الفتوحات في المشرق في عهد عثمان رضي الله عنه
1- في أَذْرَبيجان والرّي
في عهد الفاروق عمر
فتحت بلاد فارس ووصل الفاتحون إلى أقصاها، وتوغلوا فى أراضى خراسان، وبعد
استشهاده انتقضت بعض الأمصار القصيّة، فاستلم الراية عثمان وقامت جيوشه
بتأديب المنتقضين وضبط حدود الدولة الإسلامية، ثم تابعوا الفتوحات.
فتحت
أذربيجان في خلافة عمر وانتقضت الري وكذلك انتقضت أَذرَييجان أكثر من مرة
ثم استقر فتحها واستسلم مورّثو الفتنة لقوة الإسلام، وهذا ما يفسر ما ذكره
المؤرخون من فتحهما أكثر من مرة على يدي غير واحد من قادة الفتح، وتم فتح هذين المصرين الكبيرين واستقر أمرهما في صدر خلافة عثمان.
ويذكر الطبري وغيره أن مغازي أهل الكوفة كانت الريّ وَأَذْرَييجان. وكان
بهذين الثغرين 10000مقاتل من أهل الكوفة، 6000 بأَذرَبيجان، و 4000
بالري، وكان بالكوفة إذ ذاك 40000 مقاتل، يغزو ذَيْنَك الثغرين منهم
عَشرةٌ آلاف في كل سنة، فيُصيب الرجل منهم كل أربع سنين غزوة واحدة.
فغزا
الوليد بن عقبة في ولايته على الكوفة أذْربيجان وأرمينية، فبعث سَلمان بن
رببعة الباهلي أمامه مقدمة له، وخرج الوليد في جماعة الناس وهو يريد أن
يمعن في أرض أرمينية، فمضي في الناس حتي دخل أذربيجان، فبعث عبد لله بن
شُبيل الأحمسي في أربعة آلاف، فأغار على أهل مُوْقان والبَئْر والطّيْلسان،
فأصاب من أموالهم وغَنِم، وأقبل إلى الوليد.
ثم إن الوليد بن عقبة
صالح أهل أذربيجان على 8000 ألف درهم، وهو ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن
اليمان فى عهد عمر، وخضعوا للوليد، وبثّ فيمن حولهم من أعداء المسلمين
حملاته العسكرية، ولما رجع إليه عبد الله بن شبيل ظافراً، بعث سلمان بن
ربيعة الباهلي إلى أرمينية في اثني عشر ألفاً، فأؤغَل في أرض أرمينية
وبَسَّط عليها سلطان الإسلام، ورجع إلى الوليد وقد ملأ يديه، فانصرف
الوليد، وولّى الأشعتٌ بن قيس على أذْرَبيجان.
ولم يلبث الموتورون من
الفرس أن حرّكوا أهل أذربيجان فانتقضوا، فكتب الأشعث إلى الوليد يستمدّه
فأمدّه بجيش عظيم من أهل الكوفة فتتبع الأشعث أوكار الفتنة والانتقاض
فهزمهم، فطلب أهلها الصلح، فأعطاهم ذلك على مثل صلح حذيفة بن اليمان وعتّبة
بن فرْقد.
وخشي الأشعث أن يعيدوا الكرّة فينتقضوا، فوضع حامية من العرب
وفرض لهم أعطيات وَسَجََلهِم في الديوان، وأمرهم بدعوة الناس إلى الإسلام،
ولما ولي الكوفة سعيد بن العاص عاد أهل أذربيجان فتمردوا على واليهم، فبعث
سعيد إليهم جرير بن عبد الله البجلىَ، فقتل رئيسّهم وهزمهم، ثم استقرت
الأمور بعد أن دخل أكثر شعبها في الإسلام، وتعلموا القرآن الكريم.
وأما
الرّيّ فإن أمير المؤمنين عثمان كتب إلى أبي موسى الأشعري عندما ولي
الكوفة يأمره بإرسال جيش ليكبح تمرُدّها، فبعث إليها قَرَظة بن كعب
الأنصاري فأعاد فتحها.
2- فتح طبرستان وجُرْجَان
كان أمير
المؤمنين عثمان يرغبٍ الولاة والقادة بالجهاد وفتح البلاد، فكتب إلى والي
الكوفة سعيد بن العاص ووالي البصرة عبد الله بن عامر: أيكما سبق إلى خراسان
فهو الأمير عليها! فاستبّق الواليان؛ ففتح ابن عامر خراسان، وفتح سعيدٌ
طَبَرِسْتان.
وشّمّر سعيد بن العاص للجهاد وخرج غازياً بنفسه على رأس
جيش عظيم قاصداً خراسان، وكان معه في جيشه حذيفة بن اليمان، والحسن والحسين
ابنا علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمرو،
وعبد الله بن الزبير، في ناس من الصحابة، وكان عبد الله بن عامر والي
البصرة قد انبعث منها يريد ما أراد سعيد من خراسان فسَّبّق سعيداً إليها،
ونزل سعيد قومس وهي على صلح حذيفة في عهد عمر ثم أتى جُرْجان فصالحها ومضى
منها إلى طميسة وهي مدينة على ساحل بحر قزوين من بلاد طَبَرِسْتانَ في تخوم
جُرْجان، فقاتله أهلها قتالاً شديداً حتى صلّى بالمسلمين صلاة الخوف وقال
لحذيفة: كيف صلى رسول الله؟ فأخبره حذيفة.
فصلاّها وهم يقتتلون! ويومئذ
ضَرب سعيدٌ رجلا من المشركين على حَبْل عاتقه فخرج السيف من تحت مِرْفقه،
وحاصروهم حتى سألوا سعيداً الأمان، فأعطاهم ذلك وفتحوا الحصن وعاد سعيد
إلى الكوفة. ودخلت عامة بلاد فارس في سلطان الإسلام، وتحقق قول النبى صلى الله عليه وسلم (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده).
3- فتوح خرَاسان وسجستان
كانت
البصرة تحت إمرة أبي موسى الأشعري حيناً من خلافة عمر وحيناً من خلافة
عثمان فلما اختلف عليه أهلها وهو خارج بهم لقتال أهل (إِيْدْج) والأكراد
عزله عنها عثمان وولي مكانه ابن خاله عبد الله بن عامر بن كُرَيْز وهو
يومئذ في فتوة الشباب؛ لم تزِد سنّه على خمس وعشرين سنة، وفيه قال أبو موسى
لأهل البصرة: يأتيكم غلام خَرَاجٍ ولأج، كريمٌ الجدَّات والخالات
والعمات، يجمع له الجندان.
وقد جمع له عثمان جند أبو موسى الأشعري، وجندَ عثمان بن أبي العاص الثقفي من عَمَان والبحرين،
وكانت
فارس قد جاشثٌ وانتقضث بأميرها عبيد الله بن مَعْمر، فاجتمعوا له
يإصْطّخْر، والتقوا معه على بابها، فهُزم ابنُ معمر، وقتل، وبلغ خبرُه عبد
الله بن عامر، فاستنفر الناس فنفروا معه، وعلى مقدمته عثمان بن أبي العاص
الثقفي، فالتقى الجمعان بِإصْطْخْر، فقتل ابن عامر منهم مقتلة عظيمة، وفتح
إصطخر عَنْوة، ثم فارقهم إلى مَنْ حولهم، فعادوا إلى الانتقاض والثورة،
فعاد إليهم وأوقع بهم وقعة تكافئ غدرّهم، ووطئهم وطأة لم يزالوا منها في
ذل، وكتب بذلك إلى عثمان.
وكانت خراسان قد انتتقضت بعد استشهاد عمر،
فلما فرغ عبد الله بن عامر من إِصْطّخْر وماجاورها سار إلى خراسان وعلى
مقدمته الأحنف بن قيس، فأتى (الطْبَّسَيْن) وهما حصنان وبابا خراسان،
فصالحه أهلهما، فسار إلى (قهُسْتان)، فلقيه أهلها وقاتلهم حتى ألجأهم إلى
حصنهم، فقدِم عليها عبد الله بن عامر وصالح أهلها.
ووجّه ابن عامر
الأحنف إلى (طخارسْتان)، فأتى الموضع الذي يقال له قصر الأحنف وهو حصن
مَرْو الوُوذ، وله رُسْتاق عظيم والرستاق مجموعة القرى فحصر الأحنف أهله،
فصالحوه على ثلاث مئة ألف درهم، ومضى الأحنف إلى مَرْو الروذ فصالح أهلها
بعد قتال شديد.
وجمع أهل طخَارُسْتان للأحنف؛ فاجتمع أهل، الجوْزجَان
والطَّالَقَان والفارياب ومن حولهم فبلغوا ثلاثين ألفاً، وجاءهم أهل
الصَّغانيان وهم من الجانب الشرقي من نهر جَيْحون، فالتقوا ودارت رحى معركة
قاسية وانهزم الفرس وحلفاؤهم وطاردهم المسلمون وأوقعوا فيهم خسائر فادحة.
ولحق
بعض العدو بِالجُوْزجَان، فوجّه الأحنف إليهم الأقرعَ بن حابس التميمي في
خيل، فسارع الأقرع ولقي العدوّ بالجوزجان وفتحت عنوة، واستعاد الأحنف فتح
الطَالََقان صلحاً، وفتح الفارياب، ثم سار الي بلخ فصالحه أهلها أيضاً فسار
إلى خُوَارَزْم وهي على نهر جيُحون، فلم يَقدر عليها فاستشار أصحايه
فأشاروا عليه بالعودة إلى بلخ وهكذا استعاد الأحنف فتح خراسان ثانية وقد
فتحت من قبل في خلافة عمر رضي الله عنه.
وأما سِجسْتان فكان ابتداءٌ
فتحها في خلافة عمر لكن أهلها نقضوا العهد من بعده فلما توجَّه عبد الله
بن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيعَ بن زياد الحارثي، فقطع
مفازة شاسعة ونزل المدنّ والقرى والرسّاتيق وفتحها صلحاً أو عَنُْوة.
ومن
جهة أخرى بعث عبد الله بن عامر الصحابيّ القائد مجاشع بنَ مسعود السّلمي
إلى كابل فغزاها فصالحه حاكمها. ودخل مجاشع بيتَ أصنامهم وأخذ جوهرة جليلة
من عين أكبر تلك الأصنام وقال: لم آخذها إلا لتعملوا أنه لا يَضرَ ولا
ينفع!.
واستعمل ابن عامر مجاشعاً على كرمان وأمره بمحاربة أهلها وكانوا
قد نكثوا أيضاً، ففتح ييَمند عَنُوة واستبقى أهلها وأعطاهم أماناً، وأتى
الشيرجَان وهى مدينة كرمان ففتحها عنوة أيضاً.
وسار في أرض كرمان
ودوّخ أهلها وفتح المدن والجبال، وهرب كثير من أهلها فأقطع العربَ منازلهم
وأراضيهم فعمروها واحتفروا لها الأقنية وأدّوا العشر فيها.
ولم يتوقف
الصراع على جبهة الشرق، فقد جمع قارِن مَرْزبَان من الفرس جيشاً من أهل
الطَبسَيْن وباذغيس وهَرَاة وقهسْتان، حتى بلغ جمعه 40000 ألف وتوجه إلى
عبدالله بن خازم في أربعة آلاف فقتل قاران وهزم أصحابه وأصابوا سبايا
كثيرة، وكتب إلى عبد الله بن عامر بالفتح فأقره على خراسان أميراً فبقي
عليها حتى قتل عثمان بن عفان.
4- فتح الباب وبَلنجر وحرب الترك
في أواخر خلافة عمر وصلت فتوحات المسلمين في بلاد المشرق حتى باب الأبواب وهي الدَرْبَند، وتقع على بحر قزوين غرباً. وقطع عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي بجيشه باب الأبواب، وقاتل الترك وأوغل في بلاد بَلنْجر مئتي فرسخ.
وكتب
عثمان إلى والي الكوفة سعيد بن العاص أن أغزٍ سلمان بن ربيعة الباب، وكتب
إلى عبد الرحمن بن ربيعة رسالة جاء فيها: أما بعد إن الرعية قد أبطرٌ
كثيراً منهم البطنة، فقصّر ولا تقتحم بالمسلمين، فإني خاش أن يُبتلوا. فلم
يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، فغزا سنة 32ه حتى إذا بلغ بلنجر، حصروها
ونصبوا عليها المجانيق والعَّرادات فجعل لا يدنو منها أحد إلا أعنتوه أو
قتلوه.
ولما تتابعت الغزوات على الخُزر، تذامّروا وتعايروا وقالوا: كنا
أمة لا يقوم لنا أحد، حتى جاءت هذه الأمة القليلة، فصِرْنا لا نقوم لها،
فقال بعضهم لبعض: إن هؤلاء لا يموتون ولو كانوا يموتون لما اقتحموا
علينا، وما أصيب في غزواتهم أحد! قالوا: أفلا تجربون؟ فكّمنوا في الغِياض،
فمرٌ بأولئك الكمين مُرَارِ من الجند فرموهم منها فقتلوهم.
ثم إن
الترك اتعدوا يوماً، فخرج أهل بلنجر وتوافت إليهم الترك فاشتد قتالهم
ونادى مناد من الجو صبراً آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة، فقاتل عبدالرحمن
حتي قتل وانكشف الناس وأخذ سلمان بن ربيعة الراية فقاتل بها، ونادى المنادي
من الجو: صبراً آل سلمان بن ربيعة! فقال سلمان: أو ترى جزعاً؟!.
وقام
سلمان بحركة بارعة لإنقاذ الجيش، فخرج به ومعه أبو هريرة وسلمان الفارسي،
فمروا على جِيْلان فقطعوها إلى جُرجان منسحباً من معركة خاسرة بعد أن دفن
أخاه عبد الرحمن في نواحي بلنجر، وبهذا الانسحاب أنقذ سلمان بقية باقية من
جيش أخيه.
وهكذا امتدت فتوحات جيوش أمير المؤمنين عثمان في المشرق
إلى الشمال والغرب حتى أعماق بلاد الترك فدخل بحر قزوين في الدولة
الإسلامية، وإلى الجنوب الشرقي حتى أعماق أفغانستان وحدود باكستان، وأضيفت
إلى تلك الأصقاع أرمينية.

إرسال تعليق