تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

فتوحات الشام في عهد عمر بن الخطاب 2


انسحاب المسلمين من الشام

كان أبو عبيدة قد استعمل حبيب بن مسلمة على خراج حمص، فأرسل إليه كتابًا يقول فيه: "أردد على القوم الذين صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئًا، وقل لهم نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما ردنا عليكم أموالكم أنا كرهنا أن نأخذ أموالكم، ولا تمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأرض، ونبعث إلى إخواننا، فيتقدموا علينا ثم نلقي عدونا فنقاتلهم، فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم إلا أن لا تطلبوا ذلك".
وأمر أبو عبيدة برحيل جيش المسلمين إلى دمشق، وأخبر عمر بذلك، وتألم الخليفة من رحيل المسلمين عن حمص وتركهم أرضًا فتحها الله عليهم، وأمد أبا عبيدة بقوة عسكرية إضافية بقيادة سعيد بن عامر.
ثم قرر الخروج إلى الجابية، واستدعاء عمرو بن العاص للانضمام إليهم، ثم يتهيأون للقتال، وهكذا قرر القادة المسلمون الصمود والمقاومة على أرض الشام.

معركة اليرموك

وفوَّض أبو عبيدة في هذه الأثناء سلطانه إلى خالد بن الوليد، فاختار اليرموك مركزًا لتجمع القوات، ووصل المسلمون إلى اليرموك، فوجدوا البيزنطيين قد سبقوهم إليه، فنزلوا عليهم بحذائهم وعلى طريقهم، إذ ليس للبيزنطيين طريق إلا عليهم، وقد بلغ عددهم ستة وثلاثون ألف مقاتل.
عبأ باهان جيشه في كراديس، كل كردوس مؤلف من ستمائة جندي، ثم في فرق وكل فرقة مؤلفة من عشرة كراديس، ورتب هذه الكراديس في ثلاثة خطوط، فوضع أربعة كراديس في الخط الأول، وثلاثة في كل من الخطين الثاني والثالث، ثم وضع الرماة في المقدمة، والخيالة في الجناحين، وبهذه التعبئة شكلت كراديس المشاة قلب الجيش.
أما المسلمون، فإنه لم يكن لهم تنظيم عسكري حديث قبل اليرموك، لكن خالد بن الوليد اعتمد تنظيم الكراديس فعبأ خالد جيشه، مشاة وخيالة في ستة وثلاثين كردوسًا، كل كردوس مؤلف من ألف مقاتل، ثم في فرق، كل فرقة مؤلفة من عدد من الكراديس يتراوح بين عشرة وعشرين كردوسًا، ونشرها على امتداد الجبهة، وأبقى لديه احتياطًا من الخيالة المتحركة، وضعها بإمرته، كما وضع النساء في المؤخرة وراء خطوط المقاتلين للعناية بالجرحى والمرضى وسقاية المقاتلين أثناء القتال، وتشجيعهم وإثارة حماسهم، ورد الرجال الفارين إلى المعركة.

وضع خالد بن الوليد خطته العسكرية على أساس أن يثبت المسلمون أمام هجمات البيزنطيين حتى تتضعضع هذه الهجمات وتتصدع صفوفهم، وأخذ في حسبانه أيضًا إمكان عجز المسلمين عن الصمود، ولكن سوف يختل نظام صفوف البيزنطيين على أي حال، وهنا يكون الوقت مناسبًا للقيام بهجوم مضاد.
ودارت في وادي اليرموك سلسلة من المعارك بين الطرفين على مدى خمسة أيام لم تكن متتالية، انتقل فيها المسلمون من نصر إلى نصر حتى توجوا هذه الانتصارات بضربة قاصمة، وجهوها إلى البيزنطيين يوم الواقوصة، وقاموا بهجوم حاسم في ذلك الوقت، وبدأت جموع البيزنطيين تترنح تحت ضربات المسلمين، وبدا الإرهاق واضحًا عليهم، فمشاتهم وفرسانهم مثقلون بالعتاد والسلاح، مما أثر على مقدرتهم القتالية، فهم قليلو الحركة بطيئو المناورة، في حين يقاتل المسلم راجلًا وفارسًا بخفة وسرعة.
كان باهان يراقب تطور سير القتال، وحين لاحظ تراجع مقدرة رجاله القتالية أدرك أن المعركة خاسرة، فالتمس له ولفرسانه طريقًا للنجاة، ولاحظ خالد ذلك، ففتح له ثغرة باتجاه الشمال نفذ منها، وانسحب من المعركة مع أربعين ألفًا من فرسانه، وحمل المسلمون على من تبقى من القوات البيزنطية، والتي كانت أشبه بكتل بشرية ضخمة تدور حول نفسها، فتراجع الجنود تحت ضغط القتال نحو وادي اليرموك دون وعي، فسقط أكثرهم في الواقوصة.
بلغت خسائر البيزنطيين سبعين ألفًا، وقدرت خسائر المسلمين بثلاثة آلاف قتيل وجريح، كان من القتلى عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الأزور وهشام بن العاص وأبان بن سعيد وغيرهم، وكتب أبو عبيد بالنصر إلى عمر، وأرسل إليه سفارة صغيرة وكان عمر لم ينم منذ ثلاثة أيام، وهو يتسقط أخبار اليرموك، وعندما جاءه البشير خر ساجدًا، وشكر الله.

فتح قنسرين

عاد أبو عبيدة بن الجراح بعد الانتصار إلى حمص، وأرسل خالدًا إلى قنسرين، وتقع على الطريق بين حلب وأنطاكية، وعندما علم البيزنطيون، وحلفاؤهم العرب المتنصرة بقدوم خالد إليهم اختاروا الاصطدام به بقيادة ميناس، فخرج هذا على رأس الجيش إلى الحاضر، وهو مكان قريب من قنسرين وعسكر فيه، وفي الوقت الذي كان يعبئ قواته انقض عليه خالد فجأة، فتغلب عليه وقتله، وأباد جنده. واعتصم أهل قنسرين بحصنهم، فأنذرهم خالد، فطلبوا الأمان، وعرضوا الصلح على شروط حمص مع دفع الجزية.

فتح حلب

تابع أبو عبيدة تقدمه إلى حلب، وكان يسكن في ظاهر المدينة كثير من القبائل العربية، فصالحهم على الجزية، وتصدت له حامية المدينة، وأحرزت بعض التقدم خلال المواجهة، ويبدو أن سكان حلب داخلهم الخوف من توجيه ضربات مضادة من جانب المسلمين، وبخاصة أن معظم المدن سقطت في أيديهم، ولن تكون حلب أمنع من غيرها من هذه المدن، فطلبوا الأمان والصلح وأقروا بالجزية، وتم الصلح على مثل صلح حمص، وكتبت المعاهدة للحفاظ على أرواحهم، وأموالهم.

فتح أنطاكية

سار أبو عبيدة بعد ذلك إلى أنطاكية، وكانت مركزًا لجيوش الإمبراطورية البيزنطية، وعاصمة الدولة البيزنطية في بلاد الشام، ومقر هرقل ومأمنه، وكان قد لجأ إليها كثير من البيزنطيين، وفتح أثناء زحفه عزاز بدون قتال، وحاولت قوة عسكرية خرجت منها وقف تقدمه إلا أنها فشلت، واضطر أفرادها للعودة، والتحصن بالمدينة، ولما وصل أبو عبيدة إليها ضرب الحصار عليها، وجرت مناوشات بين الطرفين اضطر بعدها السكان إلى طلب الصلح، وأقروا بالجزية، ووافق أبو عبيدة على طلبهم، ودخل المسلمون بعد ذلك إلى المدينة، وأمر عمر أبا عبيدة بشحنها بالمقاتلين.

فتح أقصى شمال بلاد الشام

كان من الضروري، لتأمين الفتوح الإسلامية في بلاد الشام من التعرض لردات فعل البيزنطيين بالسيطرة على منطقة أقصى شمالي البلاد الملاصقة للحدود مع آسيا الصغرى، لذلك نشر أبو عبيدة فرقه العسكرية في جميع أنحاء المنطقة، ففتحت المدن الصغيرة والقرى بسهولة نظرًا لانعدام المقاومة الجدية، نذكر منها: معرة مصرين، بوقا، الجومة، سرمين، مرتحوان، تيزين، خناصرة، قورس، الساجور، منبج، مرعش اللاذقية، أنطرطوس وغيرها، وقد صالحت هذه المدن، والقرى المسلمين على عهود الصلح.

فتح ساحل بلاد الشام

خرج يزيد بن أبي سفيان من دمشق على رأس قوة عسكرية متوجهًا نحو الساحل، وصحبه أخوه معاوية، واجتاز الطريق الذي يمر بمنعطفات جبال لبنان، وكان الطريق خاليًا من أي قوة بيزنطية بعد الضربة التي تلقاها البيزنطيون في اليرموك، حتى أن أرض بلاد الشام فتحت على مصاريعها أمام المسلمين الذين تعدوا الداخل إلى إقليم الساحل دون مقاومة، ففتح صيدا وعرقة وجبيل وبيروت.

استكمال فتح الأردن وفلسطين

استكمل شرحبيل بن حسنة فتح الأردن، وكان قد دخل أكثره في طاعة المسلمين إثر معركة بيسان، ففتح سوسية وأنيق وجرش، وبيت رأس والجولان وغلب على سواده وجميع أرضه.
وتوجه عمرو بن العاص إلى قطاعه فلسطين، ففتح سبسطية الواقعة إلى الشمال الغربي من نابلس، ثم فتح نابلس، وأعطى أهلها الأمان على أنفسهم، وأموالهم، ثم فتح اللد ونواحيها ويبني وعمواس وبيت جبرين، ثم هبط جنوبًا ففتح رفح، وحاصر قيسارية التي تعد من أشهر المدن آنذاك.

فتح القدس

استعصت القدس على عمرو بن العاص فأرسل إلى أبو عبيدة يطلب المدد فجاء أبو عبيدة بنفسه على رأس الجيش ومعه بقية القادة ووجه أبو عبيدة رسالة لأهل القدس خيَّرهم فيها بين الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال. فكان أن رفض بطريركها صفرونيوس الذي تولى قيادتها بعد فرار بطريكها وتحصن بالمدينة آملا في وصول إمدادات ونجدات رومية إليه، خصوصًا وهو يعلم أهمية القدس لدى الروم النصارى، وظنًا منه أن المسلمين لن يستطيعوا تحمل برد القدس الشديد، مما سيضطرهم لفك الحصار عندما يشتد البرد.
ولكن ظهرت مقدرة المسلمين على تخطي الشدائد، فتحملوا برد القدس الشديد وأمطارها الغزيرة، ولاقوا من ذلك عنتًا كبيرًا ولكن لم يفت في عزيمتهم ولم يفكروا في فك الحصار، وعند حلول فصل الربيع، رأي صفرونيوس أن ما توقعه لم يحدث، فلا الروم أنجدوه، ولا البرد أجبر المسلمين على فك الحصار. فلم يجد بدًا من عرض التسليم على أبي عبيدة، ولكنه اشترط أن يحضر الخليفة بنفسه من المدينة المنورة ليتسلم القدس ويعطي أهلها عهدًا، وذلك لما كان يسمعه عن الخليفة عمر بن الخطاب من عدالة، ورفق، ووفاء بالعهد.
فكتب أبو عبيدة للخليفة، يخبره بأحوال المسلمين والنصارى، وبما عرضوه عليه من تسليم المدينة للخليفة شخصيًا، وأشار عليه بالحضور لأن في ذلك حقنًا لدماء المسلمين.
وهنا لجأ عمر بن الخطاب لاستشارة الصحابة، فأشار عليه بعضهم بالخروج ويشير بعض آخر بعدم الخروج. ولكنه فضل الخروج رغم مشاق السفر، ويستخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واصطحب خادمه وبعض أصحابه منهم عبادة بن الصامت، والزبير بن العوام، والعباس بن عبد المطلب.
وعندما وصل عمر رضي الله عنه إلى القدس استطلع أبا عبيدة على ما كان من أمر القتال، فقص عليه أبو عبيدة تفصيلًا لما جرى، وما أصاب المسلمين وأهل القدس من الضيق والشدة، فبكى عمر، وأمر فورًا بأن يبلغوا البطريرك قدومه، ففعل أبو عبيده ما أمره به الخليفة. وعند ذلك خرج صفرونيوس ومعه الرهبان والصلبان ووجوه النصارى، فلما انتهوا إليه، خف للقائهم، وقد حياهم بالسلام، واقتبلهم بمزيد من الاحتفاء والإكرام. وبعد أن تجاذب والبطريق أطراف الحديث، في شأن المعاهدة والتسليم، أخذ قرطاسًا وكتب لهم وثيقة أمانهم كما طلبوا.
وقد رفض عمر عند دخوله المدينة أن يصلي في كنيسة القيامة وصلى على مقربة منها. وعندما فرغ من صلاته قال للبطريرك: أيها الشيخ لو أنني أقمت الصلاة في كنيسة القيامة، لوضع المسلمون عليها أيديهم في حجة إقامة الصلاة فيها، وأني لآبى أن أمهد السبيل لحرمانكم منها، وأنتم بها أحق وأولى.

فتح قيسارية

أرسل عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان بأن يبعث أخاه معاوية لفتح قيسارية بهدف إضعاف الجبهة البيزنطية، ومنع البيزنطيين من مساعدة سكان بيت المقدس المحاصرين آنذاك، وتولى يزيد حصار المدينة بعد فتح بيت المقدس لكنه مرض أثناء الحصار، فاستخلف عليها أخاه معاوية، وعاد إلى دمشق حيث توفي بها متأثرًا بإصابته بطاعون عمواس.
وشدد معاوية الحصار عليها، وجرت مناوشات بين الجيش الإسلامي وحاميتها، ويبدو أن البيزنطيين أرادوا الاحتفاظ بهذه المدينة لذلك استماتوا في الدفاع عنها، ولم يتمكن معاوية من فتحها إلا بمساعدة اليهود، فقد ثار اليهود في قيسارية، فأرسل هرقل أخاه ثاودووس، فأخضع الثورة وقتل معظم من فيها من اليهود وفر من نجا، كان لهذه الحادثة أثرها الإيجابي على عملية الفتح، فجاء رجل يهودي يدعى يوسف إلى معسكر معاوية، ودله على نفق يصل إلى بوابة القلعة داخل المدينة، فتسللت مجموعة من المقاتلين عبر ذلك النفق، وفتحوا البوابة فدخل منها الجيش الإسلامي، فوجئ البيزنطيون عندما رأوا الجنود المسلمين داخل المدينة، وتولاهم الذعر، ولما أرادوا الفرار عبر النفق، وجدوا جنود المسلمين عليه، فقتل معظمهم.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب