ضاربة، تستأصل شأفة الخوارج وتنهي تمردهم وعصيانهم
بسرعة، دون اضطرار إلى سفك دماء كثيرة.
في ضوء هذا نفهم سعي عثمان في
استنصاره بأهل الأمصار، مع استسلامه لقدره ونهايته المشرقة ويقينه بأنه
سيقضي شهيداً، وهذا التدبر من قدر الله، فهو من باب دفع القدر بالقدر، وكما
قال عمر: (نفر من قدر الله إلى قدر الله).
عن ابن عباس قال: (لما حصر
عثمان وطال حصره، والذين حصروه هم من أهل مصر والبصرة والكوفة ومعهم بعض
أهل المدينة، أرادوه على أن ينزع نفسه من الخلافة، فلم يفعل، وخافوا أن
تأتيه الجيوش من الشأم والبصرة وغيرهما ويأتي الحجاج، فيهلكوا، فتسوروا
عليه فقتلوه رضي الله عنه وأرضاه).
وعندما أتى الكتاب أهل الأمصار،
خرجوا على الصعبة والذلول، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري في جيش، وبعث
عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني في جيش آخر، وبعث أهل البصرة
جيشاً، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو في جيش.
وقام الصحابة
والتابعون بتحضيض الناس على نصرة أمير المؤمنين؛ فقام في الكوفة الصحابة:
عقبة بن عمرو، وعبد الله بن أبي أوفى، وحنظلة بن الربيع، وغيرهم، وقام من
التابعين أصحاب ابن مسعود، يسيرون في الكوفة ويطوفون في مجالسهم، ويقولون:
(يا أيها الناس، إن الكلام اليوم وليس به غداً، وإن النظر يحسن اليوم ويقبح
غداً، وإن القتال يحل اليوم ويحرم غداً، انهضوا إلى خليفتكم وعصمة أمركم).
وفي البصرة: نهض عمران بن حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر، في
أمثالهم من الصحابة، يقولون مثل ما قال أهل الكوفة، ومن التابعين قام آخرون
بالحث على نصرة الخليفة.
وقام في الشام: من الصحابة عبادة بن الصامت،
وأبو الدرداء، وأبو أمامة ومن التابعين كثير، وفي مصر: قام خارجة، وصحابة
آخرون وغيرهم من التابعين. كلهم يستنفر الناس لنصرة أمير المؤمنين المحصور.
وقدم ركبان فأخبروا أهل المدينة بمجئ الأمداد من الآفاق: حبيب من
الشام، ومعاوية بن حديج من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة، وقد
خرجت من تلك الأمصار مسرعة نحو المدينة، ووصل حبيب بن مسلمة بجيشه إلى قرب
خيبر، لكن بعيد
مقتل عثمان.
وكذلك قفل الناس من الحج، وعزموا على
الرجوع إلى المدينة ليدافعوا عن أمير المؤمنين، فوصلت أخبار قدوم أمداد
الجيوش وجموع الحجيج إلى أولئك السبئيين الخوارج فعند ذلك حسموا أمرهم،
وانتهزوا الفرصة من قلة الناس وغيابهم في الحج وعدم وصول الجيوش من الآفاق
للنصرة وأسرعوا في تنفيذ جريمتهم، فأحاطوا بدار عثمان وجدوا في الحصار،
وأحرقوا الباب، وتسوروا الدار من الدور المتاخمة لها، ودخلوا على عثمان
فقتلوه.

إرسال تعليق