استكمال فتح فلسطين
توجه عمرو بن العاص رضي الله عنه من بيسان إلى مدينة سبطية شمال غرب نابلس، ثم اتجه منها إلى نابلس ففتحها، ثم فتح مدينة اللد ومدينة عمواس، ثم توجه جنوبًا إلى بيت جبرين، ثم اتجه جنوبًا وفتح رفح، واتجه شمالاً مرة أخرى ففتح عسقلان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ثم يافا، وقيل: إنها استعصت عليه!! ثم توجه إلى قيسرية فحاصرها فترة واستعصت عليه، ولم يستطع أن يفتحها.
وهكذا فإن في النصف الثاني من عام 15هـ استطاع عمرو بن العاص أن يفتح فلسطين كلها، باستثناء 3 مدن، هي قيسيرية، ويافا، والقدس, وكانت أسوار القدس عالية، وكانت حاميتها صغيرة ولكنها صابرة على القتال، وكان قائد الروم عليها رجلاً يُضْرَبُ به المثل في الدهاء والمكر، وهو أرطبون، وكان العرب يعرفون أرطبون حتى قبل الفتوحات.
حصار القدس
بعد أن فتح عمرو بن العاص رفح توجه بعد ذلك إلى القدس وحاصرها، ومكث في حصارها مدة طويلة.
فكر عمرو في أن يحتال للأمر، فقام بدخول القدس بنفسه، باعتباره رسولاً من رسل المسلمين إلى أرطبون حتى يفاوضه، وغرضه أن يدخل فيبحث عن نقطة ضعف تمكنه من اقتحام تلك المدينة الحصينة، فذهب بنفسه، وبمفرده لأرطبون، وتحدثا سويًّا حديثًا طويلاً.
وقال أرطبون الروم بعد انتهاء المناقشة: "والله إن هذا لعمرو، أو الذي يأخذ عمرو برأيه"؛ لأنه يعرف عمرو بن العاص، ويسمع عن دهائه ومكره، ففكر في قتله، وقال: إنه لن يصيب المسلمين مصيبة أعظم من هذه، فأمر أحدَهم سرًّا أن يقتله، وشعر عمرو بفطنته بذلك، وقيل أن أحد العرب أَسَرَّ له بأنه سيقتل، ففكر كيف يخرج من هذا المأزق؟ فقال لأرطبون: إنني واحد من عشرة أرسلنا عمر بن الخطاب، لنعاون هذا الوالي فإن أردت أن أذهب، وأعود إليك بالعشرة فتسمع منهم ويسمعوا منك، فإن وافقوا على رأيك، كان هو الرأي، وإن رفضوا عرفت أمرك! ففكر أرطبون أن عشرة أفضل من واحد، فتركه يخرج، فخرج عمرو، وبمجرد خروجه كبر المسلمون تكبيرًا شديدًا، فتعجب الروم، وعلموا أنه عمرو بن العاص، وقال أرطبون: "خدعني الرجل، والله إنه لأدهى الخلق".
وحمد عمرو بن العاص الله على عودته، وقال: "واللهِ لا أعودُ لمثلها أبدًا"، إذ كان ذلك جرأة كبيرة منه، وكان بعد ذلك إذا أقسم قال: "والذي أنجاني من أرطبون".
وقد قال عمر بن الخطاب عن عمرو بن العاص: "لقد رمينا أرطبون الروم، بأرطبون العرب، فانظروا عَمَّ تنفرج".
بعد فتح مدينة أنطاكية جاءت الأنباء من عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة بن الجراح أنه قد استعصى عليه فتح مدينة القدس، وكذلك يافا وقيسرية، فترك أبو عبيدة جزء من جيشه لاستكمال فتح المدن في الشمال وأخذ هو الجزء الآخر وذهب إلى عمرو بن العاص، ثم جاء شرحبيل بن حسنة، ثم خالد بن الوليد من قنسرين حتى يحاصر معهم القدس، وحاصروها حصارًا شديدًا لشهور طويلة.
ووجد أهل المدينة أن المسلمين مستمرون في الحصار، فلم يكن من أرطبون إلا أن هرب من القدس، وتوجه إلى مصر، ومكث هناك فترة طويلة، مع حامية الروم هناك، حتى جاءه بعد ذلك عمرو بن العاص في فتح مصر.
استسلام القدس
بعد حصار دام أربعة أشهر وافق أهل القدس على الاستسلام ودفع الجزية ولكن بشرط أن يحضر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى القدس, لذلك أرسل أبو عبيدة إلى عمر يبلغه بشرط أهل القدس فاستشار عثمان وعليًّا، فأشار عليه عثمان بألا يذهب، وأشار عليه علي بأن يذهب، وأخذ برأي علي، فجاء عمر رضي الله عنه، من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، واستخلف عليًّا رضي الله عنه على المسلمين في المدينة المنورة, ولم يدخل عمر إلى القدس مباشرة، وإنما ذهب إلى منطقة الجابية وكان المسلمون هناك مستعدين لاستقباله، مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد، ويزيد، فرحبوا به ترحيبًا عظيمًا.
وقام في الجابية يخطب خطبة طويلة عصماء، جاء فيها:
"أيها الناسُ أصلحوا سرائركم تَصلُحْ علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تُكْفَوْا أَمْرَ دنياكم"، وقال فيها أيضا: "فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"، وقال أيضا: "ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما".
العهدة العمرية
حضر والي القدس إلى الجابية وهناك قابل عمر بن الخطاب رضي الله عنه واتفقا علي الصلح، وكتب لهم عمر رضي الله عنه عهداً بذلك سمي بالعهدة العمرية وكان نصه:
"بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان -وإيلياء هي القدس- أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارّ أحدٌ منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود, (نعم أيها المسلمون، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود, كان هذا طلب أهل القدس أنفسهم؛ لأنهم كانوا يكرهون اليهود بشدة -وكان اليهود يذبحون أسرى النصارى عند الفرس- حتى إنه في رواية أخرى للمعاهدة (ولو مرَّ بها يهوديٌّ، لا يبيت فيها ليلة) لأنهم كانوا يعادون اليهود عداءً حقيقيًّا), وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرِجُوا منها الروم، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصُلُبَهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فعليه مثل ما على أهل إيلياء، ومن شاء أن يسير مع الروم، سار مع الروم وهو آمن، ومن شاء أن يرجع إلى أهله، رجع إلى أهله، وهو آمن، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان وكُتِبَ وحُضِرَ سنة خمس عشرة".
وبذلك سلمت مفاتيح القدس لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
دخول القدس
بعد عقد الصلح تحرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجيشه من الجابية إلى القدس ودخلها ليلاً، وحينما دخل بحث عن كعب الأحبار الذي كان يهوديًّا ثم أسلم وسأله عن مكان الصخرة فقال: يا أمير المؤمنين اذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعًا فهي ثَمَّ؛ فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة فلما تحقق لعمر موضع الصخرة أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل: إنه كنسها بردائه، حتى طهر الباب فدخلوا إلى الساحة وصلى عمر في محراب داود ركعتين تحية المسجد، ثم انقضى الليل، وجاء الفجر، فأَذَّنَ المؤذن لصلاة الفجر، وهي أول مرة يُؤَذَّن فيها في القدس الشريف.
وصَلَّى عمر بن الخطاب بالناس، وبعد الصلاة عادوا لتنظيف بقية أنحاء المسجد، ثم قرر المسلمون بناء المسجد الأقصى، لأنه كان مجرد سور، بداخله مساحة واسعة فقط، فاستشار عمر بن الخطاب كعبًا: أين يضع المسجد؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، وعندئذٍ من يتجه نحو القبلة في البيت الحرام، ستكون الصخرة حائلاً بينه وبين القبلة فضرب في صدره وقال: يا ابن أم كعب ضارعت اليهود وأمر ببنائه في مُقَدِّم بيت المقدس "أمام الصخرة", وبعد ذلك عاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المدينة وعاد كل قائد إلى منطقته.
هجوم الروم مرة أخرى
حاول الروم والنصارى العرب الموجودين في الجزيرة الهجوم على المسلمين، فتوجهوا بقوة لحصار حمص، وبها أبو عبيدة، فقاتلهم أبو عبيدة وهو في حصنه، وطال بينهما القتال، ولم يستطيع أن يفك الحصار، فأرسل إلى عمر بن الخطاب، فأرسل عمر إلى سعد بن أبي وقاص أمير العراق يأمره أن يرسل قوة من عنده لإنقاذ أبي عبيدة.
أرسل سعد جيش بقيادة القعقاع بن عمرو لمساعدة أبو عبيدة، ثم أرسل ثلاثة جيوش لفتح الجزيرة وإنهاء وجود الروم فيها، وفي الطريق إلى حمص وصل إلى القعقاع نبأ انتصار المسلمين على الروم، وتمكَّن أبو عبيدة وجيشه من هزيمة الروم، وقتل عدد كبير منهم، وفرار الباقين, وقد حاول عمرو بن العاص فتح قيسارية ولكنها استعصت عليه وكان بها حامية كبيرة من الروم اجتمعوا بها بعد هزيمتهم في اليرموك، أما يافا فقد أرسل يزيد بن أبي سفيان جيشاً بقيادة أخوه معاوية لفتحها ونجح في ذلك.
إرسال تعليق