عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه
بعد انتصار المسلمين في معركة أجنادين ومعركة مرج الصفر الثانية تحرك الجيش الإسلامي إلى مدينة دمشق وقاموا بحصار المدينة، وفي هذه الأثناء جاءت رسالة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يقول فيها: "أما بعد فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله قد توفي، فإنا لله وإنا إليه راجعون, ورحمة الله وبركاته على أبي بكر الصديق العامل بالحق والآمر بالقسط والآخذ بالعرف اللين الستير الوادع السهل القريب الحكيم, ونحتسب مصيبتنا فيه ومصيبة المسلمين عامة عند الله تعالى وأرغب إلى الله في العصمة بالتقى في مرحمته والعمل بطاعته ما أحيانا والحلول في جنته إذا توفانا فإنه على كل شيء قدير، وقد بلغنا حصاركم لأهل دمشق وقد وليتك جماعة المسلمين فابثث سراياك في نواحي أهل حمص ودمشق وما سواها من أرض الشام وانظر في ذلك برأيك ومن حضرك من المسلمين ولا يحملنك قولي هذا على أن تغري عسكرك فيطمع فيك عدوك ولكن من استغنيت عنه فسيره ومن احتجت إليه في حصارك فاحتبسه، وليكن فيمن يُحتبَس خالد بن الوليد فإنه لا غنى بك عنه".
قرأ أبو عبيدة رضي الله عنه الرسالة ثم دعا معاذ بن جبل وأقرأه إيَّاها هو أيضاً، فقال معاذ لمولى عمر يرفأ حامل الرسالة: رحمة الله ورضوانه على أبو بكر، وَبْح غيرك، ما فعل المسلمون؟
قال يرفأ: استخلفَ أبو بكر رحمة الله عليه عمر بن الخطاب.
فقال معاذ بن جبل: الحمد لله، وُفِّقُوا وأصَابُوا.
وقال أبو عبيدة: ما منعني عن مسألته منذ قرأتُ الكتابَ إلا مخافةُ أن يستقبلني فيُخبَرَني أن الوالي غير عمر.
فقال يرفأ: يا أبا عبيدة، إنَّ عمر يقول لك أخبِرني عن حال الناس، وعن خالد بن الوليد أيُّ رجل هو؟ وأخبِرني عن يزيد بن أبي سفيان، وعن عمرو بن العاص، وكيف هما في حالهما وهيأتهما ونصحهما للمسلمين؟
قال أبو عبيدة: أما خالد فخير أمير أنصحه لأهل الإسلام، وأحسنه نظراً لهم وأشده على عدوهم من الكفار، فجزاه الله عنهم خيراً. ويزيد وعمرو في نصحهما وحدّهما ونظرهما للمسلمين وشفقتهما عليهم كما يحب عمر أن يكونا عليه وكما أحب.
قال يرفأ: فأخبرني عن أخويك سعيد بن زيد ومعاذ بن جبل؟
قال: هُما كما عهدتَّ إلا أن يكون السنُّ زادهما في الدنيا زهداً وفي الآخرة رغبة.
ثم قام يرفأ لينصرف، فقال أبو عبيدة: سبحان الله، انتظر نكتب معك، فحمَّل معه رسالة أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب.
كتب أبو عبيدة ومعاذ بن جبل رسالة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم.
من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب.
سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:
فإنَّا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، وإنك يا عمر قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، والضعيف والشديد، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف تكون عند ذلك يا عمر.
إنَّا نذكرك يوماً تُبلَى فيه السرائر وتكشف فيه العورات، وانقطع فيه الحجج، وتزاح فيه العلل، وتجب فيه القلوب، وتعنو فيه الوجوه، لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالناس له داخرون ينتظرون قضاءه ويخافون عقابه ويرجون رحمته. وإنه بلغنا أنه يكون في هذه الأمة رجال إخوان العلانية أعداء السريرة، وإنا نعوذ بالله من ذلك، فلا ينزل كتابنا من قلبك بغير المنزلة التي أنزلناها من أنفسنا، والسلام عليك ورحمة الله.
خرج يرفأ مولي عمر برسالة أبو عبيدة ومعاذ بن جبل وأراد أبو عبيدة أن يكتم خبر وفاة الصديق عن الجيش حتى لا يوهن من عزائمهم، كما كتم أبو عبيدة خبر عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه عن قيادة الجيش.
وصلت رسالة أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب وأخبره يرفأ أن أبو عبيدة لم يخبر المسلمين بوفاة الصديق كما أنه لم يعزل خالد عن قيادة الجيش، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسالتين الأولي يرد بها على رسالة أبو عبيدة ومعاذ، والثانية إلى أبو عبيدة خاصة، وجاء فيها: "من عبد الله عمر، إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد ، وبعد، فقد وليتك أمور المسلمين، فلا تستحي فإن الله لا يستحي من الحق، وإني أوصيك بتقوى الله الذي أخرجك من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، وقد استعملتك على جند خالد، فاقبض جنده، واعزله عن إمارته".
لم يكن أبو عبيدة راضيًا عن نزع خالد عن إمرة الجيش، لما يرى له من بأس على الكفار ورحمة على المسلمين ولمقدرته على القيادة، وخبرته بأمور القتال، فدعي معاذ بن جبل وبعض المسلمين واستشارهم في هذا الموضوع وتداول المسلمون الأمر فيما بينهم، حتى وصل الأمر إلى خالد بن الوليد.
أقبل خالد رضي الله عنه حتى دخل على أبي عبيدة فقال: يغفر الله لك يا أبا عبيدة؛ أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية؛ فلم تُعْلِمْني وأنت تصلِّي خلفي والسلطان سلطانك، فقال أبو عبيدة: وأنت يغفر الله لك، والله ما كنت لأعلمك ذلك حتى تعلمه من عند غيري، وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله, ثم قد كنت أُعْلِمُكَ بعد ذلك، وما سلطان الدنيا أريد وما للدنيا أعمل، وإنَّ ما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وقُوَّام بأمر الله، وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الخطيئة إلا من عصم الله وقليل ما هم.
وقال خالد رضي الله عنه: "الحمد لله الذي ولَّى عمر بن الخطاب، وقد كان أبو بكر أحب لديَّ من عمر بن الخطاب، فالحمد لله الذي ولَّى عمر، ثم ألزمني حبه", فمنذ هذه اللحظة أصبح يحب عمر بن الخطاب.
سبب عزل خالد رضي الله عنه
رأي عمر رضي الله عنه أن الناس سيفتنون بخالد بن الوليد لانتصاراته المتتالية، فأراد عمر رضي الله عنه أن يبين لهم أن النصر من عند الله، كما رأى عمر رضي الله عنه أن في سيف خالد بن الوليد رهقًا، وأنه يقاتل الناس قبل أن يسلموا، لأن عمر يري أن الهدف من الجهاد هو دخول الناس في الإسلام وليس فتح أراضي جديدة فحسب، ولكن لا ننسي أن خالد رضي الله عنه كان يقوم بمهمته خير قيام، وكان حريصًا على إيصال الدعوة الإسلامية للناس وهذا الذي دفع أبو عبيدة لكتم خبر عزله.
إرسال تعليق