عزل سعد بن أبي وقاص
وصلت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه شكوي من أهل الكوفة يقولون فيها بأن أميرهم سعد بن أبي وقاص لا يقسم بالسويَّة، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية؛ فقرر عمر بن الخطاب التحقيق في الأمر، ولذلك أرسل عمر رضي الله عنه محمد بن مسلمة الأنصاري إلى الكوفة.
ولما وصل محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة، يسألهم عن سعد رضي الله عنه فوجد الكل يثني عليه خيرًا، حتى انتهى إلى سوق فقابل رجلاً يقال له: أسامة بن قتادة، فقال محمد: أنشدك بالله ما فعل سعد فيكم؟ فقال الرجل: أما إذ ناشدتنا فإن سعدًا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية. وما إن تجرأ هذا الرجل على ما قاله حتى تبعه خلق كثير في مقالته، وقالوا: إنه يلهيه الصيد عن القتال في سبيل الله، وأنه لا يحسن يصلي.
أرسل محمد بن مسلمة بما سمعه من أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب، فبعث إليه عمر بن الخطاب بالقدوم عليه إلى المدينة ومعه سعد بن أبي وقاص وأسامة بن قتادة، فأتي سعد بن أبي وقاص ويشهده محمد بن مسلمة على مقولة أسامة بن قتادة، ويقر أسامة بن قتادة أمام عمر بن الخطاب ما قاله من قبل.
وهنا دعا عليه سعد فقال: "اللهم إن كان قالها كذبًا ورياء وسمعة فأعمِ بصره، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن؛ إنه ظلمني".
وسأل عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة عن هذه المقالة، فقال: إن كثيرًا من أهل السوق يقولونها. فقال عمر: يا سعد، كيف تصلي؟ فأخبره أنه يطول في الركعتين الأوليين، ويخفف في الأخريين، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله.
فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، والله أعلم أن ما يقولونه عليك ما هو بحق، ولكني أخشى الفتنة، فآثر السلامة وعيَّن مكانه من استخلفه، ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فأقرَّه عمر على نيابته الكوفة، ثم بكى سعد بن أبي وقاص، وقال: يزعمون أني أشتغل بالصيد عن قتالي في سبيل الله، وأنا أول من أراق دمًا في الإسلام، ولقد جمع لي رسول الله أبويه، وما جمعهما لأحدٍ قبلي؛ ففي غزوة أحد قال له النبي: "ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمَيْتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ".
مرت الأيام وطال الزمن بأسامة بن قتادة حتى كبر في السن وعمي بصره، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيتعرض لها وهو شيخ كبير فانٍ، فإذا عثر عليه قال: مفتون أصابته دعوة الرجل المبارك سعد بن أبي وقاص, وقال له: "وكل من تكلم في حق سعد بن أبي وقاص أصابته قارعة في جسده، ومصيبة في ماله بعد ذلك.
الاستعدادات لمعركة نهاوند
هرب كسري يزدجرد إلى مدينة مرو، ومن هناك بدأ يجمع الجيوش الفارسية مرة أخرى لقتال المسلمين، فعلم قباذ الفارسي (وهو فارسي مسلم وكان الوالي على حلوان) أن الفرس جمعوا مائة وخمسين ألفًا في نهاوند شمال جُنْدَيْسابُور، كما تجمعت قوات فارسية أخري في أذربيجان.
أرسل أمير الكوفة عبد الله بن عبد الله بن عتبان رسالة إلى عمر بن الخطاب يقول له: "لقد تجمع للفرس مائة وخمسون ألفًا في نهاوند؛ فَأْذَن لنا بقتالهم، فإن جاءوا علينا ازدادوا جرأة وقوة، وإن أتيناهم غلبناهم". وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أوقف الفتوحات في بلاد فارس اكتفاءً بما أخذه المسلمون من غنائم، وخوفًا من بسط الدنيا على المسلمين.
استشار عمر رضي الله عنه الصحابة ومن لهم خبرة في الحرب فقال له الأحنف بن قيس: "ما اجتمع ملكان قطُّ في بلد إلا أخرج أحدهما الآخر، فسيرسل لك يزدجرد الجيوش ما دام حيًّا، فأَرْسِلْ إليه جيشًا يستأصله تهُن لك فارس، ويهُن لك جيش فارس".
فقال عمر بن الخطاب للأحنف: "لقد شرحت الأمر عن حقه، والله لأغزوَنَّ فارس".
كما استشار عمر بن الخطاب الهرمزان في غزو أذربيجان أولاً أو غزو نهاوند، فقال الهرمزان: إن فارس الآن طائر له رأس وجناحان: رأسه في نهاوند مع الفيرزان، والجناحان في أذربيجان، فقال له عمر: ما العمل؟ فقال: اقطع الجناحين يضعف الرأس. فقال عمر بن الخطاب: كذبت يا عدو الله، بل أقطع الرأس يهون الجناحان.
وعلى إثر ذلك قرر عمر بن الخطاب غزو نهاوند، واستشار عمر بن الخطاب من لهم رأي في الحرب.
قال عمر بن الخطاب: أن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، ألا إني قد هممت بأمر، وإني عارضه عليكم فاسمعوه ثم أخبروني، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، أفمن الرأي أن أسير بمن قِبَلِي حتى أنزل منزلاً وسطًا بين المِصْرَين "البصرة والكوفة" فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءًا حتى يفتح الله علينا ويقضي ما أحب؟
فقام طلحة بن عبيد الله وقال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، واحتنكتك التجارب، وأنت ورأيك إليك هذا الأمر، فمُرْنا نطعْ، وادعنا نجبْ، وقدنا ننقدْ؛ فإنك ولي هذا الأمر وقد بلوتَ وجربت.
وقام عثمان بن عفان فقال: يا أمير المؤمنين، فلتكتبْ إلى أهل الشام فيَقدِمُوا من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيأتوا من يمنهم، وتخرج أنت بجيشك من المدينة، واذهب بكل ذلك؛ فإنك إن سرت بمن معك وعندك، هان في نفسك ما تكاثر من عدد الفرس.
فكان رأي طلحة وعثمان رضي الله عنهما أن يخرج عمر بنفسه.
أما الزبير بن العوام فقد كان معارضاً لهما فقال: بإزائهم أعلام العرب ووجوههم وفرسانهم ورؤساؤهم ومَنْ فَضَّ جموعَ الفرس، ومن قتل ملوكهم، ومن ملك أرضهم، ومن غنم أموالهم ونساءهم وذراريهم، وقد استأذنوك ولم يستصرخوك، فأرى أن تبقى في مكانك هنا؛ فإنك إن قتلت لم يعد للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود وادْعُ لهم.
وقد وافق عبد الرحمن بن عوف الزبير بن العوام رضي الله عنهما، وكذلك العباس بن عبد المطلب.
وقال علي بن أبي طالب: لقد أصاب القوم الرأي يا أمير المؤمنين، فمكانك مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحلَّ تفرَّق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا، وإنك إنْ أشخصتَ أهلَ الشام رجعت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصتَ أهلَ اليمن ذهبت الحبش إلى ذراريهم، وإن شخصت بنفسك من المدينة انقلبت عليك الأرض، وما تدعه وراءك في المدينة أهم إليك مما بين يديك، فأَقِمْ وأَقْرِن هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان إلى نهاوند، ويقيم الثلث مع النساء والذراري، واكتب إلى أهل البصرة واجعلهم ثلاث فرق، ففرقة في الحرم والذراري، وفرقة منهم في الأهواز تمنع نقض عهد فارس، والفرقة الأخيرة تكون مددًا لأهل الكوفة في نهاوند.
وأما ما ذكرت من مسير القوم، فإن الله أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإن هذا الأمر لم يكن نصره أو خذلانه لكثرة أو قلة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعز وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود الله وتأييد الملائكة.
وما إن أتم عليٌّ رضي الله عنه مقالته حتى شرح الله لها قلب عمر بن الخطاب، ثم قال: وما أمرك يا سعد؟ فقال سعد بن أبي وقاص: "أرى أن تبقى يا أمير المؤمنين، وهَوِّنْ عليكَ فما جُمِعُوا إلا لنقمة".
قرر عمر بن الخطاب ألاّ يخرج على رأس الجيوش، وقال عمر: أشيروا عليَّ بمن أولِّيه أمر الحرب، وليكن عراقيًّا.
فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين.
فقال: "أما والله لأُوَلِّينَّ رجلاً يكون أَوَّلَ الأسِنَّة إذا لقيها غدًا".
قالوا: من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مُقَرِّن.
النعمان بن مقرن قائد الجيش
وكان النعمان بن مقرن من المشاركين في الحروب الفارسية، وبعد معركة تُسْتَر عينه سعد بن أبي وقاص جابيًا على "كَسْكَر"، ولكن كانت نفس النعمان بن مقرن تواقة إلى الجهاد، فكتب إلى عمر رضي الله عنه وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند؛ فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له.
أرسل عمر بن الخطاب رسالة إلى النعمان يقول فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد بلغني أن جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فَسِرْ بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا فتؤذِيَهم، ولا تمنعهم حقًّا فتكفِّرَهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلاً من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار, وقد كان المسلم أيضًا أغلى وأَحَبُّ عند النبي؛ فقال: "لحرمة دم المسلم أغلى عند الله من الكعبة".
فَسِرْ في وجهك ذلك حتى تأتي "مَاه" فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فَسِرْ إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا بالله، وأَكْثِروا من لا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليك".
ثم كتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان في الكوفة بأن يرسل ثلثي الجيش إلى النعمان بن مُقَرِّن ويقابله في "ماه"، وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قُتِل النعمان فحذيفة، فإن قتل فنعيم بن مقرن.
وكتب إلى أبي موسى الأشعري يأمره بتقسيم جيشه إلى ثلاث فرق إحداها في الحريم والذراري، والفرقة الثانية إلى الأهواز، وفرقة تخرج إلى "ماه" وأنت على رأسها ليقابل النعمان بن مقرن في "ماه" ويكون تحت إمرته, وكتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين في منطقة الأهواز منهم حرقوص بن زهير، وسلمى بن القين، وحرملة بن مريطة يأمرهم في رسالته بشغل الفرس عن إخوانهم في أرض نهاوند، ومع أن هذه المنطقة تحت حكم الدولة الإسلامية إلا أن بها عددًا من الفرس، وقد أعطى بعضُهم عهدًا للمسلمين، وبعضهم هُزِمَ من المسلمين.
وصلت الرسائل وبدأت الجيوش الإسلامية تتحرك إلى مدينة "ماه"، وقام النعمان بن مقرن بإرسال مجاشع بن مسعود بجيش إلى مكان يسمى "غُضَيّ شجر"، وهذه المنطقة تقع بين نهاوند وبين جنوب فارس، والغرض من إرسال هذه الفرق أن تحمي مجنبة الجيش المتحرك من السوس إلى ماه؛ لأنه طريق جبلي وعر جدًّا، وأيضاً لقطع إمدادات أهل فارس في الجنوب عن أهل نهاوند في الشمال.
وبعد أن تجمعت الجيوش في منطقة "ماه" بدأ النعمان بن مقرن بتجهيز الجيوش ليضع خطة حربه في نهاوند؛ فأرسل فرق لتستكشف له الطريق وأرض الفرس، فأرسل ثلاثة أشخاص هم: عمرو بن أبي سلمى، وعمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي، فسارت الطليعة يومًا وليلة، فرجع عمرو بن أبي سلمى فقيل له: ما رجعك؟ فقال: كنت في أرض العجم، وقتلت أرضٌ جاهلها، وقتل أرضًا عالِمُها.
ثم رجع بعده عمرو بن معديكرب وقال: لم نَرَ أحدًا؛ وخفت أن يُؤْخَذَ علينا الطريق. ومضى طليحة لوحده إلى نهاوند، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحَبَّ، ثم رجع إلى النعمان بعد ستة أيام من خروجه وأعلم النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد.
وعاد طليحة إلى النعمان ليخبره بخبر الفرس، وأن تجمعهم خارج نهاوند وعلى رأسه الفيرزان.
قرر النعمان بن مقرن التحرك إلى الفرس، وعبَّأ جيشه قبل أن يتحرك إلى الفرس في نهاوند فجعل على المقدمة نعيمَ بن مقرن، والقعقاع بن عمرو التميمي على فرقة من الخيول وتسير هذه الفرقة مع المقدمة، والنعمان بن مقرن نفسه على وسط الجيش، وعلى الميمنة حذيفة بن اليمان، وعلى الميسرة سويد بن مقرن، وعلى المؤخرة مجاشع بن مسعود.
إرسال تعليق