تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

عودة المتمردين ومحاصرة المدينة



طلائع الحصار وبداياته

بعد اختلاق الكتاب المزور على لسان عثمان وتزوير خاتمه، وتدبير تلك المكيدة الخبيثة الفاجرة؛ عادت كتائب الخوارج المصريين من السبئيين وأتباعهم ومعهم محمد بن أبي بكر الصديق، ورجعت كذلك فرق إخوانهم من العراقيين، ووصل الجميع إلى المدينة في آن واحد وكانوا في ذلك على ميعاد ولم يرع أهل المدينة إلا التكبير في نواحيها، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن!. وكان ذلك في أوائل ذي القعدة من سنة 35ه‍.
ولزم الناس بيوتهم، وصلى أمير المؤمنين بالناس أياماً، فيصلي وراءه أهل المدينة، وهؤلاء الفجرة يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب، وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام، وكانوا زمراً بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع.
فأتاهم الناس والأعيان وكلموهم، وفي مقدمتهم علي وطلحة والزبير، وكلهم يؤنبهم ويزجرهم على عودتهم الآثمة ويبين افتراءهم في تذرعهم بالكتاب المزور، وكشف علي مؤامرتهم فقال لهم: هذا والله أمر أبرم بالمدينة فلم ينجع فيهم شيء، وهم مصرون على هدفهم الإجرامي: لا حاجة لنا في هذا الرجل أمير المؤمنين، ليعتزلنا!.
ولم يتوقف الخليفة الراشد البار عن محاججتهم وصرفهم عن ضلالهم وخروجهم الظالم عليه، وناقش بعض زعاماتهم بصورة فردية.
عن محمد بن سيرين قال: (أشرف عليهم عثمان من القصر، فقال: ائتوني برجل أُتاليه كتاب الله، فأتوه بصعصعة بن صوحان، وكان شاباً فقال: أما وجدتم أحداً تأتوني به غير هذا الشاب قال: فتكلم بكلام، فقال له عثمان: اتل، فقال صعصعة: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علي نصرهم لقدير) (الحج 39).فقال: كذبت! ليست لك ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي، ثم تلا عثمان: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علي نصرهم لقدير) حتى بلغ (ولله عاقبة الأمور) (الحج 39-41).
وعن الحسن البصري قال: أنبأني وثاب وكان بين يدي عثمان قال: (بعثني عثمان فدعوت له الأشتر النخعي، فجاء فقال: يا أشتر، ما يريد الناس مني؟ قال: ثلاث ليس لك من إحداهن بد، قال: ما هن؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم، فتقول: هذا أمركم فاختاروا له من شئتم، وبين أن تقص من نفسك، فإن أبيت هاتين فإن القوم قاتلوك. قال: أما من إحداهن بد؟ قال: لا، ما من إحداهن بد قال: أما أن أخلع لهم أمرهم، فما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله؛ والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أخلع قميصاً قمصنيه الله، وأترك أمة محمد يغدر بعضها على بعض، وأما أن أقص من نفسي، فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يدي قد كانا يعاقبان، وما يقوم بدني بالقصاص، وأما أن تقتلوني، فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبداً، ولا تصلون بعدي جميعاً أبداً، ولا تقاتلون بعدي عدوا جميعاً أبداً.ثم قام الأشتر فانطلق، فمكثنا أياماً).

محاورات بين الخليفة وبين الخوارج

مضى ذو النورين على هديه الرشيد في الرأفة والرحمة والتعطف بهؤلاء المارقين، وهو يرى فيهم أغماراً أغراراً مغفلين منقادين من قبل ذؤبان لا يرجون لله وقاراً، ولا يقيمون لحرمة وزنا، ولا لعهد قيمة، ولا لإمام طاعة، ولا لدم حرمة.
قام عثمان فأعلن محاججته لأولئك المنحرفين المفترين على الأشهاد، وفي ملأ منهم قادة وأتباعاً، وفي مشهد مجلس شورى الخلافة وأعيان الصحابة والمهاجرين والأنصار وعامة الناس:
عن الأحنف بن قيس قال: (خرجنا حجاجاً، فقدمنا المدينة، ونحن نريد الحج، فبينما نحن في منازلنا نضع رحالنا، إذ أتانا آت فقال: إن الناس قد اجتمعوا فى المسجد وفزعوا فانطلقنا، وإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد، وإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، فإنا لكذلك، إذ جاء عثمان بن عفان عليه ملاءة صفراء قد قنع بها رأسه، فقال: أهاهنا علي؟ أهاهنا طلحة؟ أهاهنا الزبير؟ أهاهنا سعد؟ قالوا: نعم. قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إلله إلا هو؛ أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع مربد بني فلان، غفر الله له» فابتعته بعشرين ألفاً -أو: بخسمة وعشرين ألفاً- فأتيت رسول الله فأخبرته، فقال: اجعله في مسجدنا، وأجره لك»؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إلله إلا هو؛ أتعلمون أن رسول الله قال: «من يبتاع بئر رومة، غفر الله له»، فاتعته بكذا وكذا، فأتيت رسول الله فقلت: قد ابتعثها بكذا وكذا، قال: «اجعلها سقاية للمسلمين، واجرها لك»؟ قالوا: اللهم نعم قال: فأنشدكم بالله الذي لا إلله إلا هو؛ أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة، فقال: من يجهز هؤلاء، غفر الله له»، فجهزتهم حتى ما يفقدون حطاماً ولاعقالاً؟ قالوا: اللهم نعم قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف)
وعن ثمامة بن حزن القشيري قال: (شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي، قال: فجيء بهما، كأنهما جملان -أو: كأنهما حماران- قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والاسلام؛ هل تعلمون أن رسول الله قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة»، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ فقالوا: اللهم نعم فقال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد، بخير له منها في الجنة»، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم بالله وبالإسلام؛ هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله، وقال: اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»؟ قالوا: اللهم نعم. قال: الله أكبر! شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد، ثلاثاً).
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وكان مع عثمان في الدار وهو محصور: (أن عثمان بن عفان أشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم بالله؛ أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو ارتداد بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به؟ فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلوني؟!).

الخوارج يطلبون من عثمان خلع نفسه

لم يفلح ذلك في كسر الخارجين عن مخططهم، بل شددوا الحصار على الخليفة الراشد المظلوم، وضيقوا عليه في دخوله وخروجه، وهم ماضون في تحقيق هدفهم الذي قالوه لعلي بن أبي طالب: (لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا)، ولم يجدوا من أمير المؤمنين إلا الرفض القاطع والصبر الراسخ، وقد ارتفع في قامته أمام الأحداث العاصفة، وبقي كالجبال الراسية ثابتاً ثبوت الإيمان في قلوب خلصاء الصديقين!. وبعد ذلك صعدوا الأمر وجهروا به أمام الخليفة والعامة، لا يردعهم خلق ولا يرعوون عن فتنة ولا يأبهون بالخروج على أمر الخليفة والأمة!.
عن أم يوسف بن ماهك، عن أمها قالت: (دخلت على عثمان وهو محصور وفي حجره المصحف، وهم يقولون: اعتزلنا ، وهو يقول: لا أخلع سربالاً سربلنيه الله).
ولم يك عثمان جاهلاً بغايتهم من خروجهم، كما لم يفاجئه طلبهم الصريح هذا، فلقد كان يعلم ذلك منذ أكثر من خمس وعشرين سنة؛ حيث أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأولئك المجرمين الذين يخرجون عليه ووصفهم بالمنافقين.
عن النعمان بن بشير، عن أم المؤمنين عائشة، قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان، إن الله عسى أن يلبسك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني. يا عثمان ، إن الله عسى أن يلبسك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني» ثلاثاً). وقد وفى عثمان بذاك العهد النبوي، واعتصم به، وصبر على شدائد نتائجه، وأعلن ذلك صراحة وواجه به أولئك الفتانين غير مرة؛ فقال: (ما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله).
وأيد الصحابة الكرام عثمان، وتابعوه عليه، وشدوا على يديه، وواسوه في ذلك وناصحوه وبشروه بوعد الله وكرامته. يروى نافع مولى ابن عمر فيقول: حدثني عبد الله بن عمر قال: (قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي، فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني، قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلداً في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا، فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام؛ كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قمصكه الله!).
لقد رأى عثمان رضي الله عنه أنه لو أجاب الخارجين إلى خلع نفسه من الخلافة؛ لأصبحت عروش الإسلام ألعوبة في أيدي المفتونين الساعين في الأرض بالفساد، ولسادت الفوضى واختل نظام البلاد والعباد، ولكان ذلك تسليطاً للرعاع والغوغاء على الولاة والحكام.
ورأى عثمان أنه لو أجابهم لألقى بأس الأمة بينها وشغلها بنفسها عن أعدائها، وذلك أيسر طريق لإفنائها.ولا يرتاب عاقل منصف أن هؤلاء الساعين في حصره ثم قتله؛ كلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون ممن يسعون في الأرض فسادا، ولم يعتب على عثمان ولا خرج عليه أحد من أكابر الصحابة أو السابقين إلى الإسلام، ولا افتات عليه المهاجرون والأنصار، ولا أشعل في وجهه الفتنة واحد من الصحابة عامة ولا التابعين لهم بإحسان، مع أن بعض كبارهم قد خالفوه في بعض الاجتهادات وبعض سياساته في مسيرة الدولة، فعن عمران بن عبد الله الخزاعي عن سعيد بن المسيب قال: (شهدت عليا وعثمان وكان بينهما نزغ من الشيطان، فما ترك واحد منهما لصاحبه شيئاً إلا قال له، فلو شئت أن أقصن عليك ما قالا فعلت، ثم لم يبرحا حتى اصطلحا واستغفر كل واحد منهما لصاحبه)!.
وفي رواية أبي سعيد الخدري: (فما صليت الظهر حتى دخلا، أحدهما أخد بيد صاحبه، كأنهما أخوان لأم وأب -يعني عثمان وعليا-!)، لكنهم رضي الله عنهم ما خرجوا عليه، ولا ألبوا الناس ضده، ولا ناصبوه العداء، ولا ناصروا أولئك المنافقين، فضلاً عن أن يجيشوا الدهماء ليحاصروه ويخلعوه، بل إن الصحابة جميعاً ناصروه ونافحوا عنه، وسبوا أولئك الخارجين ولعنوهم!.

تشديد الحصار ومواقف الصحابة

ذكر الطبري في رواية (لما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين والعراقيين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء الغزاء، الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيئ إلا بالحسن. فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده، وقال فأفظع وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشياً عليه، فاحتمل فأدخل داره!). ودخل عليه علي وطلحة والزبير وغيرهم يعودونه من صرعته، ويشكون بثهم!).
وعن الحسن البصري قال: شهدت حصر عثمان وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد، فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله، فاجتمع إليه أناس من أهل المدينة يعظمون ما صنعوا، وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم فبينما هم كذلك في لغطهم حول
الباب، فطلع عثمان، فكأنما كانت نار طفئت، فعمد إلى المنبر فصعده، فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل فأقعده رجل، وقام آخر
فأقعده أخر، ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع، فاحتمل فأدخل، فصلى بهم عشرين يوماً، ثم منعوه من الصلاة.
واجترأ بعض أولئك الأشقياء المجرمين على أمير المؤمنين؛ فبينما طائفة منهم جالسون في نار لهم، فمر عثمان بهم فسلم، فرد القوم السلام، فقام جبلة بن عمرو الساعدي وكان في يده (جامعة) وأقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه -يعني معاوية ومروان وابن عامر وأمثالهم من الذين ولوا لعثمان- فانصرف عثمان، فما زال الناس مجترئين عليه من يومئذ.
ويروي يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: (أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب عليها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال له جهجاه: قم يا نعثل، فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظية منها فيها، فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود! فنزل عثمان، وحملوه، وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل).
وزاد أولئك السبئيون الظلمة من وطأة حصارهم، وأخذوا يضيقون على حركة أكابر الصحابة حتى لا ينصروا عثمان، ورموا داره بالحجارة تمهيداً لاقتحامها وتنفيذ جريمتهم الكبرى.
وقد ثابت جماعة من الصحابة إلى أمير المؤمنين عثمان، منهم: أبو هريرة وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وجماعة من أهل الأمصار. فلما رأى القوم أن الناس قد ثابوا إلى عثمان، وضعوا على علي رقيباً في نفر فلازمه، وعلى طلحة رقيباً، وعلى الزبير رقيبا، وعلى نفر بالمدينة، وقالوا لهم: إن تحركوا فاقتلوا.
وشددوا الحصار على أمير المؤمنين وأهل بيته، فحالوا بين الناس وبينه، ومنعوه كل شئ حتى الماء، وقد كان يدخل عليه بالشيئ مما يريد، وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة، فعثروا فرموا في داره بالحجارة ليرموا، فيقولوا: قوتلنا -وذلك ليلاً- فناداهم: ألا تتقون الله! أما تعلمون أن في الدار غيري؟! قالوا: لا والله ما رميناك، قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله، قال: كذبتم، إن الله لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا!.

في هذه الظروف القاسية، والوطأة تشتد على أمير المؤمنين،الخليفة المحصور، والصحابة يحمونه ويدافعون عنه، ويدخلون عليه الواحد بعد الآخر، قدموا له عدة حلول ومخارج لتلك الأزمة الخانقة والمؤامرة اليهودية السبئية، وعثمان يصر على موقفه في المسالمة ورفض القتال وعدم إراقة قطرة دم، والثبات في الموقف والبقاء في المكان حتى آخر نفس له؛ ليكون موته في بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دخل عليه المغيرة بن شعبة وقال له: (إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالاً ثلاثاً اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عدداً وقوة، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن نخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام، فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل؛ فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها؛ فإني سمعت رسول الله يقول: يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم»، فلن أكون أنا إياه، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية؛ فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وعرض عليه نحو ذلك عبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد، وهو في كل ذلك يأبى القتال، ويرفض الخروج من المدينة النبوية، ويستعصم بالصبر لأمر الله تعالى.
وقد كان معاوية عرض عليه نحو ذلك من قبل، فأبى عثمان، فقال له معاوية: والله يا أمير المؤمنين لتغزين أو لتغتالن! فقال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل. وصدق معاوية في ذلك وفي تفرسه في وجوه أولئك الخوارج المفترين، ونظره في سيرتهم وتاريخهم عندما جاء نفر منهم إلى الشام وهم المسيرون.
ومن خلال استعراض تلك الأحداث والمشاهد الكثيرة المتطاولة التي اشتعلت فيها الفتنة على مدى نحو ثلاث سنين، وفي رقعة شملت مصر والكوفة والبصرة وتشظت إلى أمصار أخرى نجد أمير المؤمنين قد سلك جميع السبل، واتبع مختلف الأساليب، وبذل كل ما يـمكن أن يبذله الخليفة والوالي والمصلح والمرشد والـمعلم والأب والأخ؛ الذي يريد عزة الإسلام وحماية الدولة وصلاح المجتمع وإطفاء الفتن.
ومن الجهة المقابلة رأى أن القوم الخارجين قد أصروا على التمادي في الفتنة، والكفران والعصيان والبغي والعدوان وارتكاب الجرائم مهما كانت نتائجها، فألقى بيديه إلى القدر، واستسلم لأمر الله ولزم داره، عازماً على أن يفدي الأمة بنفسه، وقد علم أنه سيقضي شهيداً مع بلاء شديد، وهو يرى أن وقت ذلك قد حان.
روي أبو سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري، أن عثمان أشرف على القوم المحاصرين له، وذكر في مشهد من الصحابة بعض مناقبه وأعماله، ثم قال أبو سعيد: (ورأيته أشرف عليهم مرة أخرى، فوعظهم وذكرهم، فلم تأخذ منهم الموعظة، وكان الناس تأخذ منهم الموعظة في أول ما يسمعونها، فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ منهم! فقال لامرأته: افتحي الباب، ووضع المصحف بين يديه).
ولزم عثمان داره، وأمر بجمع المسلمين وضم إليهم أولئك الخوارج، وأرسل وراء علي وطلحة والزبير وعدة من أعيان الصحابة، فاجتمعوا، فأشرف عليهم فقال: (يا أيها الناس، اجلسوا، فجلسوا جميعا؛ المحارب الطارئ والمسالم المقيم، فقال: يا أهل المدينة، إني أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، وإني والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه. ولأدعن هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئا يتخذونه عليكم دخلاً في دين الله أو دنيا، حتى يكون الله عز وجل الصانع في ذلك ما أحب).
وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن بن علي ومحمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وأشباهاً لهم؛ فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وناب إليهم ناس كثير، ولزم عثمان الدار.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب