مقدمة
لعثمان رضي الله عنه من السوابق والفضائل والشمائل الحميدة
والأعمال المجيدة والجهاد والعلم والنبل والسماحة والعدل والإنصاف والرأفة
والرحمة ما لا ينافسه فيه كثير من أكابر الصحابة، دع عنك الرعاع المغموصين
ممن روجوا الأكاذيب واخترعوا الأباطيل وانتهوا بالخروج عليه؛ فهؤلاء لا
فضائل لهم ولا سوابق ولا أعمال حسنة ولا شرف محتد ولا نبل مقصد، فكيف
يكونون قوامين على عثمان وأعماله وعهده المبارك.
ولقد نبه عثمان إلى
هذه الحقيقة الكبرى بكلمة موجزة رواها عنه عباد بن زاهر قال: سمعت عثمان
يخطب فقال: (إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر
والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل
والكثير، وإن ناساً يعلموني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قط).
ويكشف
الصحابي حذيفة رضي الله عنه عن نوازع الشر والهوى التي طويت عليها قلوب
المفترين على عثمان، فيقول:(اللهم العن قتلة عثمان وغزاة عثمان وشنأة
عثمان، اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، متى ما كان من قبله يعاتبنا
ونعاتبه، فاتخذوا ذلك سلما إلى الفتنة اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف).
ولقد
شهد الصادقون بأنه في عهد عثمان كان الإسلام عزيزاً منيعاً، والفتوحات في
أوجها، والناس قد غمرتهم مشاعر المحبة والإخاء والتواد، وهم في بلهنية من
العيش والأمان، والخير كثير، والأرزاق دارة، وكلمة الحق عالية، وذات البين
حسن، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمناً، من لقيه فهو أخوه من كان، ألفته
ونصيحته وموده.
والذين قلبوا الأمور رأساً على عقب، وأحالوا أمن الأمة
وتوادها وصلاحها ورفعة كلمتها إلى الخوف والفوضى والتباغض وفساد ذات البين
وتوقف مسيرة الفتح والنصر هم أولئك المجرمون المنحرفون الذين خرجوا على
الخليفة، وجعلوا نهار المسلمين ظلاماً دامساً.
ونشير هنا إلى نوازع
أولئك السبئيين الذين افتروا تلك الفرى أو حرفوا بعض الوقائع واتهموا بها
الخليفة ثم بيان تهافت تلك التهم وتجلية وجه الحق فيها وإلا فإن عثمان في
سيرته وأخلاقه وأعماله منذ دخل الإسلام وإلى يوم استشهاده؛ هو كالمزن الذي
يحمل الغيث إلى الأرض، طهارة ونقاء ورحمة ونفعاً عاماً.
والذين عتبوا
على أمير المؤمنين عثمان أنه عزل بعض الصحابة وولى السابقة والفضل، أو
انتقدوه فى إقامة الحدود فللإمام الحق في العزل والتولية، وكذلك إقامة
الحدود والتعزير والتأديب، بل هو من الواجب عليه لحفظ شعائر الإسلام وحماية
الدولة واستئصال شأفة الشر والفساد والفتنة، وقد فعل ذلك من قبله أبو بكر
وعمر، ومن بعده علي وغيره ودرة عمر مشهورة في التاريخ، وقد نالت من بعض
كبار الصحابة، فما عتب عليه أحد.
كان أعداء عثمان وشانئوه من هذا الصنف
كثيرين، وقدماء أيضا يمثلون الجرثومة الممرضة لأولثك الذين خرجوا عليه،
ومبغضوه والحانقون عليه عابوه بأشياء فعلها في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم، إحداها قد غفرت له من الله تعالى بنص كتابه، وباقيها مكارم وفضائل
أحالها المفترون المتنطعون مثالب ومعايب.
ويمثل هذا الصنف الأرعن ذاك
الرجل القادم من مصر، وقد سأل عبد الله بن عمر عن عثمان، وهو يريد أن يدينه
ببعض المعايب وهي: أنه فر يوم أحد، ولم يشهد غزوة بدر، ولا حضر بيعة
الرضوان فبين له ابن عمر وجه الحق في ذلك وأبطل حجته وأوضح له سوء فهمه.
وهذا
رجل آخر يسأل عبد الله بن عمر متعنتا: (فما قولك في علي وعثمان؟ قال ابن
عمر: ما قولي في علي وعثمان؟! أما عثمان فكان الله قد عفا عنها، فكرهتم أن
يعفو عنه وأما على فابن عم رسول اله صلى الله عليه وسلم وختنه وأشار بيده
وهذه ابنته أو بنته حيث ترون).
وينضوي تحت هذا الصنف نموذج آخر يفتري على
أمير المؤمنين عثمان فرية عجيبة؛ فيروي عباد بن عباد الأزدي يقول: (سمعت
يونس بن خباب يقول: عثمان بن عفان قتل ابتتي النبي صلى الله عليه وسلم!
قلت: قتل واحدة فلم زوجه الأخرى؟! فقال: اخرج عني فإنك عثماني خبيث).
إنهم
عتبوا عليه أشياء قد فعل مثلها الفاروق عمر، وأبوا عليه أن يسوسهم كما كان
عمر يسوس الناس، وهذا من أعجب العجب أن تعد الحادثة في مفاخر رجل، ونعد
أختها في مساوئ رجل؛ وذلك لأن رعية عمر كان فيها عثمان ونظراؤه، ورعية
عثمان كان فيها السبئيون والروافض وأشباههم.
وقد روى سالم عن أبيه عبد الله بن عمر قال: (لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوها عليه).
يروي
جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: (إن أناساً أنكروا على عثمان، جاؤوا
بما هو أنكر منه انكروا عليه أمراً هم فيه كذبة). فهؤلاء الذين وصفناهم
فيما تقدم قد افتروا على عثمان وعلى الصحابة والولاة وقادة الفتوح، ونقموا
على عثمان سياسته، وتذرعوا بأشياء اختلقوها أو ضخموها أو حرفوها عن
حقيقتها، وزرعوها في قلوب الناس؛ ليبزروا خروجهم الآثم وهدفهم في خلع عثمان
وقتله، وزحفوا على المدينة وواجهوا عثمان بها، فردها عليهم واحدة بعد
الأخرى، وأبطل حججهم، وفل رأيهم، وكشف خطأهم وضلالهم.
خروج السبئيين إلى بلادهم
نعود
إلى الحلقة التالية من الأحداث بعد ذاك اللقاء الحاسم بين أمير المؤمنين
عثمان وبين جمهور السبئيين المنحرفين، وقد ظهر عليهم عثمان بحجته، ودفع
باطلهم بحقه، وأثبت لهم سلامة سياسته والتزامه بهدي النبي صلى الله عليه
وسلم وصاحبيه ورأى عامتهم صدق مسعاه وصحة منهجه، وذلك في مجتمع من
المهاجرين والأنصار وتحت سمع الخارجين وبصرهم، آنذاك أسقط في أيدي رؤوس
الفتنة ومدبري المؤامرة وناسجي خيوط الشر والافتئات على الخليفة وأركان
الدولة، وانقلبوا وهم مطويون على ضغن يأكل أكبادهم ويحرق أفئدتهم، وعلموا
أن الدائرة ستدور عليهم إن لم يتداركوا أمرهم.
فرجعوا إلى مضاربهم،
وأظهروا لأهل المدينة أنهم راجعون إلى بلدانهم، وقد أقلعوا عن مبتغاهم؛
فقوضوا خيامهم، وخرجوا من المدينة ليوهموا أهلها بأن الأمر قد انتهى،
فيطمئن أهل المدينة ويضعوا أسلحتهم وحذرهم وحقيقة الأمر أنهم عازمون على
مباغتة المدينة بعد أن درسوا الخطة وأحكموا تنفيذها، وأيقنوا أنه لا مفر من
خلع الخليفة، فإن أبى قتلوه، ولن يكون هذا إلا بمفاجأة الناس، ولابد لذلك
من ذريعة يواجهون بها أتباعهم، وكذلك أهل المدينة إذا رأوهم قد رجعوا
إليها.
وكانت الذريعة هي كتاب مزور على لسان عثمان وعليه خاتمه، بأمر
بقتل هؤلاء المنحرفين، فأمسكوا بالكتاب وحامله، وكانوا راجعين إلى المدينة،
وضربوا حصاراً على أمير المؤمنين عثمان حتى قتلوه.
الكتاب المزور على لسان عثمان رضي الله عنه
تقول
الرواية الصحيحة التي رواها ابن حبان وغيره: (ثم رجع الوفد المصريون
راضين، فبينما هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ثم يرجع
إليهم، ثم يفارقهم ويسبهم قالوا: ما لك إن لك لأمراً، ما شأنك؟ قال: أنا
رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، قال: ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان
عثمان عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم
وأرجلهم فاقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً، فقالوا: ألم تر إلى عدو
الله، كتب فينا بكذا وكذا وإن الله قد أحل دمه قم معنا إليه، قال: والله لا
أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابا قط
فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون؟،
فانطلق علي فحرج من المدينة إلى قرية، وانطلقوا حتى دخلوا على عثمان،
فقالوا: كتبت بكذا وكذا؟ فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا علي رجلين من
المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إلله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت،
وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل وقد ينقش الخاتم على الخاتم
فقالوا: قد والله أحل الله دمك ونقضوا العهد والميثاق، فحاصروه).
وفي
رواية أخرى: (فأتاهم الناس فكلموهم، وفيهم علي فقال: ما ردكم بعد ذهابكم
ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال
البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون
والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا، كأنما كانوا على ميعاد! فقال
لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد
سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة! قالوا: فضعوه على
ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا!).
وتشير رواية أخرى للطبري أن المصريين عندما غادروا المدينة تخلف فيها منهم رجلان هما: الأشتر النخعي وحكيم بن جبلة.
وقصة
هذا الكتاب المزعوم تحمل شواهد وضعها وبطلانها في كل كلمة من كلماتها، قد
حاكها تدبير شيطاني خبيث وكيد أثيم وتآمر من حزب السبئيين، وعلى رأسهم
الأشتر النخعي وحكيم بن جبلة، أشياع رأس الشر وجرثومة الفساد ابن سبأ
اليهودي؛ لتقويض الخلافة الإسلامية وإشعال نار الفتنة وهو كتاب مكذوب على
عثمان، وخاتمه مزور على خاتمه، وهو ومروان وحاشيته منه براء، وذلك لعدة
أمور وحقائق واضحة:
1- أن حامل الكتاب المزور قد تعرض لهؤلاء المصريين
ثم فارقهم، وكرر ذلك مرارا، وهو لم يفعل ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه، ويثير
شكوكهم فيه، وكأنه يقول لهم: معي شئ هام بشأنكم! وإلا فلو كان من عثمان
لخافهم حامل الكتاب المزعوم، ولأبعد عنهم، وأسرع إلى والي مصر ليضع بين
يديه الأمر، فينفذه.
2- كيف علم العراقيون بالأمر، وقد اتجهوا إلى
بلادهم، وفصلتهم عن المصربين الذين أمسكوا بالكتاب المزعوم مسافة شاسعة؛
فالعراقيون في الشرق والمصريون في الغرب، ومع ذلك عادوا جميعاً إلى المدينة
في آن واحد، كأنما كانوا على ميعاد؟! لا يعقل هذا إلا إذا كان الذين زوروا
الكتاب، واستأجروا راكباً ليحمله ويمثل هذا الدور في أمام المصريين؛ قد
استأجروا راكباً آخر انطلق إلى العراقيين ليخبرهم بأن المصريين قد اكتشفوا
كتاباً بعث به عثمان لقتل المنحرفين المصريين وهذا ما احتج به علي بن أبي
طالب فقال: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد
سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟!.
3- كيف يكتب أمير المؤمنين عثمان إلى ابن
أبي سرح بقتل هؤلاء، وابن أبي سرح كان عقب خروج جيش المنحرفين من مصر
متجهين إلى المدينة كتب إلى الخليفة يستأذنه بالقدوم عليه، وقد تغلب على
مصر محمد بن أبي حذيفة، وفعلاً قد خرج ابن أبي سرح من مصر إلى العريش
وفلسطين فالعقبة؛ فكيف يكتب إليه عثمان بقتلهم، وعنده كتابه الذي يستأذن به
منه بالقدوم عليه؟!.
4- أن عثمان رضي الله عنه قد نهى عن قتل محمد بن
أبي بكر وجيوش السبئيين عندما حاصروه، وأبى على الصحابة أن يدافعوا عنه،
ولم يأمر بقتل الخارجين عليه دفعا عن نفسه؛ فكيف يكتب فيهم مثل هذا الكتاب
المزعوم، وقد خرجوا عنه من المدينة مظهرين التوبة والإنابة؟!.
5- تخلف
الأشتر النخعي وحكيم بن جبلة في المدينة بعد خروج المنحرفين منها، يشير
إشارة واضحة إلى أنهما هما اللذان افتعلا الكتاب، إذ لم يكن لهما أي عمل
بالمدينة ليتخلفا فيها، وما مكثا إلا لمثل هذا الغرض، فهما صاحبا المصلحة
في ذلك، وقد أشار علي رضي الله عنه إلى هذا عندما أنكر على العراقيين
رجوعهم مع المصريين في آن واحد؛ فقال: (هذا والله أمر أبرم بالمدينة!). ولم
يكن لأمير المؤمنين عثمان في ذلك أية مصلحة، وكذلك ليس لمروان بن الحكم
أية مصلحة والذين يتهمون مروان في هذا إنما ينسبون إلى الخليفة الغفلة عن
مهامه، وأن في ديوان الخلافة من يجري الأمور ويقضي بها دون علمه، وبذلك
يبرئون ساحة أولئك المجرمين الغادرين، ثم لو أن مروان زور الكتاب لكان أوصى
حامله بأن يبتعد عن أولئك المنحرفين، ولا يتعرض لهم في الطريق حتى يأخذوه،
وإلا لكان متأمراً معهم على عثمان، وهذا محال.
6- أن هذا الكتاب
المشؤوم ليس أول كتاب يزوره هؤلاء المجرمون، بل زؤروا كتباً على ألسنة
أمهات المؤمنين وعلي وطلحة والزبير، ولهذا لما قال المنحرفون لعلي: (فلم
كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً قط فنظر بعضهم إلى بعض)
وهؤلاء الذين نظر بعضهم إلى بعض هم المخدوعون من المنحرفين، والذين زوروا
هم الرؤساء، أكابر مجرمي الفتنة الطائشة، ولما عاتب مسروق أم المؤمنين
عائشة بأنها كتبث إلى الناس بالخروج على عثمان؛ أقسمت بالله أنها ما كتبث
سواداً في بياض.
7- وقد جرى على ألسنة السبئيين المجرمين ما استكن في
ضمائرهم اعترافا بجريمة التزوير وافتراء الكذب على خليفة المسلمين أو ابن
عمه مروان بن الحكم؛ حيث قالوا: (فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا
الرجل، ليعتزلنا!)، وهذا كلام واضح وصريح في أن هؤلاء السبئيين المجرمين
أعداء الإسلام إنما أرادوا شيئا واحداً هو تقويض الخلافة الإسلامية وتفريق
شمل الأمة وحل نظامها الاجتماعي.
إن الأيدي الآثمة المجرمة التي زورت
الكتب على ألسنة أولئك الصحابة، هي نفسها التي أوقدت نار الفتن من أولها
إلى آخرها، ورتبت ذلك الفساد العريض، وهي التي زورت وروجت على عثمان تلك
الأباطيل، وأنه فعل وفعل ولقنتها للناس حتى قبلها الرعاع ثم زورت على لسان
عثمان ذلك الكتاب؛ ليذهب ضحيته إلى ربه شهيداً سعيداً.
وبافتراء هذا
الكتاب المزور المشؤوم على لسان أمير المؤمنين عثمان، وتزوير خاتمه، تمكن
مدبرو الفتنة ورؤوس الشر ومساعير الحقد والكيد للإسلام وأهله؛ أن يلعبوا
بعقول أتباعهم ويقودوهم كالبعير المخشوش إلى الهدف المرسوم، وهو ضرب الحصار
على عثمان والتضييق عليه وخلعه ثم قتله.

إرسال تعليق