رسالة أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب
استعد جيش أبي عبيدة للقتال، وبدأ في إعداد الصفوف، وأرسل إلى عمر بأن الروم رفضوا الجزية، وأنهم سيبدءون في الحرب، وسلم هذه الرسالة إلى أحد نصارى الشام وكان عدَّاءً ماهرًا، وطلب منه أبو عبيدة أن ينتظر حتي عودة القوات الإسلامية من المناوشات مع الروم، حيث خرجت بعض القوات الإسلامية من فِحْل، للتحرش ببعض القوات الرومية التي خرجت من خلف المستنقع من "بيسان" لمناوشة المسلمين، فما كان منها إلا أن عادت بسرعة، بعد الانتصار الذي حققته علي القوات الرومية، ووصل الرسول إلى عمر، وسلمه الرسالة من أبي عبيدة، فسأله عمر: وكيف تركت المسلمين؟ فأخبره بأنه ما تركهم حتى علم أمر ذلك الفريق، وأنه تركهم على خير حال، فعاتبه عمر لأنه تأخر في إيصال الرسالة، فقال له: علمت أنك سائلي عن ذلك، فأعجب عمر بذكائه، وسأله ما دينك؟ فقال له: نصراني. فقال له عمر: ويحك! أسلم، فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
قبل معركة بيسان
خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه مع 1500 من الفرسان وهم مقدمة الجيش ليبدأ المناوشات بينه وبين الروم، فعين قيس بن هبيرة علي الميمنة، وميسرة بن مسروق على الميسرة، وأقام خالد في القلب.
تقدمت إحدى القوات الرومية، فخرج إليهم قيس بن هبيرة في فرقته، وصدهم صدًّا شديدًا، ولم يُقتَل الكثير من الطرفين، فعاد قيس وفريقه، وبعد قليل خرجت فرقة أخري، فخرج لهم ميسرة بن مسروق بمجموعته، وصدهم صدًّا شديدًا، فقُتل من الروم بعضُهم، ولم يُقتل من المسلمين أحدٌ، فعاد الطرفان، ثم خرج من الروم قوة أكبر، عليها قائد مقدمة الروم، فخرج إليها خالد بن الوليد بنفسه، وبعض جنده، وقتل منها كثيرًا فعادت، لكن خالد لم يعد واستمر بقواته، واقتحم مقدمة جيش الروم، فهجمت الميمنة والميسرة المسلمة على بقية الجيش الرومي، وأحدثت فيهم مقتلة عظيمة، واضطر الروم إلى الفرار وتتبعهم خالد بن الوليد حتى دخلوا معسكرهم، فعاد خالد بن الوليد وفرسانه.
معركة بيسان
اجتمع خالد مع أبو عبيدة وأخبره أن الوقت أصبح مناسباً للهجوم على الروم وذلك بسبب هزيمتهم النفسية، وأن الهجوم عليهم يجب أن يكون في الصباح، ووافقه أبو عبيدة على ذلك، وبدأ أبو عبيدة يصُفُّ المسلمين، ويدعون الله، ويجهزون صفوفهم لملاقاة عدوهم بعد صلاة الفجر، وكان أبو عبيدة يمر على كل مجموعة، ويحمسهم للقتال في سبيل الله، قائلاً: "عباد الله، اِستوجِبُوا من الله النصر بالصبر، فإن الله مع الصابرين".
ثم أردف قائلاً: "إني أبشر من قُتِل منكم بالشهادة، ومن بقي منكم بالنصر والغنيمة، ولكن وَطِّنوا أنفسكم على القتال، والطعن بالرماح، والضرب بالسيوف، والرمي بالنبال، ومعانقة الأقران، فإنه والله لا يُدْرَك ما عند الله إلا بطاعته، والصبر على ذلك في هذه المواطن المكروهة".
بدأ أبو عبيدة بعد صلاة الفجر في تحريك الجيوش الإسلامية من فِحْل عابرةً نهر الأردن، ثم يُصفّ المسلمون صفوفهم في هذه الجهة، وعلى الجهة المقابلة كان الجيش الرومي بقيادة (سقلار) وهو من كبار قواد الروم، وكان يظنُّ أن المسلمين سيكونون نائمين، ففكر أن يباغت المسلمين، وبدأ يحرك الجيوش الرومية باتجاه الجيش المسلم، وما إن وصل هناك حتى فوجئ بوجود الجيوش الإسلامية مستعدة للمعركة.
رأى خالد أن الجيش الرومي عرضه كبير، لا يرى أوله من آخره، وهو جيشٌ ضخمٌ جدًّا، فأخذ خالد بن الوليد مقدمته، وانطلق في جولة استطلاعية حتى يرى نظام الجيش الرومي، فرأى لهم ترتيبًا غريباً، حيث كان للروم قلبًا وميمنة وميسرة، ولكن في القلب خليطًا من الجنود الفرسان والمشاة وليس هذا من عادة الروم كما جعلوا كلَّ الخيالة من جهة الميمنة راميًا ورامحًا، وذلك لحماية الجيش الرومي من الخيول الإسلامية، فأصبح بذلك قلب الجيش الرومي في منتهى القوة؛ لأنه محميٌّ من الطرفين بالرماة والرماح، كما وجد خالد أن ميمنة وميسرة الروم تتكون من مشاة فقط، كما لاحظ أن عرض الجيش الرومي ضخم جداً فإذا هجم عليهم المسلمين فإن ذلك يتيح للروم الالتفاف علي المسلمين، وقد ترك الروم ظهرهم مفتوحاً ليتمكنوا من الفرار.
بدأ خالد رضي الله عنه بتنفيذ خطته ليفسد تنظيم الروم، فقام رضي الله عنه بالاقتراب من الروم، وكأنه سيقاتلهم، فهجم عليه الروم وكان الجيش الإسلامي كله لا يزال في مكانه مستقرًّا، بدأت المعركة بين المقدمة التي مع خالد وجيش الروم كله، وهنا أظهر خالد الفرار، وكأنه خشي من القوات الرومية، فتجرأ الجيش الرومي وخرجوا لملاحقته، حتى دخل الجيش الرومي إلى المنطقة التي يكون من خلفه المستنقعات، وبذلك لن يستطيعوا الهرب، كما أن هذا المكان الذي وصلوا إليه ضيق، ولا يتسع لهذه الجيش العريض أن تقف أمام جيش المسلمين، فما كان منهم إلا أن بدأوا بالتجمع خلف بعضهم أكثر، فقل عرض الجيش وازدادت صفوفهم، وبذلك فقدوا عامل الكثرة العددية بتقليل أفراد الصف الرومي المقابل للصف المسلم كما فقدوا عامل الالتفاف على المسلمين، فأصبح يقاتل كل رجل رجلاً من كل صف، ولا يتجمع في قتال كل مسلم أكثر من رومي واحد، وبذلك يتبق أمامه مشكلة قلب الجيش الرومي الذي يحيطه الرماة ويحمونه، فقام بتقسيم المقدمة وهم من الفرسان إلى ثلاثة أقسام، كل قسم 500، وجعل على الميمنة قيس بن هبيرة، وجعل نفسه على الميسرة، ووضع ميسرة بن مسروق في القلب، ثم أمرهم خالد أن يهاجموا المشاة في ميسرة وميمنة الجيش الرومي، حيث كان المشاة أضعف أمام الفرسان.
كان القتال شديداً قتل فيه المسلمون كثيرًا من الروم؛ لأنهم مشاة، وقد اقتحم عليهم الفرسان المسلمون بخيولهم، وحدث ما أراد خالد فعندما رأي فرسان الروم الذين في القلب ما يحدث في الميمنة والميسرة من هزيمة كبيرة، اتجهوا بخيولهم مباشرة لنجدة الميمنة والميسرة، وبذلك فقدت قوتها فانكشف قلب جيش الروم، ثم قال خالد بن الوليد: الله أكبر! أخرجهم الله لكم من رَجَّالَتِهم، ثم قال: شُدُّوا عليهم. فانقض ميسرة ناحية قلب الجيش الرومي المكشوف، وبدأ يحاربهم.
كل ذلك حدث، ولا يزال الجيش الإسلامي في مكانه ثابتًا حيث فعل خالد رضي الله عنه كل هذا بالمقدمة فقط، وعندما بدأ الجيش الإسلامي يدرك خطة خالد بن الوليد، انطلقت جيوش المسلمين معاذ بن جبل على الميمنة في ميسرة الروم وخلف خيولهم، وسعيد بن زيد في القلب، وهاشم بن عتبة على الميسرة يهاجم ميمنة الروم، وخلف جنود الروم أيضًا، وهكذا حُصِرت ميمنة جنود الروم، وحصرت الخيول في الميسرة، وأبو عبيدة يحمي بفريقه مؤخرة المسلمين، واشتد القتال، واستعرت الحرب، حتى نزل عليهم الليل، ووقع الكثير من القتلى في صفوف الروم، ويذكر أن جيش الروم كله قد أصيب، وعندما أرادوا الفرار فوجئوا بسقوطهم في المستنقعات، فتمكَّن المسلمون من اللحاق بهم، ووقع الكثير منهم في القتل.
سيطر المسلمون على منطقة الأردن وفلسطين، بعد هروب جيش الروم إِثْرَ هزيمتهم النكراء في "بيسان"، ومن لم يقاتل منهم استسلم، ورضي بدفع الجزية للمسلمين، عدا ثلاث مدن هي القدس وعكَّا وحيفا فلم تستسلم في هذا الوقت.
إرسال تعليق