فتح قوموس
بعد سيطرة المسلمين على مدينة الري انفصل سويد بن مقرن بجيشه عن جيش أخوه نعيم بن مقرن، وتوجه إلى قوموس لفتحها وهي تبعد عن الري ثلاثمائة وخمسين كيلومتر، وفي الطريق كانت الجيوش تفِرُّ من أمامه إلى قومس، وما إن وصل إليها حتى خرج إليه ملكها وأهلها طالبين الصلح مع المسلمين على أن يعطوا الجزية؛ فعقد معهم معاهدة, كما كاتَبَ جرجان وطبرستان يخبرهم بوصوله قومس ويعرض عليهم الإسلام أو الجزية أو القتال؛ فراسله أهل جرجان وطبرستان بقبول الصلح وإعطاء الجزية.
وكان نص المعاهدة: "هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول بن رزبان وإلى أهل جرجان أن لكم الذمة وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاؤه في معونته عِوَضًا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومِلَلِهم وشرائعهم، ولا يغيّر شيء من ذلك هو إليهم ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين ولم يبدُ منهم سَلٌّ لسيف، ولا غَلٌّ لمال، وعلى أن من سب مسلمًا بلغ جهده ومن ضربه حلَّ دمه".
وهذه المعاهدة تختلف عن المعاهدات السابقة فهنا أسقط سويد بن مقرن الجزية عن أهل جرجان في مقابل أن يقوموا بالدفاع عن المدينة ويدفع لهم في بعض الأحيان، وسبب ذلك أنه أصبح تعداد الجيش الإسلامي قليلاً بحيث لا يستطيع حماية كل المدن التي فتحها، فقاموا بتوظيف الفرس لحماية المدينة.
وبعقد الصلح مع جرجان وطبرستان وتسليم الدولتين انتهت مهمة الجيش الثاني، وقد استحسن عمر بن الخطاب هذه المعاهدة.
فتح أذربيجان
كان عمر رضي الله عنه قد وجه إلى أذربيجان جيشين أحدهما بقيادة بكير بن عبد الله والآخر بقيادة عتبة بن فرقد، ومنطقة أذربيجان تقع غرب بحر قزوين، ومنطقة الباب في شمال منطقة أذربيجان، وأيضًا على بحر قزوين، وفوق منطقة الباب مملكة الترك.
وضع عمر بن الخطاب خطة محكمة وهو في المدينة لفتح منطقة الباب وأذربيجان، فأرسل جيش بكير بن عبد الله من الكوفة إلى شرق أذربيجان، وفي الوقت نفسه أرسل جيشًا آخر على رأسه عتبة بن فرقد من الكوفة ومرورًا بالموصل حتى وصل إلى أذربيجان من الغرب، فيؤدي ذلك إلى انقسام جيش أذربيجان إلى قسمين نصفه في الشرق والآخر في الغرب.
تقدم بكير بن عبد الله بالجيش حتى وصل إلى مدينة جرميذان وهي مدينة كبيرة شرق أذربيجان، وفيها إسفندياذ شقيق رستم، ودخل بكير بن عبد الله في معركة شرسة مع القوات الفارسية في جرميذان، وكان القتال صعب على المسلمين في الجبال إلا أن المسلمين صبروا على القتال، وأنزل الله نصره عليهم بعد عدة أيام، وتمكن بكير من أَسْرِ إسفندياذ، فقال له إسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، فقال له: أمسكني عندك؛ فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء إليهم لم يصالحوك.
وهرب أهل أذربيجان إلى الجبال بعد الهزيمة، وبدأوا في حرب من حروب العصابات، ولم يكن في شرق أذربيجان جيش منظم للفرس، ولكن كانت هناك فرق تهاجم المسلمين وينتصر عليهم المسلمون، فقال إسفندياذ لبكير: ليس أمامك إلا أن تصالحني وأكون أنا على هذا الصلح.
وكان جيش عتبة بن فرقد قد تقدم غرب أذربيجان والتقى في أردبيل مع شقيق رستم الثاني في موقعة شديدة، وانتصر عتبة بن فرقد على جيش الفرس وقتل أخ رستم الثاني.
لما علم أهل أذربيجان بسقوط الجبهة الغربية لأذربيجان وأسر قائدهم "إسفندياذ" وأنه ما زال حيًّا، ومن الممكن أن يعود لو صالحوا المسلمين، رجعوا من الجبال، ووافقوا على الجزية، وصالحوا المسلمين على نفس معاهدة جرجان.
وكان بكير بن عبد الله هو قائد الجيوش في أذربيجان، وبعد أن تم الصلح أصبح هو أمير أذربيجان؛ فأرسل إلى عمر بن الخطاب يقول فيها: أَرسِلْني إلى أرض من أراضي الجهاد. فوافق عمر بن الخطاب على طلبه، واستخلف مكانه في شرق أذربيجان سمَّاك بن خرشة وهو قادم من "واج روذ" بجيش بعثه نعيم بن مقرن واستخلف على كل أذربيجان عتبة بن فرقد.
قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
وبعد أن أصبحت أذربيجان تحت إمرة عتبة بن فرقد بدأ بتقسيم الغنائم في أذربيجان، فأرسل خمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب وأرسل مع الخمس طعامًا من أرض أذربيجان لا يوجد في الجزيرة العربية؛ ليأكل منه عمر بن الخطاب، وتوجه الرسول إلى عمر بن الخطاب ودفع إليه خمس الغنائم والطعام.
تذوق عمر بن الخطاب الطعام وقال: والله إنه لطيِّبٌ، هل أكل جيش المسلمين منه؟ فقال الرسول: بل هو شيء خَصَّك به عتبة.
فغضب عمر غضبًا شديدًا وأرسل رسالة إلى عتبة بن فرقد يقول له فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد فليس من كَدِّكَ، ولا كَدِّ أُمِّك، ولا كَدِّ أبيك، لا نشبع إلا مما يشبع منه المسلمون.
فتح الباب
كما أمر عمر بن الخطاب بكير بن عبد الله أن يذهب إلى سراقة بن عمرو ليساعده في فتح مدينة "الباب".
فذهب بكير بفرقة صغيرة إلى منطقة باب الأبواب ليلحق بجيش المسلمين الذي على رأسه سراقة بن عمرو، وقد أقلع سراقة بن عمرو من الكوفة إلى منطقة "الباب"، ومدينة باب الأبواب من أكبر مدن "الباب" وتقع على مدينة بحر قزوين، وسميت باب الأبواب لأنها مبنية على أبواب طرق كثيرة مؤدية إلى الجبل فهي منطقة جبلية، ولا يستطيع أحد صعود تلك الجبال إلا بعد أن يدخل من مدينة باب الأبواب، وكان سراقة بن عمرو القائد العام للجيوش، وعلى مقدمة الجيوش عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي.
كما أرسل عمر بن الخطاب من الجزيرة جيشًا على رأسه حبيب بن مسلمة ليدخل المدينة من غربها، وكان جيش سراقة متقدم ليدخل المدينة من شرقها، وعندما علم حاكم المدينة بتقدم المسلمين نحوه سارع حاكم مدينة الباب شهربراز لطلب الصلح، ووضع هو الشرط بأن يدافع أهل الباب عن الباب نظير إسقاط الجزية.
بعد فتح الباب أصبح المسلمون على حدود بلاد الترك، وفي أثناء ذلك توفى سراقة بن عمرو، واستخلف مكانه قبل وفاته عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي قائد مقدمة المسلمين، وأقِرُّه عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، فأصبح عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي أمير منطقة الباب.
وجهز عبد الرحمن بن ربيعة جيشه، وأرسل إلى شهربراز وتقدم بالجيش إلى ناحية الشمال ليفتح بلاد الترك، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد غزو بَلَنْجَر والترك. قال: لقد رضينا منهم ألا نغزوهم ولا يغزونا. فقال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، وتالله إن معنا أقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: وما هم؟ فقال عبدالرحمن: هم أقوام صحبوا رسول الله، ودخلوا في هذا الأمر بِنِيَّة، ولا يزال هذا الأمر لهم دائمًا، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم من يغلبهم.
ولم يجد شهربراز حيلة، ودخل عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي بجيشه إلى بلاد الترك، وتوغل بجيشه في بلاد الترك مسافة ألفًا ومائة كيلو مترٍ من غير مقاومة تذكر.
وكان جيش الترك يفر من أمام المسلمين رغم قوة جيشهم وكان على رأسهم ملكٌ يُلقب بالخاقان ذو بأس وقوة، وكان سبب ذلك هو انتشار شائعة بينهم مصدرها الترك أنفسهم وهي أنهم قالوا: ما جرأهم على أرضنا، ودخول بلادنا، وقدومهم من الجزيرة العربية، وغزوهم فارس، ثم الدخول في مملكة الترك إلا أن الملائكة تحميهم، وأنهم لا يموتون؛ فكانت الجيوش التركية تهرب من أمام المسلمين، وجيوش المسلمين تفتح بلاد الترك، حتى وصل عبد الرحمن الباهلي إلى مسافة ألف ومائة كيلو متر، وسيطر على هذه المنطقة، وبدأ بوضع الحاميات، وعاد عبد الرحمن الباهلي إلى منطقة الباب.

إرسال تعليق