التحرك إلى نهاوند
تجمعت الجيوش الفارسية في مدينة "ماه" على بُعد مائة وثلاثين كيلو مترًا من نهاوند، وعندما وصلت الجيوش الإسلامية وجدوا أن الجيش الفارسي عسكر خارج مدينة نَهاوَنْد وعلى رأسه الفيرزان؛ فحَفَّز النعمان الجيش وبدأ في التكبيرات، ولما كبر المسلمون تزلزلت الأعاجم وخُلِعَت قلوبهم، وكان تعداد الجيش الفارسي مائة وخمسين ألف فارسي، وتعداد الجيش الإسلامي ثلاثون ألف مسلم، ونشب القتال وكان عنيفًا وشديدًا، ومضي يوم على القتال بين المسلمين والفرس ولم يحقق أيُّ الفريقين انتصارًا، وبقدوم الليل توقف القتال لتعاد الكَرَّة في الصباح، وانتهى اليوم الثاني، وأدرك الفرس أن المعركة إن استمرت على تلك الحالة ستكون الغلبة للمسلمين.
انسحاب الفرس
بعد أنتهاء اليوم الثاني، أدرك الفرس أنهم يستعرضون لهزيمة، فانسحب الجيش الفارسي ليتحصن بداخل مدينة نَهاوَنْد، وفي اليوم الثالث لم يجد المسلمين جيش الفرس كما، فقد انسحب بداخل نَهاوَنْد وأغلق على نفسه الحصون العالية، ومنطقة نَهاوَنْد منطقة جبلية، وحصن نَهاوَنْد فوق جبل عالٍ، ومكان الحصن كان يعطي قوة كبيرة للفرس، فبينما هم بالداخل كان المسلمون أسفل الحصن، وبإمكان الفرس أن يصلوا إلى المسلمين بسهامهم، ومن الصعوبة أن يصل المسلمون إلى الفرس بسهامهم، فكان الحصار فيه مشقة كبيرة على المسلمين، واستمر الحصار فترة تقترب من الشهر، وكانت من أشد الفترات على المسلمين، لأن هذا الشهر تزامن مع فصل الشتاء، وكان الجو شديد البرودة خاصة في المرتفعات.
لما طال على المسلمين هذا الحال جمع النعمان بن مقرن أهل الرأي من الجيش، وتشاوروا في ذلك، فقال النعمان: "قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم، وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟".
فتكلم عمرو بن ثُبَيٍّ أولاً فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم.
فرد الجميع عليه وقالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا.
وتكلم عمرو بن معديكرب فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم.
فردوا جميعًا عليه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدران أعوان لهم علينا.
وهنا قام طليحة الأسدي فقال: إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن ينسحب الجيش الإسلامي من أمامهم بكامله، ثم تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم، فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابًا، فإذا استطردوا وراءهم وأرّزوا إلينا عزمنا أيضًا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكُّون في الهزيمة، فيخرجون من حصونهم على بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا.
اعجب الناس بهذا الرأي، وفكر النعمان في من يختار لهذه المهمة الصعبة، فوقع اختياره على القعقاع بن عمرو، وبدأ تنفيذ الخطة فتحرك في الظلام ناحية مدينة نَهاوَنْد، وفي الوقت نفسه انسحب الجيش الإسلامي واختفي وراء جبل من الجبال البعيدة، ولم يظهر أمام نَهاوَنْد إلا القوات التي مع القعقاع بن عمرو التميمي.
تنفيذ الخطة
وفي صباح اليوم التالي بدأ المسلمون برشق المدينة بالسهام الكثيرة، وكانوا فرقة من الرماة المهرة استطاعت أن تصل سهامهم إلى داخل حصون نَهاوَنْد، ووجد الفرس أن هذه الفرقة تسبب لهم الأذى رغم قلة العدد؛ فَغَرَّهم ذلك وخرجوا للقتال، ونشب القتال وكانت معركة من أشد المعارك، وبدأ القعقاع في تنفيذ الخطة التي اتفق عليها المسلمون، فأظهر الهزيمة حتى أخرجهم من خنادقهم وقد تواثقوا أن لا يفروا، وقد قرن بعضهم بعضًا كل سبعة في قِرَان، وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا.
وحدث ما توقعه طليحة فقد خرج الفرس كلهم لمطاردة فرقة القعقاع ولم يبقَ أحدٌ إلا من يقوم على الأبواب، ولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس عن حصنهم، وكان الجيش الإسلامي يقف خلف جبل يراقب الموقف من بعيد، وأصبح القتال من الشدة بمكان على الفرقة الإسلامية التي يقودها القعقاع بن عمرو؛ وقد أمر النعمان الناس أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم، لئلا ينسحب الفرس، فما زالت بقية الجيوش الفارسية داخل حصونهم، ففعل المسلمون واستتروا بالحجف من الرمي، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح.
وقال بعض الناس للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه، فما تنتظر بهم؟ ائذن للناس في قتالهم. فقال: رويدًا رويدًا، وظل على موقفه حتى جاءه المغيرة بن شعبة وقال: إن القتال قد اشتد على القعقاع ومن معه، ولا أرى ذلك رأيًا، ولو كنت مكانك لناهدتهم، فقال النعمان: رويدًا رويدًا ترى أمرك، نحن نرجو في المكث ما ترجو أنت في الخروج، وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال.
ووقف النعمان يخطب في المسلمين، فقال: "قد علمت ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم أوله وسيلحق بكم آخره، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد ترون ما أنتم بإزائه من عدوكم، وما اخترتم وما اختاروا لكم، فأما ما اختاروا لكم فهذه الرثَّة وما ترون من هذا السواد، وأما ما اخترتم لهم فدينكم، ولا سواء ما اخترتم وما اختاروا، فلا يكونُنَّ على دنياهم أحمى منكم على دينكم، وأتقى عبادِ الله رجلٌ صَدَقَ الله، وأبلى بنفسه فأحسن البلاء، وإنكم تنتظرون إحدى الحسنيين: من بين شهيد حيٍّ مرزوقٍ أو فتح قريب، فليكفِ كل رجل ما يليه، ولا يكلْ أحدكم قرنه إلى أخيه، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه، فعلى المسلم أن يكفي نفسه ويحاول أن يكفي غيره، فكل رجل منكم مُسلَّط على ما يليه".
فلما كان اقتربت تلك الساعة التي كان يقاتل فيها النبي ركب فرسَه وسار في الناس، ووقف على كل راية يذكرهم ويحرِّضهم ويمنِّيهم الظفر، وقال: إذا قضيت أمري فإني مكبرٌ ثلاثًا، فإذا كبرت الأولى شد الرجل شعثه، وأصلح من شأنه، وليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية شدَّ الرجل إزاره، وليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض وليتهيأ لوجه حملته، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا. وقال: اللهم إني أسألك أن تُقِرَّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عِزُّ الإسلام، واقبضني شهيدًا، واجعلني أول شهيد؛ أَمِّنوا يرحمكم الله، فأَمَّن المسلمون, وبدأ القعقاع بالتراجع مُظهِرًا الهزيمة أمام الفرس، متجلدًا لقتالهم حتى وصل إلى مقدمة الجيوش الإسلامية المختبئة خلف الجبال.
وقد اختار الجيش الإسلامي مكانًا فسيحًا للقتال، ويقع بين الجبل الذي يختبئ وراءه المسلمون والناحية الأخرى هاوية سحيقة، وأراد المسلمون حصار الفرس في هذه المنطقة، فكان ظهر المسلمين الجبل وكانت هذه الهاوية السحيقة في ظهر الفرس.
وكبر النعمان التكبيرات الثلاث، وحمل راية المسلمين النعمان بن مقرن، وهجم المسلمون على الفرس هجومًا، وتلتقي السيوف في لقاء شديد؛ يقول جبير: والله ما علمت من المسلمين أحدًا يريد أن يرجع إلى أهله حتى يُقتلَ أو يَظفَر، فحملنا حملة واحدة وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا صوت الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة من شدة ثبات الفرس للقتال، فلما رأوا صبرنا وأنا لا نبرح القتال انهزموا.
ولما اشتد القتال وحمي وطيس الحرب، وفي وسط المعركة يأتي سهم من الفرس ليستقر في قلب النعمان بن مقرن قائد المسلمين، وقد استجاب الله دعاءه واتخذه الله شهيدًا فسقط شهيدًا في ميدان القتال، وكان أول شهيد من شهداء المسلمين في معركة نَهاوَنْد، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة لمحه معقل بن يسار فجاءه بقليل من الماء، فغسل عن وجهه التراب، فقال النعمان: من أنت؟ قال: أنا معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت روحه، وقيل أن فرس النعمان زلق في أرض المعركة من كثرة الدماء فصرع بين سنابك الخيل، وجاءه سهم في جنبه.
ثم أتاه بعد سقوطه أخوه نعيم بن مقرن قائد المقدمة، فحزن لما رأى من حال أخيه وسقوطه في بداية المعركة، وخشي على المسلمين من المصيبة فسجاه بثوبه، وأخذ الراية قبل أن تسقط، وذهب بها إلى حذيفة بن اليمان وأخبره باستشهاد النعمان بن مقرن، فقال له حذيفة: اكتم مصاب أميرنا عن المسلمين.
وحمل حذيفة بن اليمان الراية واستمر القتال إلى الظلام، حتى أصبحت الهلكة شديدة في الفرس وكثرت الدماء، حتى انزلقت الأقدام في الدماء من كثرتها، وكثر انزلاق الخيول في هذه المعركة، حتي كتب الله النصر لجنده المؤمنين، وقُتِلَ من الفرس مائة وعشرة آلاف فارس منهم ثمانون ألفًا سقطوا في الهاوية السحيقة، وقُتل بأيدي المسلمين ثلاثون ألفًا، وفَرَّ أربعون ألفًا من أمام المسلمين شمالاً إلى مدينة همذان وممن فرَّ معهم الفيرزان قائد الجيوش الفارسية، وأراد أن يلحق بهمذان لوجود فرقة فارسية متحصنة فيها، وأرسل المسلمين فرقة تطارد الهاربين على رأسها القعقاع بن عمرو التميمي، وكان الطريق صعب السير فيه لأنه منطقة جبلية، ولاح للمسلمين جيش الفرس الفارّ من أرض المعركة، وأثناء هروب الفرس ومعهم الفيرزان قابلوا بغالاً وحميرًا تحمل عسلاً، قطعت الطريق على جيش الفيرزان، والبغال والحمير تسير ببطء، فنزل الفيرزان من على فرسه وكذلك فعل بقية الجيش الفارسي، وفروا في الجبال على أقدامهم، فنزل المسلمون عن خيولهم وتتبعوا الجيش الفارسي، ولمح القعقاع بن عمرو الفيرزان من على بُعْدٍ فعرفه من هيئته فتتبعه القعقاع بن عمرو وقتله، وبعد تتبع الفارين وقتل الفيرزان، عادت الفرقة التي كان على رأسها القعقاع بن عمرو إلى نَهاوَنْد.
دخول نهاوند وتقسيم الغنائم
بعد انتهاء المعركة دخل السائب بن الأقرع إلى مدينة نَهاوَنْد التي خَلَتْ من المقاتلين الفرس ليجمع الغنائم، وكان عمر بن الخطاب قد ولَّى السائب بن الأقرع على جمع الغنائم، ولما دخل المسلمون المدينة أتاهم "الهربذ" صاحب بيت النار على أمان، فقال حذيفة: أتؤمنني ومن شئتُ على دمي وعيالي، على أن أخرج لك ذخيرةً لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ فأمَّنه السائب بن الأقرع، فأحضر جوهرًا نفيسًا في سفطين من جواهر يزدجرد كسرى فارس، فقسَّم السائب بن الأقرع الغنائم على المسلمين بعد جمعها، وقسم كل الغنائم ما عدا السفطين، فكان نصيب الفارس ستة آلاف درهم، ونصيب الراجل ألفا درهم، وبقي السفطان، فقال حذيفة: ماذا نفعل بهم؟ فقال السائب: والله لا أرى إلا أن نرسلهما إلى عمر في المدينة. فوافقه المسلمون على ذلك، فحمل السائب بن الأقرع السفطين مع خُمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب.
وصل السائب بن الأقرع إلى المدينة فقال له عمر: ما وراءك؟ فقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك وأعظم الفتح، فتبسَّم عمر بن الخطاب ثم قال: وما فعل النعمان؟ فقال السائب: لقي ربه شهيدًا فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده، ثم قال عمر: وما فعل بقية المسلمين؟ فقال: لقد استشهد منهم كثير لا نعرف أنسابهم، فقال سيدنا عمر بن الخطاب: وما ضرَّهم ألا يعرفَهم عُمَرُ ابن أم عمر، إن الله الذي لاقَوْه يعرف وجوههم وأنسابهم، وكان الوقت ليلاً فقال عمر بن الخطاب للسائب بن الأقرع: ضَعِ الغنائمَ في المسجد في بيت المال.
ونادي علي بن أبي طالب وعبد الله بن الأرقم ليحرسا الغنائم حتى الصباح، ورجع السائب بن الأقرع في الليلة نفسها إلى بلاد فارس حتى يلحق بالجيوش للقتال.
قصة السفطين
يقول عمر بن الخطاب: والله إنْ هو إلا أن نمت في الليلة التي خرج السائب فيها، فباتت ملائكة الله تسحبني إلى ذينك السَّفَطيْن وهما يشتعلان نارًا، يقولون: لنكوِينَّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، وبعد أن صلَّى عمر الصبح ذهب إلى بيت المال وعرّف له عليّ بن أبي طالب خمس الغنائم وأنَّ هذين السفطين من حلي كسرى ولم يُعَدَّا في خمس الغنائم؛ فلما رآهما سيدنا عمر قال: هما هما اللذان رأيتهما في المنام، فقال: ما أحد من المسلمين أحق بهذين السفطين إلا الذي اغتنمهما.
ثم أتي بأسرع من في المدينة ليلحق بالسائب بن الأقرع، فما أدرك السائب حتى دخل الكوفة وهو ينيخ بعيره، فقال: الحقْ بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن.
قال: فركبت معه فقدمت على عمر، فلما رآني قال: إليَّ وما لي وللسائب! قلت: ولماذا؟ قال: ويحك! والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تستحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارًا فيقولون: لنكوينَّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم.
قال السائب: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم. أي مليونين من الدراهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف درهم، فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً حتى مات، ثم قسم ثمنهما بين الغانمين، فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السِّفْطَين.
إرسال تعليق