فتح السوس
أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي سَبْرَة بن أبي رُهْم يأمره أن يعيد أبا موسى الأشعري إلى البصرة، وأن يجعل على رأس جيش البصرة المقترب بن ربيعة، ويظل النعمان كما هو على جيش تُسْتَر، وعلى الجيشين أبو سبرة بن أبي رهم، ثم توجه هذا الجيش من تُسْتَر إلى مدينة السُّوس، ومن تُسْتَر أيضًا يتجه جيش على رأسه ذرّ بن كليب إلى جُنْدَيْسابُور في شمال تُسْتَر.
كانت مدينة السوس عاصمة الأهواز وعليها شهريار أخو الهرمزان ولكنها لم تكن بنفس درجة حصانة تستر.
جمع شهريار قواته وعسكر في السُّوس، وأرسل رسائل إلى المسلمين يقول فيها: "إنما أنتم كلاب، وإنما أنتم كذا وكذا". وكانت هذه محاولات لإهانة المسلمين، لكن المسلمون لم يشتغلوا بمثل هذه الأمور؛ فقد توجّهت الجيوش الإسلامية من تُسْتَر مباشرة إلى السُّوس لفتحها، وكان حصار مدينة السوس أقل من حصار مدينة تُسْتَر، وبدأ المسلمون بقذف حصون السوس بالمقلاع، ورمي السهام داخل الحصون، وكان أهل الحصن يخرجون لقتال المسلمين ثم يعودون إلى داخل الحصن، وكانوا يهزمون في كل مرة.
دام الحصار شهرًا لم يستسلم فيه الفرس، ولم يتهاون المسلمون في حصارهم، وعلى المسلمين، وأثناء محاصرة المسلمين للسوس أشرف عليهم الرهبان، فقالوا: يا معشر العرب، إن مما عهد إلينا علماؤنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم معهم الدجال.
لم يؤثر مثل هذا الكلام في المسلمين، ولم يشغل بال المسلمين مثل هذه التهديدات، فأصروا على الحرب وشددوا في حصارهم وقذفهم للسوس، وكسر المسلمون الأبواب ودخلوا مدينة السوس عنوة واستسلم كل أهلها.
فتح جنديسابور
توجه ذرّ بن كليب على رأس جيش إلى مدينة جُنْدَيْسابُور، وبمجرد وصوله ضرب عليها حصارًا شديدًا فخرج إليه أهلها لقتال المسلمين، وفي كل خروج يهزمون وينسحبون إلى الحصن، ولم يستطع ذرّ بن كليب تحقيق النصر الكامل على جيش جُنْدَيْسابُور، فأرسل إليه أبو سبرة بن أبي رهم من السوس المقترب بن ربيعة على جيش البصرة مددًا له، فذهب المقترب وحاصرها معه، واشتد الحصار على هذه المدينة من الجيشين، كما خرج إليهم أبو سبرة بن أبي رهم وحاصر المدينة حصارًا شديدًا، واشتد في ضربهم حتى ضعفت المدينة وأوشكت على الانهيار، وقبل وقوع النصر بلحظات، فتحت أبواب المدينة، وأخرجوا أسواقهم وخرج أهلها رافعين الرايات البيضاء، وقالوا: قبلنا أمانكم. فسألهم المسلمون: وما أماننا؟ فقالوا: رميتم بالأمان فقبلناه، وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا. فقالوا: ما فعلنا! فقالوا: ما كذبنا. فقرأ المسلمون الأمان، فإذا فيه: هذا أمن من مكنف بن عبد الله إلى أهل جُنْدَيْسابُور، أن افتحوا الأبواب وأنتم آمنون على دمائكم ونسائكم وأموالكم وذراريكم. ولم يعرف أحد من قادة الجيش الإسلامي مصدر هذه الورقة، فقالوا: ما ألقينا هذا الأمان، إنما فعل هذا مكنف بن عبد الله، وهو عبد من عبيد المسلمين، قد أُسِرَ وأسلمَ وكان مع الجيش في هذه الموقعة، وألقى هذه الورقة بداخل المدينة؛ فقال أهلها: لا نعرف العبد من الحر، وقد قبلنا الجزية وما بدلنا، فإن شئتم فاغدروا. فكتبوا إلى عمر فأجاز أمانهم، فأمّنوهم وانصرفوا عنهم.
فكتب إليهم عمر بن الخطاب رسالة قصيرة يقول لهم فيها: إن الله عظم الوفاء، فإن كنتم في شك فأمِّنوهم، وأوفوا لهم عهدهم، وإنما ذلك العبد من المسلمين، وبذلك تم فتح الأهواز كلها.
لقاء عمر رضي الله عنه بالهرمزان
تبقي أن نذكر لقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الهرمزان.
اقترب الوفد الإسلامي بأسيرهم الهرمزان من المدينة المنورة ليرى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيه، ولما اقتربوا من المدينة ألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه، وكان مكلَّلًا بالياقوت، وأساوره وأعقاده الذهبية ومنطقته وسيفه الذهبي، ودخلوا به إلى المدينة، فطلبوا عمر فلم يجدوه في بيته، فسألوا عنه فقيل: جلس في المسجد لوفد من الكوفة.
وأثناء ذهابهم إلى المسجد رآهم بعض الصبية وهم يلعبون في طرقات المدينة؛ فقالوا لهم: ما تلددكم؟ تريدون أمير المؤمنين؟ والله إنه لنائم في المسجد، فذهب الوفد إلى المسجد ومعهم الهرمزان، وتجمع الناس في المسجد لما رأوا الهرمزان في هذه الهيئة؛ وعندما دخل الوفد المسجد وجدوه متوسدًا بُرْنسًا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسّد البرنس ونام، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدِّرَّة في يده معلقة، فكان نائمًا بدون حرّاس أو حجّاب.
دخل الهرمزان المسجد فقال: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. فوجده نائمًا في ركن من أركان المسجد، لباسه متواضع، ليس له حرّاس أو حُجَّاب، فتعجب الهرمزان متسائلاً عن عمر بن الخطاب، فقالوا: ها هو نائم.
وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، وجعل الهرمزان يقول: وأين حجّابه؟ أين حَرَسه؟ فقالوا: ليس له حجاب ولا حرس، ولا كاتب ولا ديوان.
فقال الهرمزان: ليس له حاجب ولا حارس! ينبغي أن يكون نبيًّا.
فقالوا: لا، بل يعمل عمل الأنبياء.
وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسًا، ونظر عمر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم.
فتأمله وتأمل ما عليه، ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله.
ثم قال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة.
فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكَلِّمْهُ.
فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء.
ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبًا صفيقًا، فقال عمر: يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلَّى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن الله معنا ولا معكم، فلما كان الله معكم غلبتمونا.
فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.
ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟
فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك.
قال: لا تخف ذلك.
فاستسقى الهرمزان ماء فأُتي به في قدح غليظ، فقال: لو مِتُّ عطشًا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتي به في قدح آخر يرضاه.
فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أُقْتَلَ وأنا أشرب.
فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فَأَكفأه.
فقال عمر: أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش.
فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به.
فقال له عمر: إني قاتلك. فقال: إنك أمَّنتني.
قال: كذبت.
فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: وَيْحَكَ يا أنس! أنا أُؤَمِّنُ من قتل مجزأة والبراء؟! والله لتأتينَّ بمخرج أو لأعاقبنك.
قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني.
وقلت لا بأس عليك حتى تشربه. وقال له من حوله مثل ذلك.
فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم.
فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة.

إرسال تعليق