طاعون عمواس
وفي بداية عام 18ه ظهر طاعون عمواس وأصيب به الكثير من المسلمين، وظل الطاعون في أرض الشام شهورًا، بل إنه انتشر من عمواس إلى مدن أخرى كثيرة، حتى إنه وصل إلى مدينة البصرة في العراق, ومات خلق كثير, وقد مات من المسلمين في هذا الطاعون أكثر من 25 ألف مسلم وكان تعداد المسلمين الذين دخلوا الشام 36 ألفاً.
لما علم خليفة المسلمين عمر بن الخطاب بهذه الكارثة أراد أن يستنقذ أبا عبيدة بن الجراح، حتى يحافظ عليه قائدًا لجيش المسلمين في أرض الشام، فأرسل له رسالة: "سلامٌ عليك، فإني قد عرضت إليَّ فيك حاجة، وأود أن أشافهك بها، فعزمتُ عليك، إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إليَّ، فإن أتاك ليلاً، فلا تصبحْ حتى تركب إلي، وإن أتاك نهارًا، فلا تُمْسِ حتى تركب إليَّ".
ولكن أبا عبيدة فهم رسالة عمر، وقال: "غفر الله لأمير المؤمنين"، وأرسل له رسالة، يقول له فيها: "يا أمير المؤمنين، إني قد عرفتُ حاجتك إليَّ، وإني في جندٍ من المسلمين، لا أجد لنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيَّ وفيهم أمره وقضاءه، فَخَلِّني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي".
فلما قرأ عمر بن الخطاب كتابه بكى، فسأله المسلمون، وهم يخشون أن يكون قد مات أبا عبيدة، فقال لهم: "لا، ولكن قـد..!!"
وكان عمر قد ذهب إلى الشام، حول مدينة عمواس، وقد انتشر الوباء في أكثر من مدينة، فخرج إليه أبو عبيدة، ورفض عمر أن يدخل المدينة الموبوءة، فقال له أبو عبيدة: أتفِرُّ من قدر الله يا عمر؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!، إنما نفر من قدر الله إلى قدر الله.
وأرسل عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما رسالة أخرى فقال له: "سلامٌ عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضًا عميقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة".
وفاة قادة الجيش الإسلامي
ثم أصيب أبو عبيدة رضي الله عنه بهذا المرض فجمع الناس، وقام فيهم خطيبًا فقال: "إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا شهر رمضان وتصدقوا وحجوا واعتمروا وتواصوا, وانصحوا لأمرائكم ولاتغشوهم, ولا تلهكم الدنيا فإن امرءا لو عُمِّرَ ألفَ حَوْلٍ ما كان له بُدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، وأكيسُهم أطوعهم لربه وأعلمهم ليوم معاده والسلام عليكم". صَلِّ بالناس يا معاذ، وتوفي أبو عبيدة بعد ذلك واستخلف بعده معاذ بن جبل.
وقبل وفاة معاذ رضي الله عنه قال للناس: "يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحًا فإن عبدًا لا يلقى الله تائبًا من ذنبه إلا كان حقًّا على الله أن يغفر له, من كان عليه دين فليقضه، فإن العبد يُرتهن بدينه, ومن أصبح منكم مهاجرًا أخاه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاث وهو الذنب العظيم، إنكم أيها المسلمون قد فُجِعْتُم برجل ما أزعم أني رأيت عبدًا أبرَّ صدرًا , ولا أبعد من الغائلة ولا أشد حبًّا للعامة, ولا أنصح للعامة منه؛ فترحموا عليه رحمه الله واحضروا الصلاة عليه".
وصلت الأخبار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوفاة أبو عبيدة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما فبكي عمر حتى اخضلَّت لحيته بالدموع، ثم كتب إلى يزيد بن أبي سفيان يوليه علي الشام، فأصبح يزيد أمير الشام وكان محاصراً لمدينة قيسارية وكان معه أخوه معاوية, وما هي إلا أيام حتي أصيب يزيد بن أبي سفيان بالطاعون وسقط شهيداً رضي الله عنه.
وصلت الانباء إلى عمر بوفاة يزيد فقام بقسم الشام إلى قسمين، شمالي وعليه معاوية بن أبي سفيان وجنوبي وعليه شرحبيل بن حسنة، وما هي إلا أيام وسقط شرحبيل بن حسنة شهيدًا صريعًا للطاعون، فجمع عمر إمرة الشام كلها لمعاوية رضي الله عنه.
خشي المسلمون بعد ذلك لقلة أعدادهم من بطش الأعداء، بعد هذا الطاعون، وخاصة أن الروم ذوو أعداد كبيرة، فداخل قيسارية يوجد120 ألف رومي، ولكنهم لم يخرجوا للمسلمين حتى هذه اللحظة، ولكن عمر بن الخطاب خشي على بقية الجيش الإسلامي، فبحث لهم عن المدد، وأعد لهم العدة، وذهب بنفسه إلى الشام، فانقمعت بذلك قلوب الأعداء, ومن أسباب ذهابه أيضاً هو الفصل في تقسيم المواريث بين المسلمين، لأنهم احتاروا في تقسيم مواريث 25 ألفًا متوفى، فقسم عمر رضي الله عنه مواريث 25 ألف متوفى بنفسه، ومكث فترة في أرض الشام، حتى زاد المدد، وازدادت شوكة المسلمين.
وممن استشهد في الطاعون: الفضل بن العباس، أبو جندل بن سهيل بن عمرو, وتوفي أبو مالك الأشعري، ومات الكثير من أبناء خالد بن الوليد, وابنا معاذ بن جبل وزوجته.
فتح قيسارية
بعد انقطاع الطاعون ذهب معاوية بن أبي سفيان إلى قيسارية لفتحها وحاصر المدينة فترة طويلة.
وفي ليلة من الليالي أتي رجل من اليهود، اسمه يوسف، يقول لمعاوية: أَمِّنِّي على نفسي، وأهلي ومالي، وأنا أدلُّك كيف تدخل هذه المدينة، فأمنه معاوية، فَدَلَّه على سرداب، تحت الأرض فيه المياه إلى حِقْوِ الرجل، وأخبره أن هذا المجرى من الماء يصل إلى داخل الحصون.
دخل معاوية وجيشه من خلال هذا السرداب ليلاً، ولما دخل الجيش كله، كبر معاوية؛ فكبر المسلمون، وقام أهل المدينة فزعين، وفوجئوا بوجود المسلمين داخل الحصن، فأسرعوا ليفروا عن طريق السرداب، فوجدوا المسلمين عنده، ودارت معركة قاسية جدًّا، ولم يكن جيش المسلمين يتجاوز الـ 17 ألف مجاهد، مقابل 120 ألف رومي، وكتب الله النصر للمسلمين، وسقط الكثير من القتلى الروم داخل الحصن وهرب الباقون، فلاحقهم المسلمون، وقتلوا منهم الكثير.
وبحلول عام 19ه أصبحت الشام كلها إسلامية وانتهت الفتوحات بها وكانت قيسارية آخر مدينة تسقط.
إرسال تعليق