نسبه ومولده
هو أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كان أبوه مولى لرسول الله، ولد رضي الله عنه بمكة سنة 7 قبل الهجرة، ونشأ حتى أدرك ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى ولم يدن بغيره، وهاجر مع رسول الله إلى المدينة، وكان رسول الله يحبه حبًّا شديدًا، وكان عنده كبعض أهله، وكان يسمى "حِبّ رسول الله".
وأمه هي أم أيمن رضي الله عنها، واسمها بركة مولاة رسول الله وحاضنته، وكان زيد بن حارثة لخديجة فوهبته لرسول الله فأعتقه رسول الله وزوّجه أم أيمن، فولدت له أسامة بن زيد رضي الله عنه.
كان أسامة بن زيد مالكاً لكثير من الصفات التي تجعله قريباً من قلب رسول الله وكبيراً في عينيه؛ فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا إلى الإسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه، وعندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح العظيم كان رديفه أسامة بن زيد، ثم عندما دخل الكعبة كان عن يمينه ويساره بلال بن رباح وأسامة بن زيد رضي الله عنهما.
أسامة والنبي صلى الله عليه وسلم
ولاَّه النبي صلى الله عليه وسلم رغم صغر سنِّه لقيادة جيش المسلمين المتوجه لغزو الروم في الشام، وقال له: «يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك على هذا الجيش، فأغر صباحًا على أهل أُبْنَى وحرق عليهم، وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون أمامك والطلائع». ثم عقد الرسول لأسامة اللواء، ثم قال: «امض على اسم الله». وقد اعترض بعض الصحابة على استعمال أسامة رضي الله عنه على المهاجرين الأولين، ولما علم رسول الله بذلك، غضب غضبًا شديدًا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، يا أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله إن كان للإمارة لخليقًا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ، وإنهما لمخيلان لكل خير، فاستوصوا به خيرًا؛ فإنه من خياركم».
وقبل خروج الجيش مع أسامة جاء المسلمون يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بإنفاذ بعث أسامة رضي الله عنه. وركب أسامة إلى معسكره وصاح في الناس أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل وقد مَتَعَ النهار، فبينما أسامة يريد أن يركب من الجُرْف أتاه رسول أم أيمن تخبره أن رسول الله يموت، فأقبل أسامة إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما فانتهوا إلى رسول الله وهو يموت، فتُوفِّي رسول الله حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف المدينة.
أسامة والخلفاء رضي الله عنهم
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبويع لأبي بكر رضي الله عنه، ارتدَّ من العرب من ارتد عن الإسلام، ودخل على أبي بكر الصحابة، فقالوا: "يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب، وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئًا، اجعلهم عُدَّة لأهل الردة ترمي بهم في نحورهم، وأخرى لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بِجِرَانِه، وتعود الردة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة، حينئذٍ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا". ولكن الصديق رضي الله قال: "والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث".
وخرج جيش أسامة، واستطاع أن يقوم بمهمته ويعود منتصراً إلى المدينة، وظهرت موهبة أسامة في قيادة الجيش، وأثبت أنه كان جديرًا بهذه القيادة.
وقد اعتزل أسامة بن زيد رضي الله عنه الفتن بعد مقتل عثمان رضي الله عنه إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية رضي الله عنه، وكان قد سكن المِزّة غرب دمشق، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجُرْف.
من مواقف أسامة رضي الله عنه
1- عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أن امرأة سرقت في عهد رسول الله في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه يستشفعونه قال عروة: فلما كلمه أسامة رضي الله عنه فيها، تلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتكلمني في حد من حدود الله؟!» قال أسامة رضي الله عنه: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة أميراً على سرية خرجت للقاء بعض المشركين وكانت تلك أول إمارة يتولاها أسامة، ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وعندما عاد إلى المدينة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: « فأتيت النبي وقد أتاه البشير بالفتح، فإذا هو متهلل وجهه، فأدناني منه ثم قال: حدثني. فجعلت أحدثه وذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت إليه بالرمح، فقال لا إله إلا الله؛ فطعنته فقتلته. فتغير وجه رسول الله وقال: ويحك يا أسامة! فكيف لك بلا إله إلا الله؟ فلم يزل يرددها علي حتى لو وددت أني انسلخت من كل عمل عملته، واستقبلت الإسلام يومئذ من جديد، فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا إله إلا الله بعد ما سمعت رسول الله.» فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة بن زيد قتله، كان مشركا ومحاربا؛ وقد قال لا إله إلا الله لينجو بها من ضربة قاتلة أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد ومع هذا فلأنه قال الشهادة، وتحرك بها لسانه صار دمه حراما.
3- كان يحب علي رضي الله عنه وكان يبصر الحق في جانبه؛ ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وهو الذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا، وقد أرسل إلى الخليفة على رضي الله عنه رسالة قال فيها: «إنك لو كنت في شدق الأسد، لأحببت أن أدخل معك فيه، و لكن هذه المرة لم أره». و لزم أسامة بن زيد داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب؛ وحين جاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم: «لا أقاتل أحد يقول لا إله إلا الله أبدا»، فقال له أحدهم: «إألم يقل الله سبحانه وتعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)». فأجابهم أسامة قائلا: « أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة و كان الدين كله لله».
عن أسامة بن زيد رضي الله عنه حدَّث عن النبي أنه كان يأخذه والحسن رضي الله عنه فيقول: «اللهم أحبهما؛ فإني أحبهما».
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لا ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة». وكان نقش خاتم أسامة بن زيد رضي الله عنه: (حِبّ رسول الله)
عن هشام بن عروة، عن أبيه: لما فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس فرض لأسامة بن زيد رضي الله عنه خمسة آلاف ولابن عمر ألفين، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: فضلت عليَّ أسامة وقد شهدتُ ما لم يشهد!! فقال: "إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك".

إرسال تعليق