نسبه ومولده
هو أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن
عمرو المخزومي القرشي سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، السيد
الإمام، الأمير الكبير، قائد المجاهدين ينتهي نسبه إلى مرة بن كعب بن لؤي
الجد السابع للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولد خالد بن الوليد رضي الله عنه
سنة 592م في مكة، أبوه الوليد بن المغيرة سيد بني مخزوم أحد بطون قريش،
رفيع النسب والمكانة حتى أنه كان يرفض أن توقد نار غير ناره لإطعام الناس
خاصة في مواسم الحج وسوق عكاظ، وأحد أغنى أغنياء مكة في عصره حتى أنه سمّي
"بالوحيد" و"بريحانة قريش"، لأن قريش كانت تكسو الكعبة عامًا ويكسوها
الوليد وحده عامًا، وينتمي خالد إلى قبيلة بني مخزوم أحد بطون قريش التي
كانت إليها “القبة” و”الأعنة”، وكان لها شرف عظيم ومكانة كبيرة في
الجاهلية.
نشأته
تعلم خالد الفروسية كغيره من أبناء الأشراف،
ولكنه أبدى نبوغًا ومهارة في الفروسية منذ وقت مبكر، وتميز على جميع
أقرانه، وكان خالد صاحب قوة مفرطة كما عُرف بالشجاعة والجَلَد والإقدام،
والمهارة وخفة الحركة في الكرّ والفرّ. واستطاع أن يثبت وجوده في ميادين
القتال، وأظهر من فنون الفروسية والبراعة في القتال ما جعله من أفضل فرسان
عصره.
قبل الإسلام
وكان خالد كغيره من أبناء قريش معاديًا
للإسلام ناقمًا على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين آمنوا به
وناصروه، بل كان شديد العداوة لهم شديد التحامل عليهم، ومن ثَم فقد كان
حريصًا على محاربة الإسلام والمسلمين، وكان في طليعة المحاربين لهم في كل
المعارك التي خاضها الكفار والمشركون ضد المسلمين. ولكنه لم يخض خالد غزوة بدر لأنه كان في بلاد الشام وقت وقوع الغزوة الأولى بين المسلمين ومشركي قريش.
وكانت
غزوة أحد أول معارك خالد في الصراع بين القوتين، والتي تولى فيها قيادة
ميمنة القرشيين، وقد استطاع خالد تحويل دفة المعركة، بعدما استغل خطأ رماة
المسلمين، عندما تركوا جبل الرماة لجمع الغنائم بعد تفوق المسلمين في بداية
المعركة.
وانتهز خالد ذلك الخطأ ليلتف حول جبل الرماة وهاجم بفرسانه
مؤخرة جيش المسلمين، وذلك بعد أن قتل مَنْ بقي من الرماة المسلمين على جبل
الرماة، مما جعل الدائرة تدور على المسلمين، وقام بهجوم أدَّى إلى ارتباك
صفوف جيش المسلمين في هذه الغزوة، وتحوّل هزيمة القرشيين إلى نصر.
وفي
غزوة الأحزاب قاد كتيبة من فرسان المشركين محاولاً اقتحام الخندق، الذي
حفره المسلمون حمايةً للمدينة، ولما أخفقت محاولاتُ المشركين وانصرفوا
منسحبين؛ قام خالد مع عمرو بن العاص بحماية مؤخِّرتهم، وكان على رأس
خيَّالة قريش الذين أرادوا أن يَحُولُوا بين المسلمين ومكة في الحديبية.
إسلامه
أسلم
متأخِّرًا في صفر للسنة الثامنة من الهجرة، قبل فتح مكة بستة أشهر، وقبل
غزوة مؤتة بنحو شهرين، وكانت قصة إسلام خالد بن الوليد بعد معاهدة
الحديبية؛ حيث أسلم أخوه الوليد بن الوليد، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم
مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد، فقال: «أَيْنَ خَالِدٌ؟»
فقال الوليد: يأتي به الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا
مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ يَجَعَلَ نِكَايَتَهُ مَعَ
المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ
عَلَى غَيْرِهِ». فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده، فترك له رسالة قال
فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعدُ.. فإني لم أَرَ أعجب من ذهاب
رأيك عن الإسلام وَعَقْلُهُ عَقْلُكَ، ومِثْلُ الإسلام يجهله أحدٌ؟! وقد
سألني عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أَيْنَ خَالِدٌ؟» فقلت:
يأتي به الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِثْلُهُ جَهِلَ
الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ يَجَعَلَ نِكَايَتَهُ مَعَ المُسْلِمِينَ عَلَى
المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ». ثم
قال الوليد: فاستدركْ يا أخي ما فاتك فيه؛ فقد فاتتك مواطن صالحة».
وكان
خالد رضي الله عنه يُفَكِّر في الإسلام، فلمَّا قرأ رسالة أخيه سُرَّ بها
وأعجبه مقالة النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فتشجَّع وأسلم.
يقول
خالد عن رحلته من مكة إلى المدينة: (وددت لو أجد مَنْ أُصاحب، فلقيتُ عثمان
بن طلحة، فذكرتُ له الذي أُريد فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعًا فأدلجنا
سرًّا، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص، فقال: «مرحبًا بالقوم». قلنا:
«وبك». قال: «أين مسيركم». فأخبرنَاه، وأخبرَنَا أنه يُريد النبي صلى الله
عليه وسلم ليُسلم، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان).
فلما
رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «رَمَتْكُمْ مَكَّةُ
بِأَفْلَاذِ كَبِدِهَا». يقول خالد: «ولما اطَّلعت على رسول الله صلى الله
عليه وسلم سَلَّمتُ عليه بالنبوة، فردَّ عليَّ السلام بوجهٍ طلقٍ، فأسلمتُ
وشهدتُ شهادة الحقِّ». وحينها قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الحَمْدُ
لِلهِ الَّذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا
يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ». وبايعتُ الرسول وقلتُ: «استغفر لي كل ما
أوضعتُ فيه من صدٍّ عن سبيل الله». فقال: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ
قَبْلَهُ». فقلتُ: «يا رسول الله على ذلك». فقال: «اللهُمَّ اغْفِرْ
لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ
سَبِيلِكَ». وتقدَّم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول
الله.
وقد رأى خالد بن الوليد في منامه كأنه في بلادٍ ضيِّقة جدبة، فخرج
إلى بلد أخضر واسع، فقال في نفسه: «إن هذه لرؤيا». فلمَّا قَدِمَ المدينة
ذكرها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال له: «هو مخرجُكَ الذي هداك الله
للإسلام، والضيقُ الذي كنتَ فيه من الشرك».
خالد بن الوليد بعد إسلامه
وجّه
النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا لقتال الغساسنة، بعد أن اعترض شرحبيل بن
عمرو الغساني عامل قيصر الروم على البلقاء الحارث بن عمير الأزدي رسول
النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب بصرى، وقتله.
وقد انضم خالد وهو حديث
العهد بالإسلام إلى ذلك الجيش ذي الثلاث آلاف مقاتل. واختار النبي صلى
الله عليه وسلم زيد بن حارثة لقيادة الجيش، على أن يخلفه جعفر بن أبي طالب
إن قتل، ثم عبد الله بن رواحة إن قتل جعفر، وإن قتل الثلاثة يختار المسلمون
قائدًا من بينهم.
وبعد مقتل القادة الثلاثة أخذ الراية خالدٌ رضي الله
عنه وأنقذ الله به جيش المسلمين، فقد وضع رضي الله عنه خطة محكمة لإنقاذ
جيش المسلمين حيث قام خالد رضي الله عنه في الليل ونقل ميمنة جيشه إلى
الميسرة، والميسرة إلى الميمنة، وجعل مقدمته موضع الساقة، والساقة موضع
المقدمة، ثم أمر طائفة بأن تثير الغبار ويكثرون الجلبة خلف الجيش حتى
الصباح. وفي الصباح، فوجئ جيش الروم والغساسنة بتغيّر الوجوه والأعلام عن
تلك التي واجهوها بالأمس، إضافة إلى الجلبة، فظنوا أن مددًا قد جاء
للمسلمين، عندئذ أمر خالد رضي الله عنه الجيش بالانسحاب وخشي الروم أن
يلاحقوهم، خوفًا من أن يكون الانسحاب مكيدة، وبذلك، نجح خالد في أن يحفظ
الجيش من إبادة شاملة.
يقول خالد عن يوم مؤتة: «قد انقطع في يدي يومَ مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلَّا صفيحة يمانية».
وقال
النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر الصحابة بتلك الغزوة: «أَخَذَ
الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ،
ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وعيناه صلى الله عليه
وسلم تذرفان-، ثم قال: أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ
حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ»، فسُمِّيَ خالد من ذلك اليوم سيف الله.
وكان
خالد رضي الله عنه قائد إحدى الكتائب التي شاركت في فتح مكة، ولم يلق
أحدهم قتالاً إلا كتيبة خالد، حيث قاتله عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو
وصفوان بن أمية في جند جمعوه لقتال المسلمين، واستطاع خالد أن يظفر بهم،
وقتل منهم عددًا.
ثم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية من ثلاثين
فارسًا لهدم العزى وكانت «الْعُزَّى» صنماً لأهل مكة في موضع قريب من
عرفات، وهي عبارة عن شجرات ثلاث من السَّمْر، وعندها بَنِيَّة عليها أستار،
وكانوا يعبدونها من دون الله عزّ وجلّ، يذبحون عندها ويدعون، فلما فتح
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة أرسل إليها خالد بن الوليد
فهدمها وقطّع الأشجار، ثم رجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تفعل شيئاً»، فرجع خالد رضي
الله عنه، إليها مرّة ثانية فوجد عندها السَّدَنة، فلما رأوه هربوا إلى
الجبال، فجاء فإذا بامرأة عريانة ناشرة شعرها وهي الكاهنة التي كانت تخدم
ذلك الموضع الشركي، وتحضر الجن لإضلال الناس بذلك، فعلاها بالسيف وقتلها،
ثم رجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبره، فقال: «تلك
العُزَّى»، يعني: أن حقيقة العزى هي تلك المرأة التي تغري الناس بذلك
الشرك، وإلا فهي بالأصل شجرة.
وقد شارك رضي الله عنه بعد ذلك في
غزوة حنين، حيث جعله النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ قائدًا على بني سليم،
وأصيب يومها إصابات بليغة ونفث النبي صلى الله عليه وسلم في جرحه فبرأ، كما
شارك خالد أيضًا في غزوة تبوك تحت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن
هناك أرسله الرسول في سرية إلى دومة الجندل، فدخلها وأسر صاحبها أكيدر بن
عبد الملك الذي صالحه الرسول على الجزية، وهدم صنمهم "وُدّ"، في عام 10هـ،
بعث الرسول خالد بن الوليد في سرية من أربعمائة مقاتل إلى بني الحارث بن
كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن
استجابوا له يقبل منهم ويقيم فيهم ويعلمهم دينهم، وإن لم يفعلوا يقاتلهم.
لبّى بنو الحارث بن كعب النداء وأسلموا، فأقام خالد فيهم يعلمهم الإسلام،
ثم كتب خالد إلى الرسول بذلك، فأمره أن يقيم فيهم يعلمهم، ثم ليقبل معه
وفدهم، فوفدوا عليه يعلنون إسلامهم.
خالد بن الوليد في عهد الصديق والفاروق رضي الله عنهما
أَمَّره
الخليفة أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على
قتال المرتدين، فواجه خالد بن الوليد بجيشه سجاح مُدَّعِيَة النبوَّة, كما
واجه مسيلمة الكذَّاب، الذي كان من أشدِّ أولئك المتنبِّئين خطرًا ومن
أكثرهم أعوانًا وجندًا، ودارت معركة عنيفة وهي معركة اليمامة بين الجانبين
انتهت بهزيمة بني حنيفة ومقتل مسيلمة، كما قاتل مالك بن نُوَيْرَة الذي
اتُّهِمَ بالردَّة، ووجهه إلى إخضاع طيئ ثم محاربة مدعي النبوة طليحة بن
خويلد وقبيلته بني أسد، ثم التوجه لإخضاع بني تميم.
بعد أن قضى أبي
بكر الصديق رضي الله عنه على فتنة الردة التي كادت تُمَزِّق الأُمَّة وتقضي
على الإسلام توجَّه الصديق ببصره إلى العراق؛ يُريد تأمين حدود الدولة
الإسلامية، وكسر شوكة الفرس المتربصين بالإسلام.
وكان خالد بن الوليد
رضي الله عنه في طليعة القادة الذين أرسلهم أبو بكر لتلك المهمة، واستطاع
خالد أن يُحَقِّقَ عددًا من الانتصارات على الفرس، واستمرَّ خالد في
تقدُّمه وفتوحاته حتى فتح جزءًا كبيرًا من العراق، ثم اتجه إلى الأنبار
ليفتحها، ولكنَّ أهلها تحصَّنوا بها، وكان حولها خندق عظيم يصعب اجتيازه؛
ولكنَّ خالدًا لم تُعجزه الحيلة، فأمر جنوده برمي الجنود المتحصِّنين
بالسهام في عيونهم؛ حتى أصابوا نحو ألف عين منهم ثم عمد إلى الإبل الضعاف
والهزيلة فنحرها، وألقى بها في أضيق جانب من الخندق؛ حتى صنع جسرًا استطاع
العبور عليه هو وفرسان المسلمين، فلمَّا رأى الفرس ما صنع خالد طلبوا
الصلح، وأصبحت الأنبار في قبضة المسلمين.
ثم اتَّجه خالد رضي الله عنه
إلى عين التمر التي اجتمع بها عدد كبير من الفرس تُؤازرهم بعض قبائل العرب،
فلما بلغهم مقدم خالد هربوا، والتجأ مَنْ بقي منهم إلى الحصن، وحاصر خالد
الحصن حتى استسلم مَنْ فيه، ثم خرج بعد ذلك في جيشه إلى دومة الجندل
ففتحها.
رأى أبو بكر رضي الله عنه أن يتَّجه بفتوحاته إلى الشام بعد
أن ثَبَّت خالد بن الوليد رضي الله عنه أقدامه في العراق، وبعد انتصاراته
الكبيرة على الفرس؛ حتى قال الصديق: «والله لأنسين الروم وساوس الشيطان
بخالد بن الوليد»، ولم يُخَيِّب خالدٌ ظنَّ أبي بكر فيه؛ فقد استطاع أن يصل
إلى الشام في وقت قليل عبر الصحراء.
وما إن وصل خالد رضي الله عنه إلى
الشام حتى عمد إلى تجميع جيوش المسلمين تحت راية واحدة؛ ليتمكَّنُوا من
مواجهة عدوِّهم والتصدِّي له، وقد أعاد خالدٌ رضي الله عنه تنظيم الجيش؛
فقسَّمه إلى كراديس وجعل كلَّ واحد من قادة المسلمين على رأس عدد من
الكراديس، فجعل أبا عبيدة في القلب، ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن
عمرو، وجعل عمرو بن العاص في الميمنة ومعه شرحبيل بن حسنة، وجعل يزيد بن
أبي سفيان في الميسرة.
والتقى المسلمون والروم في وادي اليرموك،
وحمل المسلمون على الروم حملة شديدة، أبلَوْا فيها بلاءً حسنًا حتى كُتب
لهم النصر في النهاية, وقُبيل المعركة تُوُفِّي أبو بكر رضي الله عنه
وتولَّى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أرسل كتابًا إلى أبي
عبيدة بن الجراح يأمره بإمارة الجيش وعزل خالد؛ لأن الناس فُتنوا بخالد؛
حتى ظنُّوا أن لا نصر بدون قيادته، ولكنَّ أبا عبيدة آثر أن يُخفي الكتاب
حتى انتهاء المعركة وتبيّن النصر تحت قيادة خالد، وقد استُشهد من المسلمين
في هذه الموقعة نحو ثلاثة آلاف، فيهم كثير من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
وقد استمر دور خالد بن الوليد رضي الله عنه في الفتوحات
الإسلامية بعد عزل عمر رضي الله عنه له وتولية أبي عبيدة أميرًا للجيش؛
وظلَّ خالدٌ يُقاتل في صفوف المسلمين فارسًا من فرسان الحرب، فكان له دورٌ
بارزٌ في فتح دمشق وحمص وقِنِّسْرِين، ولم يُوهن في عزمه أن يصير جنديًّا
بعد أن كان قائدًا وأميرًا؛ فقد كانت غايته الكبرى الجهاد في سبيل الله.
وقد
كان مع خالد رضي الله عنه بضع شعرات من رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ففي
حجة الوداع ولمَّا حلق الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه أعطى خالدًا
ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته، فلمَّا سقطت منه قلنسوته يوم اليرموك، أضنى
نفسَه والناسَ في البحث عنها؛ فلمَّا عُوتب في ذلك قال: «إن فيها بعضًا من
شعر ناصية رسول الله وإني أتفاءل بها وأستنصر».
وفاته رضي الله عنه
تُوُفِّيَ
خالد بن الوليد بحمص في 18 من رمضان 21هـ، الموافق 20 من أغسطس 642م، وقال
عند موته: «لقد حضرتُ كذا وكذا زحفًا وما في جسدي موضع شبر إلَّا وفيه
ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي،
كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء»، فقد كان حزنه وبكاؤه لشوقه إلى
الشهادة؛ فقد عزَّ عليه أن يموت على فراشه، وهو الذي طالما ارتاد ساحات
القتال.
وحينما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوفاته وكانت نساء بني
مخزوم يبكين عليه قال: «دع نساء بني مخزوم يبكين على أبي سليمان، فإنهن لا
يكذبن، فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي».
وقال: لما مات خالد لم يدع إلا فرسه وسلاحه وغلامه ، فقال عمر: رحم الله أبا سليمان، كان على ما ظنناه به.
وكان
رضي الله عنه يحب الجهاد حباً عظيماً، نصرةً لدين الله، وإرغاماً لقوى
الشر والكفر والطغيان، فشغله الجهاد عن كل مشاغل الدنيا، حتى كان يقول رضي
الله عنه : (ما مِنْ ليلةٍ يُهدى إليَّ فيه عروسٌ أنا لها مُحِبّ أحبُّ
إليَّ مِن ليلة شديدةِ البرد، كثيرة الجليد، في سريَّةٍ أصبِّحُ فيها
العَدُوَّ).
وكان من كلامه رضي الله عنه في ساعة الاحتضار: لقد طلبت
القتل في مظانّه فلم يُقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شئ
أرجى عندي بعد أن لا إله إلا الله من ليلة بِتُّها وأنا متترِّس، والسماء
تُهلُّني تمطر إلى الصبح حتى نُغير على الكفار، ثم قال: إِذا أنا متّ
فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عُدّةً في سبيل الله.
ومن كرامات
خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه لما نزل الحيرة، فقيل له: «احذر السم لا
تسقك الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأُتي به، فالتهمه، واستفه، وقال: بسم
الله، فما ضره»، قال الذهبي رحمه الله: هذه والله الكرامة وهذه الشجاعة.
وقال الأعمش عن خيثمة قال: أتى خالداً رجل معه زق أحمر، فقال: اللهم اجعله خلاً فصار خلاً.
وعن
وحشي بن حرب بن وحشي، عن أبيه، عن جده أن أبا بكر عقد لخالد وقال: إني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد
بن الوليد سيف من سيوف الله سله على الكفار والمنافقين.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم عن خالد: «نِعْمَ عَبْدُ اللهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ».

إرسال تعليق