تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

التحرك نحو المدائن


البشري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قام سعد بن أبي وقاص بكتابة رسالة إلى عمر بن الخطاب بعد انتهاء المعركة في يوم 17 من شعبان، وهو خامس يوم من أيام القادسية، يقول له فيها:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونثني عليه الخير كله، أما بعد..
فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم يَرَ الراءون مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين. وقد اتبعهم المسلمون على الأنهار، وعلى طفوف الآجام، وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ وفلان وفلان ورجال من المسلمين لا نعرفهم. 
وسعد بن عبيد من أصحاب رسول الله، وشهد كل المشاهد مع رسول الله بداية من بدر وحتى تبوك إلى أن تُوُفِّي الرسول، وكان يسمى سعد بن عبيد القارئ؛ لأنه كان يؤم المسلمين في وجود الرسول في مسجد قباء، فالرسول كان يؤم المسلمين في المدينة وكان هو يؤم المسلمين في مسجد قباء.

كَلَّف سعد بن أبي وقاص سعد بن عُمَيلة بتوصيل رسالة إلى المدينة المنورة على أن يسلمها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكان عمر يخرج بنفسه كل يوم بعد صلاة الضحى حتى الظهيرة على أبواب المدينة في الصحراء ينتظر البشير، وعندما يرى أي قادم عليه من العراق يسأله: هل أنت من العراق؟ فيقول له الرجل: لا. وهكذا كل يوم، والمسلمون قد خرجوا للقتال منذ شهور، حتى وصل سعد بن عميلة بالرسالة إلى مشارف المدينة المنورة، وهو راكب على ناقته فيسأله عمر t: هل أنت من العراق؟
فيقول له: نعم. فيستبشر عمر بن الخطاب، وصاحب الرسالة ما زال فوق الناقة لا يعرف عمر، وعمر بن الخطاب يمشي على الأرض، فيقول له: وما فعل المسلمون بالفُرْسِ؟ فيقول: نصرهم الله وأهلك العدو. والناقة تسرع في اتجاه المدينة وعمر بن الخطاب يجري بجوار الناقة، وسعد بن عميلة يكلمه من فوق الناقة؛ حتى دخلا المدينة فسمع سعد الناس تقابل أمير المؤمنين عمر، وتقول له: السلام عليكم يا أمير المؤمنين. فقفز سعد بن عميلة من فوق الناقة، وقال له: هلاَّ أخبرتني. فيقول: لا عليك يا أخي، فيأخذ عمر الرسالة، ويصعد فوق المنبر، ويجتمع المسلمون كلهم في المسجد، ثم يطمئنهم أن الله قد فتح عليهم، وأن الله قد مَنَّ عليهم بالنصر، وأنه قد أهلك فارس، وأسقط راية الفرس العظمى.
ونقل لهم أخبار استشهاد بعض المسلمين، وبكى عمر بن الخطاب على استشهاد سعد بن عُبَيْد القارئ، فيقول عمر بن الخطاب بعد أن علم بشهادة سعد بن عبيد القارئ: واللهِ لقد كاد قَتْلُ سعد بن عبيد يُنَغِّصُ عليَّ هذا الفتح.
لقد أثَّر موت الصحابي سعد بن عبيد في عمر بن الخطاب تأثيرًا شديدًا، ثم أخذ سعد بن أبي وقاص يعدِّد أسماء الشهداء مثل: عبد الله بن أم مكتوم، وأولاد الخنساء وغيرهم، ثم يقول: ورجال من المسلمين لا نعلمهم، الله بهم عالم. ويقول سعد في رسالته عن جنوده: وكانوا يدوون بالقرآن كدويِّ النحل إذا جَنَّ عليهم الليل.

توزيع الغنائم

وبدأ سعد بن أبي وقاص في توزيع الغنائم، فكان نصيب الفارس من المسلمين ستة آلاف، وكانت غنائم القادسية أكثر الغنائم التي أخذها المسلمون حتى هذه الوقت، وأفاء عليهم بستة آلاف للفارس وألفين للرَّاجل, ثم أعطى سعد بن أبي وقاص أهل البلاء وكان عددهم خمسة وعشرين، وهم الذين أظهروا الجرأة والشجاعة والإسراع لنيل الشهادة في سبيل الله، ووزع عليهم عطايا أكثر؛ لتشجيع المسلمين على أن يستبسلوا دائمًا في المعارك، وكان منهم طليحة بن خويلد الأسدي، وكان منهم القعقاع بن عمرو التميمي، وعاصم بن عمرو التميمي، والربيل بن عمرو، وغيرهم.

التحرك نحو المدائن

بعد انتصار المسلمين في القادسية بدأ استعداد المسلمين للوصول إلى المدائن عاصمة الفرس، مكث المسلمون في القادسية شهرين بعد انتهاء معركة القادسية، وفي هذين الشهرين تمت معالجة جرحى المسلمين، وبلغ تعداد شهداء المسلمين في القادسية ثمانية آلاف وخمسمائة شهيد.
أعاد سعد بن أبي وقاص ترتيب الجيش والجنود، ومن المدينة كان عمر بن الخطاب يتابع أخبار الجيش ويرسل لهم المدد.
وقد قُتِلَ في معركة القادسية رستم والجالينوس، وقُتِلَ بهمن جاذوية وقتل البيرزان وكانوا من أهم قادة الجيش الفارسي، ولم يبقَ من قادة الفرس المشهورين في هذه المعركة غير الهرمزان ومهران الرازي والفيرزان، وقُتِلَ أربعون ألف فارسيٍّ في تلك المعركة، وكان لذلك الأثر الشديد على القبائل العربية، فبعض القبائل الذين ترددوا في الخروج من قبل خرجوا للقتال لمساعدة الجيش الإسلامي في فارس، وبدأت الإمدادات تتوالى على سعد، ثم قدمت الرسائل من المدينة بالتحرك من القادسية تجاه المدائن، وكان هذا الأمر في شهر شوال من العام السادس عشر من الهجرة، فتحرك الجيش الإسلامي على التعبئة نفسها التي كان عليها في القادسية، فكان على المقدمة زهرة بن الحُوِيَّة، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم، والميسرة شرحبيل بن السمط، وكان خالد بن عرفطة على مؤخرة الجيوش، وعلى قلب الجيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قائد المدد القادم من الشام.

قاد سعد بن أبي وقاص الجيش بنفسه بعد أن شفاه الله من مرضه الذي ألَمَّ به في موقعة القادسية، تقدَّم زهرة بن الحوية إلى المدائن مارًّا بمنطقة الكوفة، وقد وصل عدد الجيش الإسلامي بعد موقعة القادسية وقبل أن يصل إلى المدائن إلى ستين ألف مقاتل.
تقدمت مقدمة المسلمين بقيادة زهرة بن الحوية، وقابلته فرقة فارسية وذلك قبل أن يصل إلى الكوفة لتقاتل الجيش الإسلامي، فاجتاحها زهرة بن الحوية ووصل إلى مدينة الكوفة.
عسكرت مقدمة المسلمين في مدينة الكوفة ثم وصلت باقي القوات الإسلامية وعسكرت مع المقدمة، ثم أرسل سعد بن أبي وقاص زهرة بن الحوية مرة أخرى باتجاه مدينة بُرْس، وقبل أن يصل إلى "برس" بقليل قابلته فرقة فارسية أخرى، وكانت هذه الفرقة أكبر من سابقتها، وكان على رأس هذه الفرقة بَصْبَهْرِي وكان من أمراء هذه المنطقة، وتقاتلت الفرقتين وبارز زهرة بصبهري وطعنه؛ فأصابه ولم يقتله ولكنه مات بعدها بأيام في بابل، وبمقتل بصبهري هزم الجيش الفارسي في هذه المنطقة، وتقدمت قوات زهرة بن الحوية إلى مدينة برس، ولما وصلها أتاه دهقانها واسمه "بسطام" بالصلح، وكان جنود رستم قد عاثوا في هذه المدينة بالفساد أثناء تحركهم من المدائن إلى القادسية، وضجَّ أهل برس بالشكوى إلى رستم؛ فقال رستم لجنوده: إن فعل العرب في مدينة برس لما دخلوها كان أفضل من فعلكم أنتم، وأن هذا الفعل سيؤدي بكم إلى الهزيمة.

ويقع في شمال مدينة برس نهر النيل، وكان هذا النهر عريضًا يصعب على المسلمين اجتيازه، وحتى يستطيع المسلمين عبوره أقام لهم "بسطام" أمير برس الجسور، فعبر المسلمون من برس إلى منطقة بابل، وكان ذلك غير متوقع لجنود الفرس في هذه المنطقة التي كان بها تجمع كبير للفرس في انتظار الجيش الإسلامي، ولكن لم يتخيلوا أن الجيش الإسلامي سيعبر إليهم بهذه السرعة لوجود العائق المائي.
علم زهرة بن الحوية بالتجمع الكبير في منطقة بابل؛ فأرسل زهرة بذلك إلى سعد بن أبي وقاص، وكان على رأس هذا التجمع الفيرزان الذي أصبح قائدًا عامًّا للجيوش الفارسية بعد مقتل رستم، وتعاهدت الجيوش الفارسية في بابل على الثبات وعلى الطاعة للفيرزان والقتال، وكان تحت إمرته في هذه الموقعة الهرمزان، والنخيرجان، ومهران الرازي، فكان بمنطقة بابل أكبر أربعة قواد في الدولة الفارسية.
وتقدمت المقدمة الإسلامية إلى بابل، واشتبكت مع جيش الفيرزان الذي تعاهد على عدم الفرار، وقبل أن يصل باقي الجيش الإسلامي هزمتهم المقدمة شر هزيمة.

فتح منطقة كوثي

وبعد هزيمتهم في بابل هرب الفرس ليتجمعوا في كُوثَى في شمال بابل، واستنجد الجيش الفارسي في بابل بالجيوش الفارسية الأخرى في المناطق المجاورة للدفاع عن كُوثَى، ولم تكن الفكرة في الاستنجاد بالقوات الفارسية للدفاع عن كُوثَى، بل كانت لإعاقة المسلمين عن التقدم إلى المدائن.
رأي عمر بن الخطاب أن يفتح جبهة جديدة للقتال حتى يشتت قوى الفرس، وكانت فكانت خطة عمر إرسال عتبة بن غزوان إلى منطقة الأُبلَّة، وقد فتح خالد بن الوليد هذه المنطقة من قبل، لكن قبل موقعة القادسية عمل سعد بن أبي وقاص على جمع الجيوش الإسلامية المتواجدة في أرض فارس إلى القادسية، فتخلى المسلمون عن الأُبلّة، ووقعت في أيدي الفرس مرة أخرى، ونجحت خطة عمر بن الخطاب ففتح الأبلة ببساطة شديدة، وقد استطاعت هذه الفرقة الصغيرة التي توجهت إلى الأبلة سحب جزء كبير من الجيش الفارسي بقيادة الهرمزان للدفاع عن الأبلة؛ فكانت الباب للدخول إلى منطقة الأهواز التي يحكمها.

ولما اقترب المسلمون من كُوثَى اجتمع أصحاب الرأي من قادة الجيش الفارسي فاتفقوا على أن يذهب الهرمزان للدفاع عن أرضه ومكان حكمه، وعلى أن يذهب الفيرزان إلى منطقة نهاوند، وانسحب مهران الرازي والنخيرجان إلى المدائن للدفاع عن المدائن وتركوا في منطقة كُوثَى شهريار أحد قادة الفرس الشجعان؛ ليدافع عنها ويعوق مسير المسلمين إلى المدائن.
ومرت مقدمة المسلمين بمنطقة تسمى الصراة، وانتصر فيها المسلمون انتصارًا سريعًا على فرقة فارسية صغيرة، ثم تقدمت نحو كُوثَى، فالتقت المقدمة مع جيش شهريار قائد الجيش الفارسي في هذه المنطقة، فخرج ليبارز وكان رجلاً ضخم الجثة، فنادى في المسلمين قائلاً: ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إليَّ حتى أُنَكِّلَ به. فقام إليه زهرة بن الحوية، وقال له: والله كنتُ سأخرج لك، ولكن سأخرج لك عبدًا حتى إذا فررت منه تكون فررت من عبد، وإذا قتلك يكون قتلك عبدٌ؛ قاصدًا إهانة شهريار، فخرج له أبو نباتة بن جعشم الأعرجي وكان رجلاً شديدًا أيضًا، وكان شهريار مثل الجمل، فلما رأى أبا نباتة ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى أبو نباتة رمحه وانتضيا سيفيهما، واجتلدا به ثم اعتنقا وتصارعا فخرَّا عن فرسيهما، ووقع شهريار على أبي نباتة كالبيت فضغطه بفخذه، وبدأ بحل رداء أبي نباتة، فوقع إبهامه في فم أبي نباتة؛ فقضمه حتى حطم عظامه، فخارت قوته فحمله أبو نباتة، وأخذ خنجره، وكشف عن بطنه، وطعنه عدة طعنات حتى قُتِلَ، وبمقتل شهريار انهزم الجيش الفارسي وتفرق الجنود في البلاد.

ثم تقدمت الجيوش الإسلامية بعد الانتصار في كُوثَى إلى ساباط، وقبل الوصول إلى ساباط كانت توجد فرقة تسمى فرقة بوران في ضاحية من ضواحي ساباط تسمى مظلم ساباط، وكانت فرقة بوران إحدى الفرق الملكية التي كانت تقسم كل يوم قبل أن تنام وتقول: لا يزول عرش فارس ما عشنا.
وكان مع هذه الفرقة أسد مدرب على القتال، وأطلقه الفرس على المسلمين في منطقة ساباط، فتقدم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى الأسد، وقتله بعدة طعنات وأرداه قتيلاً، وأثر قتل الأسد على كتيبة بوران تأثيرًا شديدًا، وثبتت كتيبة بوران لقتال المسلمين ولم تفر حتى قتلت عن آخرها.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب