نبذة عن المدائن
"المدائن" عبارة عن سبع مدن، وكانت عاصمة الفرس فترة طويلة من الزمان، وتقع خمس مدن منها في غرب نهر دجلة، ومدينتان في شرق النهر وهم:
1- مدينة بَهُرَسِير وهي أقدم وأكبر المدن السبعة، وعليها سور كبير وحصين، ومن أشد المدن قوة، وكانت تسمى "المدينة الدنيا".
2- مدينة ماخوذة وهي متاخمة لمدينة بَهُرَسِير، وتقع في جنوبها على نهر دجلة.
3- مدينة درزنيرزان وهي في شمال منطقة بَهُرَسِير وكأنها داخله.
4- مدينة ملاش أباد في جنوب مدينة بَهُرَسِير.
5- مدينة سلوقية وتقع في الشمال في غرب نهر دجلة.
6- مدينة طَيْسَفُون مقابل مدينة سلوقية.
7- مدينة أسفنابر وكانت من أهم المدن في مدينة المدائن؛ لأن بها إيوان كسرى وبداخله عرش كسرى، وكان حولها سور ضخم للغاية، وبها غابات كثيرة، وفي المنطقة الشرقية منها ساحة للغزلان يستخدمها كسرى للصيد، ويفصل نهر دجلة بين هذه المدن.
كما يوجد بين بَهُرَسِير وأسفنابر جسر عائم؛ بقطعه الفرس متى أرادوا، وكان بداخل الإيوان يزدجرد الثالث كسرى فارس وقد ظن أن المسلمين لن يستطيعوا الوصول إلى هذا المكان الحصين، ولا يستطيع الدخول إلى المدائن إلا بإذن خاص، وكان لا يدخل إيوان كسرى إلا عدد قليل جدًّا.
وصول المسلمين إلى المدائن
اقترب الجيش الإسلامي من المدائن وعند وصولهم سقطت مدينتي ماخوذة وملاش أباد، فقد تركها أهلها متجهين إلى بَهُرَسِير، وهناك بدأ الفرس في تجهيز العدة لقتال المسلمين.
فوجئ المسلمين بالأسوار العالية الضخمة والأبراج الحصينة لمدينة بهرسير وكان بين الحين والآخر تخرج فرقة فارسية على أبواب الحصن لقتال المسلمين، ثم ترجع إلى الحصن مرة أخرى، وكان المسلمون يصيبون كثيرًا من هذه الفرق التي تناوِئُهم، وشدد المسلمون الحصار على مدينة بَهُرَسِير، واستمر الحصار شهرين كاملين، ورغم شدة الحصار لم يستسلم أهلها، وهنا أشار بعض الفرس على المسلمين باستخدام المنجنيق، فصنع المسلمون أكثر من منجنيق، وبدأوا برميها على مدينة بهرسير، وبدأت هذه الحجارة تتخطى السور، وتقع على أهل بهرسير.
صبر أهل المدينة بعض الوقت ولكن ازداد الضرب عليهم وكثرت أسهم المسلمين المطلقة عليهم بدءوا يفكرون في الاستسلام، وبالفعل بعدما اقترب الشهران من نهايتهما، خرج رسول منهم يطلب الاستسلام، ولكن على أساس أن يصبح للمسلمين كل ما هو في غرب دجلة، وألا يقاتل الفرسُ المسلمين على هذه المنطقة بعد ذلك، وللفرس ما في شرق دجلة, وقد رفض المسلمين هذا العرض واستمروا في ضرب المدينة، فما كان من الفرس إلا أن تسللوا خلسة من مدينة بهرسير على هذا الجسر العائم إلى أسفانبر، وتركوا المدينة خالية، والمسلمون مستمرون في ضرب المدينة، ولم يعلموا أن المدينة خالية حتى خرج لهم أحد الفرس طالبًا الأمان، فأمَّنه المسلمون، فقال لهم: إن المدينة أصبحت خالية. وبالفعل تسلق المسلمون الأسوار، ودخلوا المدينة؛ فوجدوها خالية وبها كميات ضخمة من الأسلحة والعتاد.
وبعد فتح هذه المدينة واصل المسلمين الزحف باتجاه مدينة أسفانبر، حتي وصلوا إلى شاطئ دجلة الغربي ونظروا منه في منتصف الليل إلى الناحية الأخرى من الشاطئ، فوجدوا مدينة أسفانبر، فصاح ضرار بن الخطاب: الله أكبر! هذا أبيض كسرى، هذا ما وعد اللهُ ورسولُه.
فتح مدينة أسفانبر
بدأ المسلمين بالتكبير بعد رؤيتهم إيوان كسري فقد كان بناءً ضخماً يمكن رؤيته من مسافة بعيدة وكان صوت تكبيرهم يصل إلى الفرس الناحية الأخرى إلى يزدجرد كسرى فارس، وإلى جنود فارس؛ فيزيدهم رعبًا.
جمع الفرس السفن الموجودة في دجلة وأبعدوها إلى جنوب وشمال المدائن علي بعد مسافة كبيرة منها؛ حتى لا يستطيع المسلمون أن يسيطروا على أية سفينة من الشمال أو الجنوب، ليعبروا بها إلى الضفة الأخرى، كما قطع الفرس الجسر العائم عند عبورهم من مدينة بَهُرَسير إلى مدينة أَسْفَانِبْر.
كان هذا العبور في شهر مارس وهو بداية الفيضان في نهر دجلة ولكن لم يكن قد وصل بعد، وكان يوجد بعض المخاضات التي من الممكن أن يسير فيها المسلمون، أشار الفرس على سعد بن أبي وقاص أن يعبر بالجيش الإسلامي نهر دجلة من إحدى هذه المخاضات وكان تعداد الجيش ستون ألفاً، ولكن سعد كان متردداً في عبور هذا النهر بهذا العدد الضخم من الجنود دون أي وسيلة تساعده.
صلي سعد صلاة الاستخارة ونام ليلة، فرأى رؤيا فيها خيول المسلمين تعبر نهر دجلة، والمياه تضرب في هذه الخيول، ومع ذلك رأى خيول المسلمين تعبر هذا النهر، فاستيقظ من النوم فقال: إن هذا ردُّ الاستخارة، وإن هذه الرؤيا رؤيا خير إن شاء الله، وقرَّر بعدها أن يعبر نهر دجلة بالخيول.
جمع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المسلمين وقال لهم: "إني قد قررت أن أعبر بكم هذا النهر، فما زلتم في هذا المكان وهم في المكان الآخر ومعهم السفن يناوشوكم".
كان الفرس قد وضعوا فرقة فارسية قوية خارج مدينة أسفانبر للدفاع عنها، فأعلن سعد رضي الله عنه أنه من يريد أن يتطوع لعبور دجلة في مقدمة الصفوف فليتطوع؛ فتقدم له من المسلمين 600 متطوع تقدموا ليكونوا أول أناس تعبر دجلة، فأُمِّرَ عليهم عاصم بن عمرو التميمي.
ثم اختار عاصم بن عمرو ستون فارساً من فرسان المسلمين الأشداء من ضمن 600 متطوع، وطلب منهم أن يكونوا على مقدمة الصفوف، واقتحم بهم دجلة، وأمر الجيش بأن يشرع الرماح، ويلقي بالرماح في عيون الفرس، ويقول لهم: لا تضربوا الفرس في أي مكان، ولكن اضربوهم في العيون.
تفاجئ الفرس بعبور المسلمين للنهر في وقت الفيضان فقاموا بإنزال قوات فارسية لتقاتل المسلمين في المياه، ودخل الفرس في حرب خاسرة منذ البداية مع المسلمين وسط المياه، والتقى المسلمون مع الفرس بالرماح، وشهروا الرماح في أعين الفرس؛ ففقئوا منهم العيون، وصار الفرس بين قتيل وأعور وفارٍّ من المسلمين.
استطاع عاصم بن عمرو العبور بفرقته كاملة وبدأ في قتال الفرس هناك علي الشاطئ الشرقي لنهر دجلة وبقية الجيش الإسلامي علي الشاطئ الغربي لنهر دجلة، وبدأ المسلمون يُعمِلُون سُيُوفَهم في الرقاب الفارسية خارج أسوار "أسفانبر" على الشاطئ الشرقي لنهر دجلة، حتى أتاهم رجل من داخل مدينة أسفانبر من داخل السور، ونادى على الفرس قائلاً: علامَ تقتلون أنفسَكم؟! ليس في المدينة أحد، كل من بالمدينة هربوا، وعندما سمع الفرس هذا الكلام انهزموا هزيمة نفسية شديدة، وبدءوا يفِرُّون من أمام القوات الإسلامية, عندما شاهد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ذلك أمر الستون ألفاً بعبور النهر وقال لهم: اعبروا مَثْنَى مَثْنَى، وأمرهم أن يقولوا: "نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونِعْمَ الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
وفي وقت عبور المسلمون مثنى مثنى إلى مدينة "أسفانبر"، وقصرها الأبيض قصر بوابته شرقية مواجهة لدجلة، كان كسرى فارس يهرب من هذا الموقف حيث هرَّبوه في زبيل وهو شيء مثل القفة أو يشبه الجوال، من الباب الخلفي لقصره، ويهرب خارج الأسوار إلى مدينة حلوان.
عبر الستون ألفًا نهر دجلة، ولم يفقد المسلمون جنديًّا واحدًا في العبور، وإنما سقط أحدهم في المياه، فأدركه القعقاع بن عمرو التميمي وجذبه، ثم وضعه على حصانه ثانيةً؛ فقال له هذا الرجل: يا قعقاع، أعجزت النساء أن يلدن مثلك؟!.
دخل المسلمين مدينة أسفانبر ذات الشوارع العريضة والبيوت الضخمة العظيمة، وتجولوا في المنطقة فلا يجدون أحدًا من الفرس باستثناء اثنين من الفرس فقط، يبدو أن الحمية أخذتهما فمنعتهما من الهرب، وكانا مستغرقَيْنِ في استعراضات أمام المسلمين؛ فواحد منهما بيده كرة يرميها لأعلى، والثاني يضرب الكرة بالسهم، فيصيب الكرة في السماء؛ فهذا استعراض يَشِي بالمهارة والدقة في الرمي، فتقدم رجل من المسلمين اسمه أبو اليزيد المضَارِب، ودخل عليهما فأطلق الفارسيان عليه السهام فلم يصيباه، وهو أقرب من الكرة الطائرة؛ وهذا من اضطراب أعصابهم، حتى وصل إليهم أبو اليزيد المضارب وقتل الاثنين بضربة واحدة، ثم تجول المسلمون حتى وصلوا إلى القصر الأبيض إلى حدود إيوان كسرى، وكان سعد بن أبي وقاص أثناء سيره يردّد قول الله: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 25-29].
نبذة عن إيوان كسري
القصر الأبيض كان الحصن الوحيد الذي يوجد بداخله بعض الفرس المتحصنين الذين لم يشتركوا في القتال، وهذا القصر الأبيض يحيط به سور ارتفاعه من 28 إلى 29 مترًا، والقبة البيضاوية التي كانت في وسطه أبعادها 25 مترًا × 43 مترًا. والمبنى كان كله أبيض، وعليه نقوش كثيرة، ورخام وفسيفساء وأحجار كريمة، وكان مزينًا بزينة عظيمة، وحول هذه القبة الكبيرة قباب كثيرة على الجانبين، والسور كله ليس به أية نوافذ، بل كان مصمتاً؛ وذلك تأمينًا للقصر.
حاصر المسلمون القصر حصارًا بسيطًا؛ لأنه لا يوجد بداخله أحد يضرب عليهم بالسهام أو غيره لعدم وجود النوافذ، لكن بداخله بعض الفرس، فذهب إليهم سلمان الفارسي، وقال لهم: أنا منكم، اقبلوا واحدة من ثلاث: إما الإسلام وتكونون منَّا؛ لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإما الجزية ونمنعكم، وإما المنابذة. ويعطيهم مهلةً ثلاثة أيام, وفي اليوم الثالث خرج هؤلاء الفرس، وقبلوا دفع الجزية للمسلمين؛ فدخل سعد بن أبي وقاص بعد فتح القصر، ويتبعه المسلمون داخل القصر الأبيض أو قصر إيوان كسرى، وقام سعد بن أبي وقاص بمجرد دخوله القصر بأداء صلاة الفتح، وهي ثماني ركعات متصلة لا يفصلها تسليم، ولا تُصلَّى جماعة، وإنما تُصلَّى فرادى، وكان دخول القصر في يوم الجمعة 19 من صفر سنة 16هـ.
جمع الغنائم
بسقوط المدائن استسلمت بقية المدن دون قتال وبدأ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في جمع الغنائم، وهذه الغنائم ليس لها حصر، وكمياتها ضخمة، كما أن الفرس قد هربوا ببعض الغنائم، فأمر سعد بن أبي وقاص عمرو بن مقرن المزني بجمع هذه الغنائم، كما أطلق زهرة بن الحُوِيَّة قائد مقدمة المسلمين في متابعة الفرق الفارَّة من الفرس للقبض عليهم، وإحضار الغنائم التي هربوا بها.
لقد أخذ كسري معه ألف طباخ، وألف مطرب، وألف مدرب حيوانات، ويعتقد في قرارة نفسه أنه خَفَّف الحِمْلَ في السير؛ حتى لا يثقل بمن معه، فأخذ معه ألفًا فقط من كل طائفة.
يذكر حبيب بن صهبان، قال: دخلنا المدائن فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالاً مختمة بالرصاص، فما حسبناها إلا طعامًا، فإذا هي آنية الذهب والفضة، وكان عدد الدراهم الموجودة في قصر كسرى ثلاثة آلاف مليون درهم، أي ثلاثة بلايين درهم جمعها كسرى ومن سبقه، وتعثر عليه وعلى جيشه أن يحملوا كل هذه الأموال.
واستطاعت فرق الجيش الإسلامي التي خرجت تتابع الفرق الهاربة من الفرس أن تحصل على بعض الغنائم، واستطاع القعقاع بن عمرو التميمي أن يلحق بحامية فارسية وقاتلها وحصل منها على خمسة دروع وستة أسياف، وكان من بين هذه الدروع والأسياف سيف ودرع كسرى، وسيف ودرع هرقل، وكان الفرس قد غنموهما من الروم قبل ذلك، ودرع وسيف خاقان ملك الترك، ودرع وسيف ملك الهند، ودرع وسيف النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وقد خَيَّر سعد بن أبي وقاص القعقاع بن عمرو بين السيوف فاختار سيف هرقل وكان سيفًا قويًّا، وكانت الفرس تفخر بهذه العُدَّة.
ومن ضمن ما غنمه المسلمون في مطاردتهم للفرس حُلَل كسرى، فغنموا لباسه وغنموا سِوَارَي كسرى وتاجه، وكان وزن التاج واحدًا وتسعين كيلو جرامًا، وكان كسرى فارس إذا جلس على كرسي مملكته يدخل تحت تاجه، وتاجه معلق بسلاسل الذهب؛ لأنه كان لا يستطيع أن يلبسه على رأسه لثقله، بل كان يجيء فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج الذي تحمله السلاسل الذهبية عنه، وأخذ المسلمون هذه الغنائم، وغنموا البساط الموجود في الإيوان، وكان من عجائب هذا العصر، وكان حجمه ستة وثلاثين مترًا في ستة وثلاثين مترًا، وكانت السجادة مصنوعة من خيوط موشاة بالذهب والفصوص والجواهر، وكانت عليه الرسوم النادرة التي لا تقدر بمال، وكانت الأكاسرة تُعِدُّه للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه، فكأنهم في رياض؛ فيه طرق كالصور وفيه فصوص كالأنهار، أرضها مذهبة، وخلال ذلك فصوص كالدر وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات في الربيع، والورق من الحرير على قضبان الذهب، وزهره الذهب والفضة، وثمره الجوهر وأشباه ذلك.
وتولى توزيع الغنائم سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو معيّن من قِبَل عمر بن الخطاب منذ بداية حروب القادسية على توزيع الغنائم، فبدأ بتوزيع الغنائم فوزع أربعة أخماس الغنائم من الذهب والفضة على الجيش الإسلامي، وبعث بالخمس إلى عمر بن الخطاب في المدينة, وكان الرجل يطوف في السوق ويقول: من معه بيضاء بصفراء؟! وذلك من كثرة الأموال في أيدي المسلمين بعد فتح المدائن.
حرص سعد بن أبي وقاص على أن تكون الغنائم الذاهبة إلى عمر بن الخطاب في المدينة من ممتلكات كسرى نفسه كسيفه ومنطقته ولباسه وحلله.
ولما وصلت هذه الأشياء إلى عمر بن الخطاب استدعى رجلاً اسمه "مُحلِّم" أجسم رجل في المدينة في ذلك الوقت، وكان جسم يزدجرد ضخمًا جدًّا، فقد كان يشبه يزدجرد في جسمه، وألبسه سيدنا عمر لباس يزدجرد، وأقام له التاج على عمودين من الخشب وألبسه محلمًا، وجعل الناس ينظرون إليه، وقال للناس: هذا يشبه ملك كسرى، أعزنا الله بالإسلام، وأذل الله مثل هؤلاء بالإسلام.
ولما رأى الناس في المدينة هذه الغنائم، ورأوا سيف كسرى وتاجه ومنطقته، وقد انتقل كل ذلك من أرض فارس إلى أرض المسلمين؛ زاد ذلك في عزيمتهم، وتطوع كثير من الناس للجهاد في أرض فارس وأرض العراق.
ولما قسم سعد فيهم الأموال فضل عنهم البساط ولم يتفق قسمه، فجمع سعد المسلمين، فقال: إن اللَّه تعالى قد ملأ أيديكم، وقد عَسُرَ قسم هذا البساط، ولا يقوى على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به أنفسنا لأمير المؤمنين، يضعه حيث شاء؛ ففعلوا، فبعث بالقطف إلى عمر بالمدينة.
ولما وصل القطف إلى عمر بن الخطاب بالمدينة ورآه الناس أخذ القطف بعقولهم وألبابهم، وتحيَّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا القطف، فجمع الناس فاستشارهم في البساط، فمن بين مشير بقبضه، وآخر مفوِّض إليه، وآخر مرقِّق، فقام علي فقال: لِمَ تجعل علمك جهلاً، ويقينك شكًّا، إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيتَ، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. فقال: صدقتني، فقطِّعْه، فقسَّمه بين الناس، فأصاب عليًّا قطعة منه فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجود تلك القطع، وهذا ثمن قطعة واحدة منه فكم يكون ثمن القطف كله.
إرسال تعليق