تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

عمرو بن العاص

 

 نسبه ومولده

هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم السهمي القرشي، ولد عمرو في مكة، ونشأ في بيت أبيه العاص بن وائل من بني سهم إحدى بطون قريش، كان كبير بني سهم وزعيمهم يوم الفجار الثاني، ومن أشراف قريش في الجاهلية
واشتهر عمرو بالفصاحة والإبانة في القول؛ حتى أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: سبحان الله خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.

عمرو بن العاص قبل إسلامه

كان عمرو بن العاص يعمل بالتجارة مثل والده وأغلب سادة قريش، ويتاجر ببضاعة اليمن والحبشة مثل الجلود ويبيعها بالشام، وقد اكتسب عمرو خلال رحلاته التجارية العلاقات مع أهل هذه البلاد، وتوطدت علاقته مع ملوك الحبشة وغيرها، وقد ذكر أن عمرًا سافر إلى مصر في الجاهلية، ودخل الإسكندرية، فرأى عمارتها وآثارها، وأعجبه ذلك، وعرف مداخل مصر ومخارجها.
ولمَّا علمت قريش بهجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، اجتمع سادة قريش في دار الندوة، واتفقوا على أن يجمعوا الأموال والهدايا ويهدوها إلى النجاشي، وانتدبوا لذلك رجلين، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا، وقيل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة،فركبا البحر ولكن لم يستجب له النجاشي وردَّه خائبًا.
حضر عمرو بن العاص غزوة بدر مع قريش ضد المسلمين، ثم حضر غزوة أحد، وأخذت قريش في أُحد حدها وحديدها وخرجوا بنسائهم حتى لا يفروا، وفي غزوة الخندق كان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد يرابطان على الخندق انتظارًا للغفلة من المسلمين حتى ينقضوا عليهم، وبعد تطاير خيام قريش وانسحاب جيش الأحزاب خاف أبو سفيان بن حرب أن يلحق بهم المسلمون، فأمر عمرو بن العاص وخالد بن الوليد أن يعسكرا في جريدة من النخل في مائتي فارس تحسبًا لهجوم المسلمين عليهم، ولم يحضر عمرو الحديبية ولا صلحها.

إسلامه رضي الله عنه

لمّا عادت قريش إلى مكة بعد صلح الحديبية قرر الذهاب إلى الحبشة عند أصحمة النجاشي، فوجده اعتنق الإسلام، وهناك أعلن عمرو إسلامه في العام الثامن للهجرة على يد النجاشي في السنة الثامنة للهجرة الموافق 629م، ثم أخذ سفينة متجهًا إلى المدينة المنورة، فالتقى في الطريق بخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وهما يتجهان إلى المدينة ليدخلا في الإسلام، فدخل ثلاثتهم المدينة المنورة معلنين إسلامهم، وحينها قال الرسول: «إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها»، ويروى عمرو قصة إسلامه فيقول: كنت للإسلام مُجَانِبًا مُعَانِدًا، حضرتُ بدرًا مع المشركين فنجوتُ، ثم حضرت أُحُدًا فنجوتُ، ثم حضرت الخندقَ فنجوت فقلتُ في نفسي: كم أوضِع؟ والله ليظْهَرَنّ محمدٌ على قريش، فلحقت بمالي بالوَهْطِ، وأَقْلَلْتُ من الناسِ، فلم أحضر الحُدَيْبِيَةَ وَلاَ صُلْحَهَا، وانصرف رسول الله، صََّلى الله عليه وسلم، بالصلح وَرَجَعَتْ قريشٌ إلى مكة، فجعلت أقول: يدخل محمدٌ قابلًا مكةَ بأصحابه، ما مكة لنا بمنزل ولا الطائف، وما شيء خيرٌ من الخروج، وأنا بعدُ نَاتٍ عن الإسلام، أرى لو أسلمتْ قريش كلّها لم أسلم فَقَدِمتُ مكةَ فجمعتُ رجالًا من قومي كانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدِّمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذُو رأينا وَمِدْرَهُنا مع يُمن نَقِيبة وبركةِ أمرٍ قلتُ: تعلَّموا والله أَني لأرى أمر محمد أَمْرًا يعلو الأمورَ عُلوًّا مُنْكَرًا، وإني قد رأيت رأيًا. قالوا: ما هو؟ قلت: نَلْحَق بالنَّجَاشِيّ فنكون عنده، فإن يَظْهَرْ محمدٌ كنا عند النجاشي، فنكون تحت يده أحب إلينا من أن نكون تحت يَدَي محمدٍ، وإن تَظْهَر قريش فنحن مَنْ قد عَرفوا. قالوا: هذا الرأيّ! ... ثم خرجنا فقدمنا على النَّجاشي، فوالله إِنَّا لعنده إِذْ جاء عَمْرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهُ إليه بكتابٍ كتب إليه يُزَوِّجه أُمَّ حَبِيبَة بنتَ أبي سُفْيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده... فدخلتُ على النجاشي فسجدتُ له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي! أَهْدَيْتَ إِلَيَّ من بلادك شيئًا؟ فقلت: نعم أيها الملك، أَهْدَيْتُ إليك أَدَمًا كثيرًا. ثم قَرَّبْتُهُ إليهُ فَأَعْجَبَهُ، قلت: أَيُّها الملك، إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسولُ رجلٍ عَدُوٍّ لنا، قد وَتَرَنا وقَتَل أَشْرَافَنَا وخِيَارَنَا فأَعْطِنيه فأقتُلهُ! فَغَضِبَ فرفع يَدَه فضرب بها أَنْفِي ضَرْبَةً ظننتُ أنه كسرَهُ، وابتدر مَنْخِرايَ، فجعلت أَتَلَقَّى الدَّمَ بثيابي، وأصابني من الذُّلِّ ما لو انْشَقَّت لي الأرضُ دخلتُ فيها فَرَقًا منه فقلت له: أيها الملك، لو ظننتُ أنك تكره ما قلتُ ما سألتكه، قال: فاستحيا وقال: يا عَمرو، تسألني أَن أُعطيك رَسولَ رسولِ الله صلى وسلم مَن يأتيه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى بن مريم ــ لِتَقْتُلَه؟! قال عمرو، وغَيَّر الله قلبي عَمّا كنت عليه، وقلتُ في نفسي: عَرَفَ هذا الحقَّ العَربُ والعجمُ وتُخالفُ أَنت؟! قلت: وتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم. أشهد به عند الله يا عمرو، فأَطِعني وَاتَّبِعْه، والله إنه لَعَلَى الحَقّ وليظهرنَّ على كل من خَالَفَه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. قال: نعم: فبسط يده فبايعتُه على الإسلام، ودعا لي بطَسْتٍ فغسل عَنِّي الدمَ وكساني ثيابًّا، وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم فأَلقيتُها، ثم خرجت إلى أصحابي وفارقتُهم وكأنّي أَعْمِدُ لحاجة فعمِدتُ إلى موضع السُّفُن فوجدت سفينة قد شُحِنَتْ تَدْفَع، فركبتُ معهم ودفعوها من ساعتهم حتى انتهوا إلى الشُّعَيْبَةِ فخرجت بها ومعي نفقةٌ. فابتعتُ بعيرًا وخرجتُ أريدُ المدينة حتى إذا أتيت على مَرِّ الظَّهْران. ثم مضيتُ حتى إذا كنت بالهَدَّة، إذا رجلان قد سبقاني بغير كبير يُريدان منزلًا، وأحدهما داخلٌ في خيمةٍ، والآخر قائمٌ يُمسكُ الراحلتين، فنظرت فإذا هو خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟! قال: نعم. قلت: أين تريد؟ قال: محمدًا، دَخَلَ الناسُ في الإسلام فلم يبق أحدٌ به طُعمٌ والله لو أَقَمنا لأَخذ بِرِقَابِنا كما يُؤْخَذُ بِرَقَبة الضَّبُع في مَغَارتها. قلت: وأنا واللهِ قد أردتُ محمدًا وأَردت الإسلام، وخرج عُثمان بن طَلْحة فرحَّب بي فنزلنا جميعًا في المنزل. ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجلٍ لقينا بِبِئْر أَبِي عِنَبَةَ يصيح: يا رَباح! يا رَباح! فتفاءَلنا بقوله وسُرِرْنا. ثم نظر إلينا فأَسمعه يقول: قد أعطت مكَّةُ المقادةَ بعد هذين! فظننت أنه يعنيني ويعني خالد ابن الوليد، ثم وَلَّى مُدْبرًا إلى المسجد سريعًا، فظننت أنه يُبَشّر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا، فكان كما ظننتُ. وأَنَخنا بالحَرَّة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونُودِي بالعصر فانطلقنا جميعًا حتى طلعنا عليه، وإِنَّ لوجهه تهلُّلًا، والمسلمون حوله قد سُرُّوا بإسلامنا. فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدّم عُثمان بن طَلحة فبايع، رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما هو إِلاّ أَن جلستُ بين يديه فما استطعت أن أرفع طرْفي إليه حياءً منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأَخَّر. فقال: "إن الإسلامَ يَحُتُّ ما كان قبله، والهجرة تَحُتُّ ما كان قبلها". فوالله ما عَدَل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أَحَدًا من أصحابه في أمرٍ حَزَبهُ منذ أَسلمنا، ولقد كنَّا عند أبي بكر بتلك المنزِلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحال.
وكان عمر بن الخطاب يتعجب من عدم إسلام عمرو مُبكرًا، فقال له: "لقد عجبت لك في ذهنك وعقلك كيف لم تكن من المهاجرين الأولين"، فقال له عمرو: "وما أعجبك يا عمر من رجل قلبه بيد غيره لا يستفز التخلص منه إلا إذا أراد الله الذي هو بيده!" فقال عمر: "صدقت".

عمرو بن العاص بعد إسلامه

وفي الإسلام كان ابن العاص مجاهداً وبطلاً، يرفع سيفه لنصرته، وعندما أعلن إسلامه قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم “أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص”، ومنذ ذلك الحين كرس عمرو حياته لخدمة المسلمين، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقرِّبه ويُدنيه منه، وقد ولاه قيادة بعض الجيوش والسرايا، منها سريَّة إلى ذات السلاسل في جُمَادَى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وجعل أميرها عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقد بعث إليه يوماً وقال له: "خُذْ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتِني، قال: فأتيته وهو يتوضأ فصعَّدَ فيَّ النَّظَرِ ثم طَأطأَهُ فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلِّمُكَ اللَّهُ ويغنِّمُكَ، وأرغب لك من المال رغبة صالحة، قال: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو، نِعمَ المال الصالح للمرء الصالح".
وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه إلى سواع ليهدمه، فلما وصل إليه وعنده السادن قال: «ما تريد؟» قال عمرو: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه»، قال: «لا تقدر على ذلك»، فقال: «لم؟»، قال: «تُمنَع» قلت «حتى الآن أنت في الباطل؟ ويحك وهل يسمع أو يبصر؟»، ثم دنا منه عمرو فكسره وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئًا ثم قال للسادن «كيف رأيت؟» قال «أسلمت لله». وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص واليًا على عمان، فظلَّ أميرًا عليها حتى تُوُفِّيَ النبي صلى الله عليه وسلم.

عمرو بن العاص في عهد الخلفاء الراشدين

كانت لعمرو بن العاص مكانة كبيرة عند الصديق رضي الله عنه، فقد أرسل أبو بكر الصديق في طلب عمرو، فأقبل حتى قدم بلاد بني عامر، ونزل على قرة بن هبيرة، وكان قرة قد ارتد عن الإسلام، فلمّا أراد عمرو الرحيل خلا به قرة وقال: "يا هذا. إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة فإن أعفيتموها فستسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم"، فقال له عمرو: "أكفرت يا قرة؟ تخوفنا بردة العرب! فوالله لأوطئن عليك الخيل في حفش أمك". ولمّا وصل عمرو المدينة أخبر المسلمين بما رآه، وأن العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة، وولاه أبو بكر على جيش كثيف من المسلمين لحرب قضاعة، الذين حاربهم من قبل في سرية ذات السلاسل، وانتصر عمرو عليهم.
ثم قام أبو بكر رضي الله عنه بتوليته أميرًا على أحد الجيوش الأربعة التي اتجهت إلى بلاد الشام لفتحها، فانطلق عمرو بن العاص إلى فلسطين على رأس ثلاثة آلاف مجاهد، ثم وصله مدد آخر فأصبح عداد جيشه سبعة آلاف، وشارك في معركة اليرموك مع باقي الجيوش الإسلامية، وذلك عقب وصول خالد بن الوليد من العراق بعد أن تغلَّب على جيوش الفرس، وبِنَاءً على اقتراح خالد بن الوليد تم توحيد الجيوش معًا على أن يتولَّى كل قائد قيادة الجيش يومًا من أيام المعركة، وبالفعل تمكَّنت الجيوش المسلمة من هزيمة جيش الروم في معركة اليرموك تحت قيادة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم، وتمَّ فتح بلاد الشام.
ثم انتقل بعد ذلك عمرو بن العاص ليُكمل مهامَّه في مدن فلسطين؛ ففتح منها: غزَّة، وسَبَسْطِيَة، ونَابُلُس، ويُبْنَى، وعمواس، وبيت جيرين، ويافا، ورفح.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا ذُكر أمامه حصار بيت المقدس وما أبدى فيه عمرو بن العاص من براعة يقول: (لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب.)
ثم تولَّى عمرو بن العاص إمارة فلسطين، وكان عُمر رضي الله عنه يحبُّه ويعرف له قدره وذكاءه، فكان يقول عنه: «ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلاَّ أميرًا».

وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه يتمنَّى أن يفتح الله على يديه مصر، فظلَّ يُحدِّث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنها حتى أقنعه، فأمَّره الفاروق قائدًا على جيش المسلمين لفتح مصر وتحريرها من أيدي الروم.
وبالفعل قام ابن العاص بإعداد العدد والعتاد من أجل التوجُّه لفتح مصر، فسار على رأس جيش مكَّون من أربعة آلاف مقاتلٍ فقط، ولكن بعد أن قام الخليفة باستشارة كبار الصحابة في الأمر رأوا ألَّا يدخل المسلمون في حرب قاسية، وقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكتابة رسالة إلى عمرو بن العاص جاء فيها: «إذا بلغتكَ رسالتي قبل دخولك مصر فارجع، وإلَّا فسِرْ على بركة الله» وحين وصل البريد إلى عمرو بن العاص وفطن إلى ما في الرسالة، لم يتسلَّمْهَا حتى بلغ العريش، فتسلَّمها وفضَّها ثم سأل رجاله: «أنحن في مصر الآن أم في فلسطين؟» فأجابوا: «نحن في مصر». فقال: «إذن نسير في سبيلنا كما يأمر أمير المؤمنين».

توالت انتصارات عمرو بن العاص رضي الله عنه فدخل بجيشه إلى مدينة الفرما، والتي شهدت أول اشتباك بين الروم والمسلمين، ثم فتح بِلْبِيس وقهر قائدها الروماني أرطبون، الذي كان قائدًا للقدس وفرَّ منها، وبعد أن وصل المدد لجيش عمرو تابع فتوحاته إلى أم دنين، ثم حاصر حصن بابليون حيث المقوقس حاكم مصر من قِبَل هرقل لمدَّة سبعة أشهر، وبعد أن قَبِلَ المقوقس دفع الجزية غضب منه هرقل واستدعاه إلى القسطنطينية ونفاه، فانتهز المسلمون الفرصة وهاجموا حصون بابليون؛ مما اضطر الروم إلى الموافقة على الصلح ودفع الجزية.

ومما يروى عن دهاء عمرو بن العاص في أثناء حربه مع الرومان في مصر، إذ دعاه قائد حصن بابليون الروماني ليحادثه ويفاوضه، بينما أعطى أمرا لرجاله بإلقاء صخرة فوقه لدى خروجه من الحصن، وأعد كل شيء ليكون قتل ضيفه محتوما. دخل عمرو على القائد الروماني، وجرى اللقاء بينهما حين خرج عمرو في طريقه للانصراف إلى خارج الحصن، لمح فوق الأسوار حركة مريبة أيقظت فيه حاسة الحذر، وسرعان ما تصرف بشكل مفاجئ، إذ عاد إلى داخل الحصن بخطوات وئيدة مطمئنة وملامح بشوشة واثقة، كأنما لم يفزعه شيء، ولم يثر شكوكه أمر دخل عمرو على القائد الروماني وقال له: “تذكرت أمرا، وأردت أن أطلعك عليه. إن معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين إلى الإسلام، لا يقطع أمير المؤمنين بأمر دون مشورتهم، ولا يرسل جيشا من جيوش الإسلام إلا جعلهم على رأس مقاتليه، وقد رأيت أن آتيك بهم حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة”. هنا، ظن قائد الروم أن عمرو بن العاص منحه بسذاجة وغباء فرصة العمر، فصمم على أن يسايره ويوافقه على رأيه حتى إذا عاد ومعه تلك النخبة من زعماء المسلمين وخيرة رجالهم وقادتهم أجهز عليهم جميعا بدلا من أن يجهز على عمرو بن العاص وحده. أعطى القائد الروماني بإشارة خفية أمره بتأجيل الخطة التي كانت معدة لاغتيال عمرو، وودعه بحرارة أكبر من السابق، ابتسم داهية العرب وهو يغادر الحصن آمنا مطمئنا. في الصباح، عاد عمرو إلى الحصن ممتطيا صهوة جواده على رأس جيشه لفتح الحصن.

وتوالت فتوحات عمرو بن العاص بعد ذلك في المدن المصرية الواحدة تلو الأخرى؛ حتى بلغ أسوار الإسكندرية، فحاصرها وبها أكثر من خمسين ألفًا من الروم، وخلال فترة الحصار هذه مات هرقل وجاء أخوه بعده مقتنعًا بأنه لا أمل له في الانتصار على المسلمين، فاستدعى المقوقس من منفاه، وكلَّفه بمفاوضة المسلمين للصلح.
وفي اتفاقية الصلح جاء عدد من البنود؛ منها: أن تُدفع الجزية عن كل رجل ديناران، ما عدا الشيخ العاجز والصغير، وأن يرحل الروم بأموالهم ومتاعهم عن المدينة، وأن يحترم المسلمون حين يدخلونها كنائس المسيحيين فيها، وأن يُرسل الروم مائة وخمسين مقاتلاً وخمسين من أمرائهم رهائن لتنفيذ الشروط. وقام عمرو بن العاص بإرسال رسول إلى الخليفة عمر رضي الله عنه ليُبَلِّغَه بشارة الفتح.

قضى عمرو بن العاص في فتح مصر ثلاث سنوات، وقد استقبله أهلها بالكثير من الفرح والترحيب؛ لما عانوه من قسوة الروم وظلمهم، وقد كان عهد ولاية عمرو على مصر عهد رخاء وازدهار، فكان يحبُّ شعبها ويُحبُّونه، وكانوا ينعمون في ظلِّ حكمه بالعدل والحرية، وقام بتخطيط مدينة الفسطاط، وأنشأ بها جامعًا سُمِّيَ باسمه، وما يزال جامع عمرو بن العاص قائمًا إلى الآن بمصر.

وأثناء خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه قام بعزل عمرو رضي الله عنه عن ولاية مصر، وولَّى عليها عبد الله بن سعد العامري، عاد بعدها عمرو إلى المدينة المنورة وبعد مقتل عثمان بن عفان، سار عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان وشهد معه معركة صفين، وُكِّان عمرو بن العاص حكمًا عن معاوية بن أبي سفيان.
وقد اجتمع ثلاثة من الخوارج، وأجمعوا أمرهم على قتل علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جميعًا في يوم واحد هو 17 رمضان سنة 40 هـ، فأما الذي ذهب لقتل عمرو، فكان اسمه عمرو بن بكر التميمي، فانتظر في تلك الليلة أن يخرج عمرو من داره ليقتله، لكنه لم يخرج لمرض ألم به، وندب خارجة بن حذافة أن يصلي بالناس، وبينما خارجة في الصلاة فضربه الرجل بالسيف فقتله ظنًا منه أنه عمرو بن العاص، فلما علم أنه ليس بعمرو قال: «أردت عمرًا وأراد الله خارجة»، ولما وقف الرجل بين يدي عمرو بكى فقيل له: «أجزعًا من الموت مع هذا الإقدام» فقال: «لا والله ولكن غمًا أن يفوز صاحبي بقتل علي ومعاوية، ولا أفوز أنا بقتل عمرو»، فأمر عمرو بضرب عنقه فضُرب وصُلب.

وفاته رضي الله عنه

توفي عمرو بن العاص رضي الله عنه سنة 43هـ= 663م، وقد تجاوز عمره 90 عامًا، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم 39 حديثًا. وحين حضرته الوفاة، ومَرِضَ مرض الموت، دخل عليه ابنه عبد الله رضي الله عنهما، فوجده يبكي، فقال له: يا أبتاه! أما بَشَّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بَشَّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: إني كنتُ على أطباق ثلاث (أحوال ثلاث)، لقد رَأَيْتُنِي وما أحدٌ أشدَّ بغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أَحَبَّ إليَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلتُه، فلو متُّ على تلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلمَّا جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلتُ: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، قال: فقبضتُ يدي، فقال: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قال: قلتُ: أردتُ أن أشترط. قال: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قلتُ: أن يُغفر لي. قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟».
وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنتُ أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصفه ما أطقتُ؛ لأنني لم أكن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو متُّ على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة، ثم وَلِينَا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا متُّ، فلا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فإذا دفنتموني فَشُنُّوا (صبُّوا) عليَّ التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور (الوقت الذي تُذبح فيه ناقة)، وَيُقْسَمُ لحمها؛ حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أُرَاجِعُ (أُجاوب) بِهِ رُسُلَ رَبِّي.

قال شمس الدين الذهبي: "كان عمرو من أفراد الدهر، دهاءً، وجلادةً، وحزمًا، ورأيًا، وفصاحةً".
كان عمرو بن العاص يُسرد الصوم، وقلما كان يُصيب من قيام الليل أول العشاء أكثر ما يصيب من السحر.
وكان كثير النفقة والصدقة، قال عمرو بن دينار: وقع بين المغيرة بن شعبة وعمرو كلام، فسب المغيرة عمرو، فقال عمرو: أيسبني ابن شعبة! فقال له ابنه عبد الله: إنا لله، دعت بدعوى القبائل وقد نُهِى عنها، فأعتق عمرو ثلاثين رقبة كفارة لذلك.
وعندما حضره الموت جمع حرسه وقال لهم: أي صاحب كنت لكم، قالوا: كنت لنا صاحب صدق تكرمنا وتعطينا وتفعل وتفعل.
وعُرف عمرو بالدهاء والذكاء والفطنة قبل الإسلام وبعده، حتى وُصف بأدهى العرب أو "داهية العرب". يقول شمس الدين الذهبي:«داهية قريش، ورجل العالم، ومن يُضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم.»، ولقبه عمر بن الخطاب في معركة أجنادين بأرطبون العرب، وقال: "لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عما تنفرج".

وقال عامر الشعبي: "أدهى العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة ،وزياد. فأمّا معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة للمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير."، وعن قبيصة بن جابر قال: "صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أنصع طرفًا منه ولا أكرم جليسا ولا أشبه سريرة بعلانية منه".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ هِشَامٌ وَعَمْرٌو».
وعَنْ عقبة بن عامر الجهني، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ».
وعَنْ طلحة بن عبيد الله قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول إن عمرو بن العاص من صالحي قريش».
روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عمرو بن العاص أنه قال: «كان فزع بالمدينة، فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة، وهو محتب بحمائل سيفه، فأخذت سيفًا فاحتبيت بحمائله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله، وإلى رسوله؟ " ثم قال: "ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان"».

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب