استعدادات الفرس لإيقاف المسلمين
أثناء هروب كسري فارس من المدائن إلى حلوان توقف أولاً في جلولاء وترك فيها يزدجرد الجيش الفارسي الذي كان معه في المدائن، فترك بها ما يقرب من خمسين ألف مقاتل فارسي، واستطاع أن يجمع مددًا من المناطق الفارسية المحيطة به، فجمع من أذربيجان ومن أصبهان ومن منطقة الباب غرب بحر قزوين، وجمع من منطقة حلوان وما حولها حتى شرق نهر دجلة، فوصل العدد في جلولاء إلى مائة وعشرين ألف مقاتل فارسي، وأمر عليهم مهران الرازي, كما جمع الفرس جيشاً كبيراً في الموصل شمال المدائن، وكان معظمه من العرب النصارى والفرس والروم، وتحرك هذا الجيش حتى وصل إلى مدينة تكريت، كما جمع الهرمزان جيشًا آخر، وعسكر في الأهواز في مواجهة منطقة الأُبلَّة.
أصبح بذلك أمام المسلمين ثلاث جبهات للقتال جبهة جلولاء باتجاه حلوان، وجبهة الأهواز في الجنوب وجبهة تكريت شمال المدائن، وفي هذه الأثناء جاءت أوامر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث أمر سعد بن أبي وقاص بتوجيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء، وتوجيه عبد الله بن المعتم من المدائن إلى تكريت في خمسة آلاف، كما ووجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى حصن الأبلة.
نبذة عن حصن جلولاء
كانت جلولاء عبارة عن حصن كبير جدًّا، يحوط به سور عالٍ، وبداخل الحصن يعسكر كل جنود الفرس، وخارج الحصن يوجد خندق كبير لا تستطيع الخيول أن تعبره، ثم أرض فضاء أمام الخندق، ثم حسك الخشب. وهي عبارة عن خوازيق مدقوقة في الأرض على مسافات متقاربة، ولا تستطيع الخيول الجري في الحَسَك المدسوسة خارج حصن جلولاء، ومن الناحية الغربية من حصن جلولاء أحد فروع الأنهار الصغيرة تحمي هذه المنطقة، والأرض الفضاء الموجودة بين الحصن وبين حسك الخشب على مرمى سهام الفرس، فكانت هذه المنطقة في غاية الحصانة وبداخلها مائة وعشرون ألفًا من الفُرْسِ على رأسهم مهران الرازي.
فتح جلولاء
تحرك الجيش الإسلامي بقيادة هاشم بن أبي عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء في اثني عشر ألف مقاتل على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميسرة سعر بن مالك، وعلى الميمنة سيدنا عمر بن مالك، وعلى المؤخرة سيدنا عمرو بن مرة، ووصل الجيش الإسلامي إلى جلولاء في أربعة أيام، وعسكر قبلها بقليل.
بدأ المسلمون في حصار الحصن ولم يستطع الدخول لوجود الخندق والحسك، وكان الفرس يخرجون لقتال المسلمين من طرق قد أعدوها مسبقاً لا يوجد بها الحسك، وكانوا يخرجون من وقت لآخر يقاتلون المسلمين فيتقدم لهم القعقاع بن عمرو بمقدمة الجيش فيهزمهم، واستمر المسلمين في الحصار وزحف الفرس على المسلمين ثمانين زحفًا، واستمر الحصار حول جلولاء سبعة أشهر أو يزيد، وصبر الفريقان حتي زاد الأمر مشقة على الطرفين؛ فقد بلغ الجهد مبلغه بالمسلمين والفرس.
خطة القعقاع لإنهاء الحصار
وفي يوم من الأيام خرج الفرس لقتال المسلمين ولكن هذه المرة تختلف عن السابق فقد أخرج الفرس قوة ضخمة من جيشهم للقضاء على المسلمين، فتقدم إليهم القعقاع بن عمرو في مقدمة الجيش الإسلامي، ودار القتال من الصباح حتى المساء، وفي هذه اللحظة وصل مدد إلى المسلمين من ضمنهم طليحة بن خويلد، وعمرو بن معد يكرب، وقيس بن مكشوح، ولهؤلاء الثلاثة بأس شديد في القتال فزادوا من قوة وبأس المسلمين في القتال.
فكر القعقاع بن عمرو في خطة تنهي الحصار فقرر أن يخترق الجيش الفارسي بمقدمة جنوده حتي يصل إلى مدخل الخندق وبذلك يسيطر عليه، وبذلك يمنع الجيش الفارسي من العودة داخل الحصن مرة أخرى.
كما دبر حيلة لتحفيز الجيش على الهجوم بشدة على الجيش الفارسي حيث صاح في المسلمين: أن أنقذوا أميركم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص من الخندق، ولا تموتوا إلا على ما مات عليه.
فحمل المسلمون بجسارة نحو الخندق لنجدة أميرهم وهم لا يشكون أنه فيه، وأخذ المسلمون الفرس من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، وأعملوا أسيافهم في رقابهم، فلما وجد الفرس أن المسلمين سيطروا علي الخندق ألقوا كميات كبيرة من الأخشاب ليردموه ويعبر جيشهم إلى الناحية الأخرى، وبذلك فقد الفرس خط الدفاع وهو الخندق، واستمر القتال إلى صباح اليوم التالي، واكتشف المسلمون أنهم قضوا على الجيش الفارسي الموجود في المنطقة إلا قليلاً من الفرق قدرت بعشرين ألفًا هربت من جلولاء.
هرب الجيش الفارسي باتجاه منطقة خانقين علي بعد ثلاثين كيلو متر شمال شرق جلولاء واصطحبوا معهم نساءهم وأولادهم ليكونوا حافزًا لهم على القتال, تحرك القعقاع بن عمرو وهاجم منطقة خانقين واستطاع فتحها، كما أخذ ما فيها من الغنائم ومن السبي ومن الذراري، واستطاع القعقاع قتل مهران الرازي في هذه المعركة.
غنائم جلولاء
كانت غنائم جلولاء كثيرة جداً فكان نصيب الواحد منهم كنصيبه في المدائن وقيل: إن الفارس أخذ في هذه المعركة تسعة آلاف درهم، وتسعة من الدواب، وقد أرسلت خمس الغنائم إلى المدينة مع زياد بن أبي سفيان.
لما قدم زياد بن أبي سفيان المدينة سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحًا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب، وأحب أن يَسْمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فَقَصَّ عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا بعبارة عظيمة بليغة، فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المِصْقع. يعني الفصيح، فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.
ولما قدمت غنائم جلولاء على عمر قال: والله لا يُجنُّه سقف حتى أقسمه، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموْطِنُ شكرٍ. فقال عمر: والله ما ذلك يبكيني، إن هذا الأمر لهو أشد ما أخاف على المسلمين، وبالله ما أَعطَى الله هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم، وضاعت هيبتهم.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائم الاستعاذة من سبي جلولاء لكثرته خوفاً علي المسلمين من أن يقعدهم هذا السبي عن الجهاد في سبيل الله، وعندما وزعه عمر رضي الله عنه كان المسلم ينال أكثر من واحدة.
فتح حلوان
تقدم القعقاع بن عمرو باتجاه حلوان حيث يوجد يزدجرد،ولكن يزدجرد كعادته هرب شمالاً إلى منطقة الري، وترك حامية صغيرة علي رأسها دهقان حلوان للدفاع عن المدينة، وقد استطاع القعقاع هزيمتهم وفتح المدينة, وبعد فتح حلوان أرسل هاشم بن عتبة فرقة من الجيش عليها جرير بن عبدالله إلى حصن شهرزور ففتحها صلحًا ولم يكن فيها قتال يذكر، وصالح أهلها على الجزية، كما تقدم هاشم بن عتبة في الاتجاه الغربي وفتح كل هذه المنطقة، ودانت هذه المنطقة للمسلمين.

إرسال تعليق