استئناف الفتوحات الإسلامية
ذكرنا من قبل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر المسلمين بوقف الفتوحات وعدم التوغل في بلاد فارس ولكن بعد معركة نهاوند تغير الوضع وأصبح من الضروري القضاء على دولة الفرس تماماً.
وقد جاء الأحنف بن قيس فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وإن ملك فارس بين أظهرهم، ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنَّا لم نأخذ شيئًا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح، فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس. فقال: صدقتني والله! ونظر في حوائجهم وسرَّحهم. وأتى عمرَ الكتابُ باجتماع أهل نهاوند، فأذن في الانسياح في بلاد الفرس.
فتح همذان
تولي حذيفة بن اليمان قيادة الجيش بعد استشهاد النعمان بن مقرن، وبعد السيطرة على مدينة نهاوند تحرك الجيش الإسلامي إلى همذان، فوصلت مقدمة الجيش إلى همذان ورغم أن حصونها من أقوي الحصون إلا أن صاحب همذان وأهلها خرجوا يطلبون من القعقاع الصلح على الجزية فصالحهم.
فتح أصبهان
بعد فتح همذان كان عمر رضي الله عنه يفكر بأي بلاد فارس يبدأ، ولكن الفرس كانوا أسرع وتجمعوا في أصبهان، فقرر عمر أن يبعث جيشًا إلى أصبهان، فأرسل رسالة إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان والي الكوفة يأمره بتجهيز جيش إلى أصبهان، وأن يقود الجيش بنفسه ويترك على الكوفة زياد بن حنظلة ليصبح والي الكوفة وأراضي فارس، ولكنه وجد صعوبة في التعامل مع أهل الكوفة فأرسل إلى عمر يطلب عزله، ووافق عمر وعين عمار بن ياسر رضي الله عنه مكانه.
تحرك جيش عبد الله بن عتبان من الكوفة إلى نهاوند، وأمره عمر أن يأخذ نصف جيش حذيفة بن اليمان ويتحرك بها إلى أصبهان، ثم أرسل عمر برسالة إلى أبي موسى الأشعري وهو والي البصرة في ذلك الحين مضمونها أن يخرج أبو موسى الأشعري على رأس الجيش القافل من البصرة ويتجه إلى أصبهان من جهة الجنوب، وذلك لأن عمر أراد أن يحاصر أصبهان ويهاجمها من طريقين من الطريق الشمالي ومن الطريق الجنوبي.
وصل عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى أصبهان قبل أبي موسى الأشعري، فقابله جيش أصبهان خارج مدينة أصبهان وقائد الجيوش بندار، وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه، شيخ كبير ومن المقاتلين المهرة.
والتقى الجيشان وذلك قبل وصول جيش أبي موسى الأشعري؛ وكانت على مِنْوال معركة نهاوند، وانتصر عبد الله بن عبد الله بن عتبان على هذه الفرقة، وقتل عبد الله بن ورقاء شهربراز قائد مقدمة جيوش أصبهان.
ثم انسحب الجيش الفارسي إلى داخل أصبهان وتحصَّن داخل مدينة "جَيّ"، ووقف المسلمون محاصرين الحصن، وعلى رأس الحصن رجل يسمى "فاذوسفان" وكان أمير مدينة أصبهان، فقاتل المسلمين، وكعادة الفرس يحاربون من وراء جدر؛ فإذا انهزموا تحصنوا وراء الجدر.
وطال الحصار حتى ظن الفرس الهزيمة، فخرج الفاذوسفان رافعًا راية يريد أن يتحدث إلى قائد المسلمين، فقال لعبد الله بن عبد الله بن عتبان: لا تجعل أصحابك يقتلون أصحابي، ولكن اخرج لي فإن قتلتُك رجع أصحابك، وإن قتلتني سالمك أصحابي، وإن كان أصحابي لا يسقط لهم نشَّابة.
وافق عبد الله بن عبد الله بن عتبان وخرج إلى الفاذوسفان، واختارا أن يكون القتال بالرمح لا بالسيف، فقال عبد الله بن عبد الله بن عتبان: تحمل عليَّ أو أحمل عليك؟.
فقال الفاذوسفان: بل أحمل عليك، فوافق عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وتترَّس بترسه فهجم عليه الفاذوسفان وضربه ضربة قوية تفاداها عبد الله، ولكن أصاب الرمح سرج فرسه فقطعه، فوقع من على الفرس واقفًا، ثم اعتلى فرسه بقفزة واحدة، وقال للفاذوسفان: هذه نوبتي التي أهجم فيها.
ولكن الفاذوسفان لما رأى مهارة عبد الله، قال له في خبث ومكر: إنك رجل كامل ولا أشتهي قتلك، فارضَ مني الصلحَ على أن يعطيك أهل أصبهان الجزية كما تطلب، ومن شاء منهم ألا يعطيك الجزية ترك المدينة وترك لك أرضه وماله، والأرض التي امتلكتها عنوة هي لك، فوافق عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وأخذ منهم الجزية. وبذلك دانت منطقة أصبهان وما حولها من المناطق للمسلمين، وتم فتح أصبهان سنة إحدى وعشرين هجرية. وبدأ المسلمون يرتبون القوات والمسالح في أماكن مختلفة على الحدود الواسعة، وأصبحت الأراضي الفارسية من تُسْتَر إلى أصبهان في أيدي المسلمين.
التخطيط لفتح بلاد فارس
قرر عمر بن الخطاب رضي الله عنه القضاء على الدولة الفارسية، وكانت خطته أن يرسل الكثير من الجيوش في اتجاهات مختلفة لقتال الفرس. فأرسل عمر رضي الله عنه خمسة جيوش لفتح شمال بلاد فارس: الجيش الأول وعلى رأسه نعيم بن مقرن، في اتجاه همذان؛ لأنها نقضت صلحها مع المسلمين، وقال عمر بن الخطاب لنعيم: إذا تم فتح همذان فتوجه إلى الري.
الجيش الثاني وعلى مقدمة الجيش سويد بن مقرن، وقد أمره عمر إذا وصل إلى الري أن يخرج سويد من جيش نعيم ويذهب إلى فتح بلدة قُومِس، ثم يذهب لفتح جرجان، ثم يذهب لفتح طبرستان.
وأخرج عمر جيشين آخرين ووجههما إلى أذربيجان بقيادة بكير بن عبد الله وعتبة بن فرقد، والجيش الخامس وعلى رأسه سراقة بن عمر، وسيفتح منطقة "الباب" في شمال أذربيجان.
فتح همذان والري
بدأت الجيوش الإسلامية في التحرك، ووصل جيش نعيم بن مقرن إلى همذان وعلى المقدمة سويد بن مقرن، فلما وصلت المقدمة قابلها أهل همذان بالحرب، ولكن المسلمين هاجموا الفرس هجوماً شديداً مما دفع الفرس إلى طلب الصلح مرة أخرى، فعقد معهم معاهدة هي نفس المعاهدة التي عقدها المسلمون مع أهل أصبهان.
وبعد فتح همذان تجمعت قوات أخرى وكان ملك الرَّيِّ قد أرسل قائدًا اسمه "الزينبيّ"، وعسكر الزينبي في منطقة "وَاج رُوذ" وأرسل رسائل إلى أهل فارس: منها رسالة إلى أهل قزوين، وإلى أذربيجان ليمدوه بمدد، فجاءه مدد من أهل قزوين على رأسه "موتا"، ويأتيه من أذربيجان مدد على رأسه "إسفندياذ" شقيق رستم، فتجمع في "وَاج رُوذ" ثلاثة جيوش: جيش من الرَّيِّ، وجيش من مدينة قزوين، وجيش من أذربيجان.
ونقلت عيون المسلمين إلى نعيم بن مقرن خبر الجيوش الثلاثة وتجمعهم في واج روذ، فتحرك نعيم بالجيش إلى "واج روذ" والتقي مع جموع الفرس؛ وقد قُتِلَ من الفرس في هذه المعركة ما لا يحصى عَدَدُه، وبعد الانتصار الذي حققه نعيم بن مقرن توجه بالجيش إلى الري.
وكان إسفندياذ قد هرب إلى أذربيجان، وهرب الزينبي إلى الري، وأثناء سير الجيش من "واج روذ" إلى الري أتي الزينبي يريد الصلح، فقبل منه نعيم بن مقرن وأخذه هو ومن معه بعد أن قبلوا الصلح مع المسلمين، وتوجه بكل المجموع إلى منطقة الري، وهناك التقى نعيم بن مقرن مع أهل الري في معركة عظيمة في سفح جبل الري مع الفرس وانتصر ولما جاء الليل انسحب الجيش الفارسي إلى داخل المدينة، وحاصر نعيم بن مقرن المدينة منتظرًا الصباح فجاءه الزينبي، وقال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة؛ فابعثْ معي خيلاً أدخلْ بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنهم إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك على أن تعطيني العهد على هذه المنطقة.
فبعث معه نعيم خيلاً من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو بن مقرن، فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وشاغلهم نعيم بالقتال فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم؛ فانهزموا وقُتِلُوا مقتلة عظيمة وكَثُرَ السبي، وأفاء الله على المسلمين "الري". ومن حول مدينة الري أعطى لهم نعيم الأمان على أمان الزينبي، وأصبح الزينبي أميرًا على تلك المنطقة.
إرسال تعليق