مقدمة
تعتبر المؤسسة المالية في خلافة عمر رضي الله عنه من أبرز أركان الدولة في مصادرها ومصارفها ودقة نظامها وطهر مسيرتها وشمول عطائها وحيوية مبادئها ورحمة أهدافها وسمو غاياتها، وهي تضاهي حركة الفتوحات في غناها واتساعها وعموم آثارها.
لقد توسعت الموارد المالية من زكوات وصدقات وفيء وخراج وعشور وغنائم، وتدفقت الأموال والكنوز وخيرات الأراضي المفتوحة وفاضت من العراق وفارس والشام والبحرين واليمن ومصر، وترادفت سيولها الدفاعة وصبت في خزائن المسلمين، فقام القوي الأمين أمير المؤمنين وحولها من حوله إلى أقاصي البلاد من حضر ومدر، ووضعها حيث أمر الله تعالى أن توضع.
سياسة عمر المالية
وقام عمر بتطوير النظام المالي في الدولة سواء في الموارد أو المصارف أو ترتيب حقوق الناس، من خلال العطاء ونظام الدواوين. واجتهد في القضايا وفق مقاصد الشريعة التي وضعت لمصالح العباد، معتمداً في هذا على نخبة من ذوي الرأي وأهل الاجتهاد ومجلس الشورى ومن سياسة عمر المالية ما يلي:
تداول الأموال وتشغيلها
ومن ركائز سياسة عمر المالية حرصه على تداول الأموال وتشغيلها؛ لئلا تذهب بها الزكاة مع تعاقب الأعوام فقد كان عنده مال ليتيم، فأعطاه للحكم بن أبي العاص الثقفي ليتجر به، وعندما صار الربح وفيرا من عشرة آلاف درهم إلى مائة ألف درهم شك عمر في طريقة الكسب، ولما علم أن التاجر استغل صلة اليتيم بعمر رفض جميع الربح واسترد رأس المال حيث اعتبر الربح خبيثا. فهو يعمل بمبدأ فرضه على ولاته وهو رفض استغلال مواقع المسؤولية في الدولة.
توفير مورد ثابت للرعية
ومن المبادئ العبقرية في سياسته المالية توفير مورد ثابت للرعية اللأجيال القادمة وتجلى ذلك في موقفه من الأرض المفتوحة وعدم قسمتها على المجاهدين، وقال في ذلك كلمته العبقرية: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي خيبر). وفي رواية: (أما والذي نفسى بيده، لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها)
المال أمانة
ومن الأسس في النظام المالي أن المال أمانة في عنق أمير المؤمنين والولاة وخزنة بيت المال وكل القائمين على شؤونه. والصراط الذي يمشون عليه هو قول عمر: (والله ما كنت أرى هذا المال يحل لي من قبل أن أليه إلا بحقه، وما كان قط أحرم علي منه إذ وليته فعاد أمانتى).
تجنب كرائم أموال الناس
وسن للمصدقين وأشباههم مبدأ رفيعاً فأمرهم أن لا يأخذوا كرائم أموال الناس؛ من ذلك ما روته عائشة أم المؤمنين قالت: (مر عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟! فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين، نكبوا عن الطعام).
تقديم الفقراء على الأغنياء
وكان يعطي الأولوية والتقديم للفقراء والمقلين، ويقدمهم على الأغنياء، ومن أدلة ذلك قوله لعامله على الحمى: (يا هنئ أدخل رب الضريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان!)
المحافظة على أموال الأمة
بلغ عمر في محافظته على المال العام المثل الأعلى لكل مسؤول عن أموال الناس، وأقام الحجة على المتخبطين في أموال الأمة والنهابين لها. عن علي بن أبي طالب قال: (رأيت عمر بن الخطاب على قتب يعدو، فقلت: يا أمير المؤمنين! أين تذهب؟ قال: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه! فقلت: لقد أذللت الخلفاء بعدك! فقال: يا أبا الحسن! لا تلمني فو الذي بعث محمداً بالنبوة لو أن عناقاً أخذت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة!).
المسؤولون والموظفون على بيت المال والخزائن ونحوها في كثير من الحالات كان الولاة مسؤولين عن بيت المال في أمصارهم، لكن مع استمرار الفتوحات وتوسع الدولة وتدفق الأموال وكثرة الخزائن عمد الخليفة إلى تخصيص موظفين وأمناء ومشرفين مهمتهم القيام على بيوت المال والخزائن وتدبير شؤونها وإحصاء الوارد إليها والصادر منها، فلا يفرط بشيء ولا يضيع حق.
نذكر بعضا منهم وهم: أنس بن مالك، حارثة بن مضرب العبدي، عبدالله بن الساعدي، سهل بن أبي حثمة، مسلمة بن مخلد الأنصاري، معاذ بن جبل وغيرهم.
ومن أشهر الموظفين على الجزية والخراج حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، وسعيد بن عامر بن جذيم، وولاة الأمصار كعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان.
والعشارون الذين يأخذون ضريبة العشر من تجار أهل الذمة، ومن هؤلاء: زياد بن حدير، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وعثمان بن حنيف.
وممن تولى إدارة بيت المال عبد الرحمن بن عبد القاري، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وعبدالله ابن الأرقم.
وكان أنس على بيت المال بالبصرة، وابن مسعود على بيت مال الكوفة. في حين استمر عدد من الولاة أمناء على بيت المال والخراج في عدة أقاليم، مثل: شرحبيل بن حسنة في الأردن، ومعاوية في الشام، وعمرو بن العاص في مصر.
طهارة المال ولكل فيه حق
هيمنت سيرة الفاروق الطاهرة وسيطر ورعه الفذ على جميع مؤسسات الدولة لاسيما أخطرها وهو المال. وكانت اللافتة العريضة التي وضعت على أبواب بيوت المال وخزائنه: المال هو مال الأمة، ولكل إنسان بل للبهائم فيه حق، يأخذه ولو كان بأقاصى البلاد ورؤوس الجبال.
وعن أبي سلمة: (عن أبي هريرة: أنه قدم على عمر من البحرين قال أبو هريرة: فلقيته في صلاة العشاء الآخرة فسلمت عليه فسالني عن الناس، ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمس مئة ألف درهم قال: هل تدري ما تقول؟ قلت: جئت بخمس مئة ألف درهم قال: ماذا تقول؟ قلت: مئة ألف، مئة ألف، مئة ألف، مئة ألف، مئة ألف، حتى عددت خمسا. قال: إنك ناعس، فارجع إلى أهلك فنم، فإذا أصبحت فأتنى! قال أبو هريرة: فغدوت إليه، فقال: ماذا جئت به؟ جئت بخمس مئة ألف درهم، قال عمر: أطيب؟! قلت: نعم لا أعلم إلا ذلك).
وجاءه عمال الجزية بمال كثير، فقال لهم: (إني لأظنكم قد أهلكتم الناس! قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا، قال: بلا سوط ولا نوط، قالوا: نعم). وكان يأمر الولاة أن يرسلوا مع الخراج أناساً من أهل البلد ليتأكد عمر من عدم وقوع الظلم، فكان يخرج إليه مع خراج الكوفة عشرة من أهلها، ومع خراج البصرة مثلهم، فإذا حضروا أمامه شهدوا بالله أنه مال طيب، ما فيه ظلم مسلم ولا معاهد.
الموارد المالية
1- الزكاة
سار عمر على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في إرسال المصدقين لجمع الزكاة من أرجاء الدولة، وقد أسلم الكثير من أهل البلدان المفتوحة، ونمت رؤوس أموال المسلمين بسبب مكاسب الفتح والتجارة، مما أدى إلى زيادة عظيمة في مقادير الزكاة. ولم يكن موعد جباية الزكاة متفقا مع موعد دفع العطاء، إذ لا يحول الحول على أموال الرعية في وقت العطاء، لذلك لم تكن الدولة تأخذ الزكاة من العطاء وكان العدل في الجباية ظاهرا دون الإخلال بحقوق بيت المال.
2- الجزية
الجزية هي مقدار من المال يفرض على أهل الكتاب الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي كاليهود والنصارى ومن يلحق بهم ممن لهم شبهة كتاب كالمجوس. وتؤخذ من البالغين من الرجال دون النساء والأطفال.
وتتسم سياسة عمر في فرض الجزية بالعدل والتسامح ومراعاة أحوال الناس، فقد أعفى منها النساء والصبيان غير البالغين، والرجال غير القادرين، وزاد الجزية على أهل الشام أكثر من أهل اليمن مراعيا غنى بلاد الشام بالنسبة لليمن.
3- الغنائم
الغنائم هي ما غلب عليه المسلمون من أموال أهل الحرب حتى يأخذوه عنوة. فلا يدخل فيها (الفيء) وهو ما أخذ من أموال أهل الحرب دون قتال.
وقد توسعت الفتوحات أيام عمر، وفتحت الشام والعراق ومصر وقسم كبير من بلاد فارس، وفتحت مدائن عظيمة، وكثرت الغنائم جدا، لما كانت تتمتع به تلك البلاد من ازدهار اقتصادي وثراء، وما كان عليه الأكاسرة والقياصرة وكبار القوم من ترف مذهل، وما احتوته خزائن ملكهم من كنوز الذهب والفضة واللآلئ والجواهر والتحف.
4- الفئ
الفئ هو ما أخذ من العدو صلحاً بلا حرب ولا قتال. وهو حق للمسلمين جميعا غنيهم وفقيرهم، فيكون منه الإنفاق على مرافق الدولة، ورواتب الجند والموظفين
5- الخراج
الخراج ضريبة على الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة، وأوقفها الإمام لمصالح المسلمين على الدوام.وهو بخلاف الجزية المفروضة عل الأفراد، لا يسقط بإسلام صاحب الحق في استثمار الأرض، سواء كان رجلا أو امرأة، عبدا أو حرا، والمعروف أن الغنائم التي تتمخض عنها الفتوحات من أموال وأراض يكون للدولة خمسها وللمجاهدين أربعة أخماس.
6- العشور
هي ضرائب تفرض على تجارة التجار غير المسلمين الذين يمرون بتجارتهم بأرض الدولة الإسلامية، وهي تشبه الرسوم الجمركية في عصرنا، والموظف الذي يقوم بتحصيلها يسمى العاشر.
ولم تفرض العشور في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وفرضها عمر لأول مرة على التجار غير المسلمين إذا دخلوا ببضائعهم ديار المسلمين، وذلك لأن دولهم كانت تأخذ ضريبة عشرية من التجار المسلمين، فاتبع سياسة المعاملة بالمثل، وتؤخذ من التاجر مرة واحدة في السنة.
قال زياد بن حدير: (أنا أول عاشر عشر في الإسلام).
وقال عبد الرحمن بن معقل: (سألت زياد بن حدير: من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا، قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب، كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم).
وهذه الاستراتيجية العادلة المنضبطة المرنة من أمير المؤمنين؛ شجعت حركة التجارة، وسيولة المال، وكثرة التبادلات التجارية، وتحسن الحالة الاقتصادية، وتأمين سهولة استيراد وتصدير المواد الأساسية والحاجات الضرورية للمسلمين، كما وفرت دخولا جديدة لخزينة الدولة.
بيوت المال والخزائن والحمي
1- بيوت المال
نتيجة ضخامة الأموال الواردة إلى خزائن الدولة، وزيادة النفقات زيادة عظيمة؛ كان لابد من تنظيم الواردات والمصروفات، والاحتفاظ بفائض المال لمدة طويلة، فاتخذ عمر (بيت المال) في المدينة، وممن تولى إدارته معيقيب وغيره. كذلك استحدثت (بيوت الأموال) في الأمصار، وكان ابن مسعود مثلاً يتولى بيت مال الكوفة وبيت المال: هو المكان الذي ترد إليه جميع الموارد التي ذكرناها وتصرف منه جميع مصروفات الدولة من أعطيات الخلفاء ، ورواتب الجند والقضاة والولاة، ونفقات المرافق العامة، وغير ذلك.
2- دار الدقيق
وهي دار يجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه، يعين عمر به المنقطع والضيف ينزل به.
3- دار الأهراء
وهو بيت ضخم يجمع فيه طعام السلطان وقد أنشئت هذه الدار لتموين الجيش، وكان الصحابي عمرو بن عبسة أول من عين لإدارتها.
4- الحمى
وهي أراض خصصت لرعي الإبل والخيل التي تملكها الدولة، وتشمل ما كان للصدقات أو المعدة للجهاد.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حمى (وادي النقيع)، واستمرت حمايته في خلافة أبي بكر وعمر، وقد كثرت المناطق المحمية في خلافة عمر لكثرة ما تملكه الدولة من الإبل والخيل المعدة للجهاد.

إرسال تعليق