تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

فتح تستر

مقدمة

كما ذكرنا من قبل فقد توقفت الفتوحات الإسلامية بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبحت المنطقة التي تقع شرقي نهر تِيرَى والمنطقة التي تقع شرقي رامَهُرمز، تحت سيطرة الفرس بقيادة الهرمزان لكنها تدفع الجزية للمسلمين على ألاّ يقاتلوا المسلمين.
ولكن يزدجرد كسرى فارس بعد هروبه إلى مدينة "مرو" في أقصى شرقي المملكة الفارسية، ظل يحفز الجيوش الفارسية لقتال المسلمين، حتى بدأت الجيوش الفارسية تتجمع وتتجه نحو مدينة تُسْتَر، وتقع هذه المدينة على نهر كارون الموجود في منطقة الأهواز, وكان الهرمزان قد أعطى عهداً للمسلمين بألا يقاتلهم، ولكن بعد أن استنصر يزدجرد كل الفرس نقض الهرمزان العهد وغدر بالمسلمين، وجهَّز جيشه وبدأ بإعداد العُدَّة لقتال المسلمين مرة أخرى.
جهز الهرمزان جيشه وبدأت الجيوش في شرقي المملكة تتجمع حتى تقاتل المسلمين، واختارت مدينة تستر أحصن المناطق الفارسية على الإطلاق.
وصلت الأخبار إلى عمر رضي الله عنه التي تؤكد نقض الهرمزان للعهد مع المسلمين، وأن يزدجرد يشجع الفرس لقتال المسلمين، فأمر عمر بخروج جيش كثيف من الكوفة عاصمة المسلمين في أرض فارس على رأسه النعمان بن مُقَرِّن، ويتوجه إلى الأهواز ليقاتل الهرمزان، ثم يُتْبِع جيشَ النعمان بن مُقَرِّن بجيشين على أحدهما سويد بن مقرن، وعلى الآخر جرير بن عبد الله البجلي.
وكان على جيش الأهواز حُرْقُوص بن زهير، وأمر مدينة البصرة القريبة من الأهواز أن تخرج جيشًا كثيفًا على رأسه سهل بن عدي وأوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهل بن عدي بأن يصطحب معه خمسة من فرسان المسلمين في جيشه وهم البراء بن مالك، ومَجْزَأَة بن ثور وكعب بن ثور، حذيفة بن محصن، وعرفجة بن هرثمة.

تحركات الجيوش الإسلامية

تحركت هذه الجيوش الثلاثة وهم جيش الكوفة بقيادة النعمان بن مقرن وجيش البصرة بقيادة سهل بن عدي وجيش الأهواز بقيادة حرقوص بن زهير والقائد العام هو أبو سبرة بن أبي رهم.
خرج جيش النعمان من الكوفة واخترق سواد الجزيرة وعبر نهر دجلة، واتجه إلى نهر "كارون" ناحية الأهواز وعبره، وكان جيش النعمان بن مقرن أسرع من جيش سهل بن عدي الذي خرج من البصرة؛ وَصَل النعمان إلى منطقة سوق الأهواز، فعبرها حتى وصل إلى مدينة "رَامَهُرمُز" وعليها الهرمزان، فحاصرها وخرج له الهرمزان فالتقى معه في موقعة سريعة انتصر فيها على الهرمزان.
بعد هزيمة الهرمزان جمع فلول جيشه وانسحب به إلى مدينة تستر، وعلمت الجيوش الإسلامية بذلك فتحركت هي الأخري إلى مدينة تستر, وأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يخرج بنفسه على رأس جيش من البصرة مددًا للمسلمين، فخرج أبو موسى الأشعري على رأس جيش من البصرة، وتوجه بهذا الجيش إلى تُسْتَر أيضًا، وبوصول أبي موسى الأشعري إلى تُسْتَر يكون هو على رأس الجيوش التي خرجت من البصرة، ويبقى النعمان على رأس جيوش الكوفة، ويظل أبو سبرة بن أبي رهم قائدا على كل الجيوش.

حصار تستر

ومدينة تستر أقدم مدينة في بلاد فارس، وبها أول سور بُنِيَ على وجه الأرض، وبُنِيَتِ المدينةُ في منطقة عالية وحولها سور ضخم عالٍ، وعلى السور أبراج عالية، وهذه ميزة للفرس فباستطاعتهم رمي المسلمين بالسهام من فوق الأبراج ولا تصل سهام المسلمين إلى أعلى البرج، فكانت هذه في صف الفرس؛ بالإضافة إلى خندق حول المدينة كعادة الفرس، ولكن هذا الخندق مملوءٌ بالماء مما يُصَعِّبُ على المسلمين اجتيازه، وكان سور المدينة من طبقتين وبينهما فراغ والماء حول المدينة من معظم الجهات، وهناك منطقة واحدة لم يكن بها ماء ولكن على رأسها جيش كبير من الفرس، والأسهم تُلْقَى من فوق الأبراج على من يُحَاوِل اجتيازَ هذه المنطقة، فكانت المنطقة في شدة الحصانة، ولها سور ضخم عالٍ يحيط بالمدينة كلها، وبداخل المدينة الزروع والطعام وخارجها نهر بجوارها؛ فأقاموا الشواديف والروافع لرفع الماء من النهر إلى داخل المدينة، وبذلك كانت لديهم قدرة كبيرة على الصبر على حصار المسلمين.
بدأ المسلمين في حصار المدينة وكعادة الفرس فقد كانوا يخرجون لقتال المسلمين ثم يعودون إلى المدينة مرة أخري، وقد دام حصار مدينة تُسْتَر قرابةَ ثمانية عشر شهرًا، ولم ييأس الجيش الإسلامي من الحصار، وكان أمرًا شاقًّا على المسلمين فَهُم مُعَرَّضون لسهام الفرس.
ذهب المسلمون إلى البراء بن مالك وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ"، فذهب المسلمون إلى البراء بن مالك قائلين له: يا براء، ألا ترى ما نحن فيه؟! أَقْسِمْ على ربك. فيقول: أقسمت عليك يا رب أن تمنحنا أكتافهم، وتملكنا رقابهم، وتلحقني بنبيك.

فتح تستر

وفي هذا الوقت سقط سهم في معسكر المسلمين وفي هذا السهم رسالة، فقرأ أبو موسى الأشعري الرسالة فوجدها من أحد الفُرْسِ داخل الحصن، يطلب الأمان من المسلمين لنفسه ولأمواله على أن يصف للمسلمين طريقًا للدخول إلى تُسْتَر، فذهب أبو موسى الأشعري بالرسالة إلى قائد جيش المسلمين أبي سبرة بن أبي رهم، وتناقش معه في أمر الرسالة؛ فوافق أبو سبرة على تأمين هذا الرجل، فكتب له أمانًا في ورقة ووضعها في سهم، ورمى بالسهم في المكان نفسِه الذي جاء منه السهم الفارسي، فسقط السهم بداخل حصن تُسْتَر، ثم قدم أحد الفرس خفية في الليل يحمل معه ورقة الأمان على نفسه ودمه وأمواله، وقال للأمير: فإني أريد منك رجلاً واحدًا أدلّه على الطريق، وبعد ذلك يعود ليأخذ الجيش.
استدعي أبو سبرة بن أبي رهم مجزأة بن ثور وقال له: يا مجزأة، من ترى يكون هذا الرجل الذي يتبع هذا الفارسي؟ فقال مجزأة: اجعلني ذلك الرجل. فيقول الفارسي: إن الأمر شديد، وإني أريد رجلاً يجيد السباحة. فقال مجزأة: أنا ذلك الرجل، فقال له أبو سبرة بن أبي رهم: أوصيك أن تعرف الطريق جيدًا وتعود إلينا دون أن تُحْدِث أمرًا.
ذهب مجزأة مع الفارسي وحفظ الطريق جيداً وعاد إلى قائد الجيش قائلاً له: انتخب لي بعض المسلمين حتى أفتح لك الأبواب، فرفض أبو سبرة أن يكلف الناس بهذا الأمر الشاقِّ؛ وفتح للناس باب التطوع لعبور النفق بشرط أن يكونوا ممن يجيدون السباحة، فتطوع ثلاثمائة من المسلمين ليعبروا هذا النفق، وكان من بين المتطوعين عاصم بن عمرو التميمي وكان مجزأة بن ثور أميرًا على الثلاثمائة؛ لأنه دليل المسلمين في الطريق، وهو أول من تطوع للذهاب إلى داخل مدينة "تُسْتَر".
وتقدمت هذه الفرقة لتدخل مدينة تُسْتَر، وأوصاهم أبو سبرة بن أبي رهم: "إذا التقيتم مع عدوكم فتذكروا الله، وافتحوا لنا الأبواب، وعلامتنا التكبير". فدخل الثلاثمائة إلى النهر بعد منتصف الليل، وتقدم مجزأة المسلمين وكان النفق شديد الصعوبة على المسلمين؛ فكان يرشد الناس إلى الطريق بصوت خافت لظلمة النفق ولئلا يسمعه الفرس، وتحرر المسلمون من كل شيء إلا جلبابًا خفيفًا والسيف مربوط على صدورهم، ويجتاز المسلمون النفق ووصل مجزأة بن ثور إلى باب النفق وقد فقد في النفق مائتين وعشرين جنديًّا، ولم يتبقَّ معه سوى ثمانين رجلاً فقط.

دخل مجزأة بن ثور مع المسلمين خُفْيَة وتحسَّسَ الطريق حتى وصلوا إلى باب الحصن، فتقاتلوا مع قادة حرس الباب في معركة شديدة، وكان الجيش الفارسي في سُبَاتٍ عميق، ولم تبقَ إلا الحامية التي دخل معها المسلمون في قتال عنيف وسريع، وأثناء القتال توجهت مجموعة من المسلمين ناحية الباب لتفتحه للجيوش الإسلامية، ثم بدأ المسلمون من داخل الحصن في التكبير، وكانت هذه التكبيرات إشارة للقوات الإسلامية خارج الحصن، وأَنَّ عليهم أنْ يكونوا على أُهْبَةِ الاستعداد، فوقف المسلمون على باب الحصن قبل أن يُفتحَ الباب، وما إن فُتِحَ باب الحصن حتى انهمر المسلمون داخل حصن "تُسْتَر" كالسيل، والتقى المسلمون مع الفرس في معركة من أعنف المعارك في الفتوحات الفارسية، ولم يَدُرْ بخَلَدِ الفُرْسِ أبدًا أن يقتحم المسلمون الحصن في ذلك الوقت من الليل، فاستيقظ الجنود الفرس وقد باغتهم وجود المسلمين ولم يأخذوا أهبتهم بعدُ، وألقى الله الرعب في قلوبهم.

استشهاد البراء بن مالك ومجزأة بن ثور

كان ممن استشهد في ذلك اليوم البراء بن مالك، وقد لمحت عينه الهرمزان من بُعد، فأراد الوصول إليه، وكانت أمامه أمواج من البشر تتقاتل، لكنه كان يقتل رجلاً رجلاً ليصل إلى الهرمزان ليفتك به، وتجاوز عدد قتلى البراء بن مالك في معركة تُسْتَر إلى مائة قتيل من الفرس مبارزة، والتقي بعد ذلك بالهرمزان وتقاتلا معًا، فسدد البراء ضربة وسدد الهرمزان ضربة، فيخطئ البراء ويصيب الهرمزان؛ ليستشهد البراءُ بنُ مالكٍ في سبيل الله كما دعا اللهَ فاستجاب له الله دعوته بفتح تُسْتَر وهزيمة الفرس واستشهاده.
وراقب مجزأة بن ثور الموقف عن بُعْدٍ، وحتى هذه اللحظة كان قد قتل مائة من الفُرْسِ وأراد الوصول إلى الهرمزان لقتله؛ فقاتل حتى وصل إلى الهرمزان، وما إن وصل مجزأة إلى الهرمزان حتى تقاتلا، فضرب مجزأة ضربة أخطأها، وضرب الهرمزان ضربة فأصابت مجزأة ليستشهد أيضاً في هذه المعركة.

أسر الهرمزان

فر الفرس من أرض المعركة، أما الهرمزان فقد فضل الاختفاء داخل قصره الكبير، وأغلق عليه بابه؛ فقد كان قصرًا أقرب إلى الحصن, وبعد أن صعد الهرمزان إلى قصره وأغلق بابه نادى على المسلمين: إن معي في جعبتي مائة سهم، لو أطلقتُها لقتلتُ مائة منكم؛ فسهمي لا يخطئ، فأي نصر تحققونه إذا أخذتموني وقتلت منكم مائة؟! فقالوا له: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أنزل على رأي عمر، تناقش المسلمون فيما بينهم وقَبِلَ أبو سبرة بن أبي رهم عَرْضَ الهرمزان؛ تم القبض على الهرمزان، ووفاءً للعهد معه قرر المسلمون إرساله إلى عمر بن الخطاب ليرى فيه رأيه وليحكم فيه.
أرسل عمر بن الخطاب برسالة إلى أبي سبرة بن أبي رهم يأمره أن يوجه النعمان بن مقرن على رأس الجيوش الإسلامية إلى مدينة السوس، وأن يرجع أبو موسى الأشعري إلى البصرة، ويترك على الجيش المقترب بن ربيعة، وعلى الجيشين أبو سبرة بن أبي رهم.
وتوجه زيد بن كليب إلى "جنديسابور"، وأمر عمر بن الخطاب أن يأتي إليه الهرمزان ومعه فرقة لحراسته، وعلى رأس هذه الفرقة أنس بن مالك رضي الله عنه أخو البراء بن مالك رضي الله عنه، والأحنف بن قيس رضي الله عنه، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب