مقدمة
كانت جيوش المسلمين ترابط وتقاتل على ثلاث جبهات ضخمة متباعدة: الفرس في المشرق، والروم في الشام، والروم في إفريقية.
وكان
من هَدي أمير المؤمنين عثمان وسياسته العسكرية فى الفتوحات أنه أمر الولاة
والقادة بأن يُعْقِبوا بين الجيوش وكتائب المجاهدين، حيث يتناوبون في
الجهاد والغزو على الجبهات، ويترك لهم أوقاتاً يستجمُون فيها، ويتعاهدون
أسلحتهم وخيولهم وأهليهم، فيكون ذلك أقوى لهم وأدعى إلى تحملهم مشاق القتال
وأرأفَ بهم وبأهليهم ولا يلجأ إلى استمرارهم في الغزو إلا في أوقات
الضرورة والحالات الطارئة.
ففي الكوفة مثلاً وهي إحدى أكبر معسكرات
المسلمين كان فيها 40000 مقاتل يغزو منهم 10000 مقاتل في كل سنة فيصيب
الرجل منهم كل أربع سنين غزوة واحدة.
وكتب عثمان إلى والي مصر وقائد
جيوشها عبد الله بن سعد بن أبي سَّرْح يأمره بأن يُلَزِم ثغرٌ الإسكندرية
رابطة لا تُفارقها ويدرٌ عليهم الأرزاق، ويُعْقِبٍ بينهم في كل ستة أشهر.
ومن الأسس التي رسَّخها الخليفة وأعانه الولاة والقادة في تنفيذها تحصينٌ
الثغور وصيانتها وشحنها بالمجاهدين، وبناء الحصون وترميمها، وعندما وافق
عثمان على غزو البحر أمر القادة بأن يخيّروا الناسَ ولا يُجبروهم، وكانت
القرارات سريعة وحازمة عند تكالب العدو على المسلمين، وذلك بإرسال النجدات
إلى الجبهات الساخنة.
ومن
أسس الفتوحات في عهد عثمان: ضبطً حدود الدولة وإلجامُ حركات الانتقاض في
أطرافها، والذي أطمعهم في ذلك: مقتل أمير المؤمنين عمر، فظنُوا أن ثمّة
فراغاً سياسيّاً في رأس السلطة كذلك يُعْدُهم عن عاصمة الخلافة ومراكز
المعسكرات الإسلامية، إضافة إلى أن تلك الأطراف حديثة الانضمام إلى الدولة
الإسلامية، وهناك عامل رابع هو الضُغْن على الإسلام من قبل أصحاب العقائد
المناوئة المتأصلة والزعامات التي أطيح بها. لكن الخليفة وقادة الفتح
والمجاهدين تمكنوا من لجم تلك الانتقاضات التي لم تعدٌ أن تكون بُؤْراً
متناثرة لا يدعمها عمق استراتيجي من أهالي تلك البلاد والأصقاع المجاورة.
ومن الأركان الثابتة التي استندت عليها مسيرة
الفتوحات وجود معسكرات إسلامية كبرى تتمركز فيها الجيوش وتنطلق منها
الكتائب، كل إلى الجبهة التي تشرف عليها كما تتلقى الأوامر من الخليفة أو
الولاة بتسيير الإمدادات والنجدات، وأبرز تلك المعسكرات: دمشق وحمص في
الشام الكوفة والبصرة في العراق، الفسطاط في مصر، البحرين في الجزيرة
العربية.
وبرز في استراتيجية الفتوحات نظام الصّوّائف والشّوّاتي؛ وهو
يعني الغزو في الصيف وفي الشتاء، وقد عني الخليفة بذلك وأمر بتسيير الكتائب
في كل عام، وكان يتولاها كبار قادته من أمثال معاوية بن أبي سفيان.
مع قادة الفتوحات
أوضح
أمير المؤمنين عثمان في الأيام الأولى من خلافته برنامجه السياسي والعسكري
فكتب إلى القادة وأمراء الأجناد في الثغور: أما بعد فإنكم حماة المسلمين
وزادتهم وقد وَضْع لكم عمر ما لم يَغِب عنّا، بل كان عن ملأ منّا، ولا
يَبَلِعْن عن أحد منكم تغيِير ولا تبديل فيغيرٌ الله ما بكم ويستبدل بكم
غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيامَ
عليه.
وتوالت كتبه إلى الولاة والقادة في أمصارهم، فكتب إلى عبد الله
بن سعد بن أبي سرح يأمره بحماية ثغر الإسكندرية، وأن يقيم فيه الجند
المرابطين، ويغدق عليهم الأرزاق.
وجمع لمعاوية بن أبى سفيان الشام والجزيرة بين نهرى دجلة والفرات وثغورهما وأمره أن يغزو شِمْشَاط أو يُغزيها.
وكتب
إلى حَبيب بن مَسْلمة يأمره بغزو إِرْمِينِية، فنّهض حبيب في ثمانية آلاف
من أهل الشام والجزيرة، وأتى قاليقّلا ففتحها، وبلغه أن العدو قد جمعوا له
جمعاً عظيماً، فكتب إلى عثمان يسأله المددٌ.
فأرسل عثمان لساعته إلى
معاوية بأن يُمدّه بجيش من أهل الشام والجزيرة، فبعث إليه معاوية بألفي
رجل، كما كتب عثمان إلى والي الكوفة سعيد بن العاص يأمره بإمداد حبيب بجيش
عليه سَلْمانَ بن ربيعة الباهلي وهو سلمان الخيل، فسار سلمان في ستة آلاف
من أهل الكوفة.
وفي سنة 32ه كتب إلى سعيد بن العاص أن يُغزي سلمانٌ بن ربيعة (الباب).
وكان
من سياسة عثمان مع الولاة وقادة الفتح أنه على تواصل مستمر معهم، يكتب لهم
الكتب ويأمر بإرسال النجدات؛ ويوجه القادة ضمن الأطر العامة للقتال والفتح
ويترك لهم الخيار في التنفيذ وتعيين القادة. وفي الأمور الكبرى لايقضون شيئاً دون علم عثمان بل يستأمرونه ويستشيرونه ويكتبون إليه ويستنجدون به للإمدادات وغيرها.
وقد
سطر القادة والجند في طول مدة خلافة عثمان أروعً صور الطاعة للخليفة
والتطاوع فيما بينهم؛ فإنه على طول سني الخلافة واتساع رقعة الفتوح وكثرة
الجبهات والوقائع لم يسجّل التاريخ أي خلاف منهم على عثمان أو افتئات عليه
أو انقلاب على أوامره أو عصيان لتوجيهاته.
والحادثة الفذة التي وقعت بين
جند الشام بقيادة حبيب بن مَسْلمةَ وجند العراق بقيادة سلمان بن ربيعة
الذين جاؤوا مدداً لهم بشأن تقاسم الغنائم؛ قد حَكم فيها الخليفة وكتب
إليهم: إن الغنيمة باردة لأهل الشام، وأمرهم أن يقاسِموا إخواتّهم الذين
جاؤوا مدداً لهم فلما ورد كتاب عثمان على حبيب قرأه على جند أهل الشام
فقالوا: السمع والطاعة لأمير المؤمنين! ثم إنهم قاسّموا أهلّ العراق ما
غنموا.
وكان عثمان يستشير مجلس الشورى وذوي الاختصاص في فتح البلدان
و تُسيير الجيوش وأمر قادة الفتح أن يلزموا هذا النهج ولا يتفردوا بالقرار
دونه أو دون مشاورة وجوه المجاهدين والجنود.
فقد كان القائد المظفر
حَبيب بن مَسْلمة الفِهُري يستشير جنده، ويعقد جلسات للنظر والشورى، وفي
إحدى وقائعه مع الروم وقد تكاثروا عليه وبات ينتظر المّدد، فقام يتفقد
عسكره، فسمع رجلاً يقول لأصحابه: لو كنت ممن يسمع حبيبٌ مشورته لأشرث عليه
بأمر، يجعل الله لنا ولدينه نصراً وفرجاً إن شاء الله! فاستمع حبيب لقوله
وهو يحدث أصحابه، وانصرف فعمل برأيه، ففتح الله عليهم.
بناء الأسطول البحري
من
أعمال عثمان الجليلة ومآثره الخالدة منذ السنين الأولى من خلافته؛ أمره
بصناعة السفن وتكوين الأسطول البحري الإسلامي، ومد أجنحة الفتوحات لتشمل
غزو البحر مع المعارك البرية.
فقد كان والي الشام الصحابي معاوية بن
أبي سفيان يعرض على الفاروق عمر ويلح عليه بأن يأذن له في غزو البحر
ومقارعة قوى الرومان فيه لكفكفة عدوانهم وتأمين شواطئ الدولة الإسلامية من
هجماتهم البحرية فكتب إلى عمر: (يا أمير المؤمنين، إن بالشام قرية يسمع
أهلها نباح كلاب الروم وصياح ديوكهم، وهم تلقاء ساحل من سواحل حمص).
فأبئ
عمر ذلك؛ لعدم معرفة العرب بالقتال البحري وخشية التغرير بجند المسلمين،
وحفاظا على أرواحهم، وكان من سياسته أنه لا يجعل بينه وبين جيوش المجاهدين
بحراً ولا نهراً ولا قنطرة وأن يجنبهم ركوب البحر ما استطاع.
وعندما
فتح المسلمون الثغور البحرية، أضحت هذه عرضة لهجمات الروم المنطلقين من
الجزر القريبة، ونظرا لأن صراع المسلمين معهم هو في أحد وجهيه صراع بحري؛
أدرك معاوية أهمية بناء أسطول إسلامي بهدف الدفاع عن السواحل، وغزو الجزر
البحرية المواجهة لسواحل بلاد الشام، والدفاع عن المناطق الداخلية المفتوحة
فعرض رأيه على عمر رضي الله عنه ورغبه فيه، فلم يستجيب له
وحدث في
أواخر عهد عمر وأوائل عهد عثمان أن انتقضت بعض أطراف الدولة الإسلامية،
واستعاد الروم بعض المدن الساحلية ومنها الإسكندرية، فزاد ذلك من تصميم
معاوية على رأيه، وتمكن من إقناع الخليفة عثمان حيث سمح له بركوب البحر
وغزو (قبرص).
وفور ذلك قرر معاوية إصلاح المراكب التي استولى عليها المسلمون من الروم وتقريبها إلى ساحل حصن عكا الذي أمر بترميمه، كما رمم ثغر
صور، وكتب إلى أهل السواحل بالاستعداد لغزو قبرص التي اختارها هدفاً
عسكرياً لنشاط الأسطول الإسلامي، وبسبب موقعها الجغرافي لتكون قاعدة لغزو
القسطنطينية.
لقد تطورت الأحداث في مواجهة الدولة الإسلامية لكل من
دولتي الفرس والروم ، وأصبح ركوب المسلمين البحر ضرورة لا محيد عنها، فقد
أصبحت قبرص ورودس وجزر الشاطئ القريب ملتقى تتربص فيه الأساطيل المتجمعة من
أقطار دولة الروم، وأصبح امتناع السفن المغيرة بها خطراً على الشام
وفلسطين ومصر والقيروان.
وقد كان عثمان في هذا العمل جريئاً موفقاً
ومجتهداً عبقرياً، يحجم من هو أشهر منه بالإقدام على هذا الأمر الخطير،
كذلك كان عثمان محتاطاً - احتياط عمرـ لأرواح المسلمين، فهو عندما أذن
لمعاوية كتب إليه يأمره قائلاً: (لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم،
فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه ففعل)، وكان ذلك تحولاً ضخماً وخطوة
جبارة، كما أنها ضرورة لازمة.
فأسرع معاوية ببناء الأسطول في الشام،
وعبد الله بن سعد بن أبي سرح في مصر، وأقبل المجاهدون المتطوعون على الغزو
في البحر، وأصبح للدولة الإسلامية في زمن وجيز أسطول بحري مرهوب الجانب،
وصار أداة قوية في امتداد الفتوح.
وقد غزا معاوية في سنة (33هـ) فى 500 مركب.
وكان
أمير البحرية في الشام عبد الله بن قيس الذي غزا خمسين غزاة من بين شاتية
وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو الله أن يرزقه
العافية في جنده، وألا يبتليه بمصاب أحد منهم.
وفى الغرب الإسلامي خاض
ابن أبي سرح معارك بحرية كثيرة، كان من أجلها وقعاً وأكثرها إيلاماً للروم
معركة ذات الصواري التي غيرت ميزان القوى البحرية لصالح المسلمين الذين
جمعوا قواتهم البحرية الشامية والمصرية وحققوا فيها نصراً مؤزراً، وبعد أن
كان بحر الروم تحت سيطرة الروم خمسة قرون، أضحى تحت سيطرة المسلمين.
ويبقى تشكيل البحرية الإسلامية مرتبطاً بالخليفة الراشد الثالث عثمان، وبالوالي المجاهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

إرسال تعليق