بعد معركة اليرموك
بعد انتهاء معركة اليرموك وفي اليوم التالي خرجت فرقة مكونة من خمسة آلاف مقاتل بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه لملاحقة الفارين، وفي الطريق قابل خالد بن الوليد بعض فلول الجيش الرومي وانتصر عليهم، وتابع سيره حتي وصل إلى دمشق فخرج له أهلها، واستقبلوه، وقالوا له: إنهم على العهد معه، وأنهم سيدفعون الجزية، فأقرهم خالد على ذلك.
ثم اتجه فورًا إلى حمص وقابل في طريقه إلى حمص مجموعة أخرى من الروم في ثنية العقاب، فحاربهم وانتصر عليهم انتصارًا سريعًا, وعندما وصل إلى حمص وجد أهلها يخرجون إليه، يؤكدون أنهم على العهد، لرضاهم بالجيش الإسلامي، فقبل منهم خالد، وأخذ منهم الجزية، وبقي في حمص في انتظار الأوامر من أبي عبيدة.
وبعد أن عرف أبو عبيدة بوصول خالد إلى حمص ترك جزء من جيشه في اليرموك على رأسها بشير بن كعب، وتوجه إلى دمشق, ومن هناك أرسل رسالة لعمر بن الخطاب، يبشره فيها بالفتح والنصر، فقال في رسالته: "لعبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، من أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي أهلك المشركين، ونصر المسلمين، وقديمًا ما تولَّى اللهُ أمرهم، وأظهر نصرهم، وأَعَزَّ دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين، أُخبرُ أمير المؤمنين أنا لاقينا الروم في جموع لم تلق العرب مثلها قَطُّ، فأتوا وقد علموا أنه لا غالب لهم اليوم من الناس أحد، فقاتلوا المسلمين قتالاً شديدًا ما قُوتل المسلمون مثله في موطن قط، ورزق الله المسلمين الصبر، وأنزل عليهم النصر، فقتلهم الله في كل قرية، وكل شعب، وكل واد، وكل جبل، وسهل، وغنم المسلمون عسكرهم، وما كان فيه من أموالهم، ومتاعهم، ثم إني اتبعتهم بالمسلمين حتى أني بلغت أقاصي بلاد الشام حمص، وقد بعثت إلى أهل الشام عمالي، وقد بعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا وإلا فليؤدوا إلينا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون، فإن أبوا سرت إليهم حتى أنزل بهم، ثم لا أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين إن شاء الله، والسلام عليكم".
ولما وصلت الرسالة إلى عمر بن الخطاب فرح بها فرحًا شديدًا، وأرسل عمر رده إلى أبي عبيدة، يقول له: "من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله للمشركين، ونصره للمؤمنين وما صنع لأوليائه وأهل طاعته، فأحمد الله على حسن صنيعه إلينا، واستتم الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تظهروا على عدوكم بعدد ولا عدة ولا حول ولا قوة، ولكنه بعون الله ونصره، ومنه وفضله، فلله المنُّ والطَّوْل، والفضل العظيم، والسلام عليكم".
تقسيم بلاد الشام
بعد وصول أبو عبيدة رضي الله عنه إلى حمص قام بتقسيم بلاد الشام إلى أربعة أقسام وهي:
1- يزيد بن أبي سفيان، على دمشق وما حولها.
2- عمرو بن العاص علي فلسطين.
3- شُرَحْبِيل بن حسنة على الأردن.
4- أبو عبيدة بن الجراح علي حمص وما حولها ومعه خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وقد أخذ أبو عبيدة معه إلى حمص خالد بن الوليد وذلك لأن منطقة شمال الشام لم تفتح بعد، ثم أمر أبو عبيدة كل أمير من الأمراء أن يطهر منطقته من جنود الروم وأتباعهم.
فتح الساحل اللبناني
خرج يزيد بن أبي سفيان أمير دمشق وتوجه غرباً إلى بيروت وقد صحبه في هذه الحملة أخوه معاوية بن أبي سفيان، وقد عبر الجبال الشاهقة وهو طريق وعر وشاق واستطاع فتح بيروت، وكانت فتح مدن الساحل سهلاً حيث اتجه يزيد جنوبًا وفتح صيدا، ثم عاد لبيروت، واتجه منها شمالاً جبيل ثم توجه إلى طرابلس التي استعصت عليه، فتركها، وتوجه إلى عرقة على بحر الروم، وقد فتح معاوية رضي الله عنه طرابلس وبقية الساحل عندما تولى إمارة الشام.
استكمال فتح الأردن
فتح شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه مدينة سيفيه ثم مدينة جرش، ثم اتجه شمالاً وفتح مدينة أفيق، ثم فتح منطقة الجولان شمال شرق بحيرة طبرية.
فتح قنسرين
أرسل أبو عبيدة رضي الله عنه خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى قنسرين لفتحها، وكان في قنسرين على الرغم من صغرها حامية رومية قوية جدًّا، وفيها حصن ضخم، على رأسها، قائد من كبار قادة الروم، يدعى ميناس، وكان وزير هرقل، واتخذ من قنسرين مقرًّا له، وعرف ميناس أنه سيتعرض لحصار الجيش الإسلامي في حال بقائه في قنسرين وربما سيضطر للاستسلام، حيث لا يتوقع وصول دعم من طرف الإمبراطور هرقل. ولذلك فقد قرر ميناس أن يهاجم جيش المسلمين على مشارف المدينة وهزيمتها.
بدأت المعركة في منطقة الحاضر تبعد ثلاثة أميال عن قنسرين، حيث نشر خالد وحدته سريعة التنقل في الوضعية القتالية، بينما شكل ميناس جيشه في جناحين وقلب، وكان على رأس جيشه في المقدمة كما كان خالد في مقدمة جيشه، وبعد برهة حدث شئ غريب، فقد قتل ميناس في المراحل المبكرة من المعركة، وعندما انتشر نبأ مقتله بين الجنود استشاط الجنود البزنطيين غضباً وبدؤوا هجوماً عنيفاً وثبتوا علي غير العادة فقد كانوا يفرون بعد مقتل قائدهم ولكنهم تعثروا في مواجهة أكثر المقاتلين امتيازاً في ذلك الوقت.
وأخذ خالد قسماً من الفرسان من أحد أجنحة الجيش ليقوم بمهاجمة الجيش البيزنطي من الخلف ولم ينج أحد من الروم البيزنطيين في المعركة.
كان هناك بعض العرب الموالين للروم في قنسرين، ولما هزم الروم، وقُتل قائدُهم هربوا، فحاصر خالد الحصن، ورفض القوم الخروج منه، فقال خالد: "لو كنتم في السحاب لحملنا اللهُ إليكم، أو لأنزلكم إلينا ", لما سمعوا هذا الكلام، ألقى الله في قلوبهم الرعب، فلم يكن منهم إلا أن استسلموا، وطلبوا الأمان، ومصالحة المسلمين على الجزية، فقبل منهم خالد ذلك، ولما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعجب، وقال: "أَمَّرَ خالدٌ نفسه، يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني! إني لم أعزله عن ريبة، لكن الناس عَظَّموه، فخشيتُ أن يُوكَلُوا إليه"، وأصبح خالد أمِّيرَ على منطقة قنسرين، وبقي فيها رضي الله عنه.
فتح حلب
توجَّه جيشا خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح إلى شمال بلاد الشام قاصدين مدينة حلب، وفي تلك الأثناء كانت الأنباء قد وصلت إلى القائد يواخيم، فأرادَ أن يجعلَ المعركة خارج المدينة كما حدث في قنسرين ليقلبَ المعركة لصالحه، فخرجَ من مدينة حلب والتقى معَ سرية الخيَّالة التي تتحرك بسرعة والتي بلغ عدد جنودها 17 ألف مقاتل، واشتبكَ الطرفان في معركة مفتوحة شرسة، وحقق فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا على جيش يواخيم وانكسر الروم وتراجعوا إلى المدينة بعد أن خسروا أكثر من ألفي مقاتل في تلك المعركة، وآثر عندها يواخيم أن يتحصَّن داخل الحصن لحمايته ومنع المسلمين من الدخول، وفي أحداث فتح حلب تابع الجيش الإسلامي زحفه إلى المدينة وفرضَ عليها حصارًا في ذلك الوقت، وبسبب صلابة القائد يواخيم وحكمته صبرَ على الحصار طويلًا وحاول أن يكسره عدَّة مرات لكنه لم ينجح في ذلك، وتكبَّد خسائر كبيرة في محاولاته تلك، وفي النهاية استسلم الجيش البيزنطي وسمحَ لهم المسلمون بالرحيل، لكنَّ القائد يوخيم رفضَ المغادرة واختار أن يدخل الإسلام وقاتل تحت راية التوحيد، وبذلك تمَّ فتح مدينة حلب وقنسرين وكذلك حماة وأصبحت تحت حكم المسلمين منذ ذلك الوقت.
فتح أنطاكية
بعد ذلك اتجه أبو عبيدة بجيشه إلى أنطاكية وقد هرب منها هرقل ملك الروم إلى القسطنطينية، وكان هرقل يحب سوريا جدًّا، حتى إنه عندما كان يذهب للحج في بيت المقدس، كان يمر على سوريا في طريق عودته، وكان يقف على تلٍّ عالٍ هناك ويقول: "عليكِ السلام يا سوريا، تسليم مودعٍ لم يقضِ منك وطرًا، وهو عائد!", أما هذه المرة فيقف على نفس هذه التلة، ويقول: "قد كنت سلمتُ عليكِ من قبل تسليم المسافر، أما اليوم فعليك السلام يا سوريا، تسليم المفارق، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدًا، لا يعود روميٌّ إليكِ أبدًا إلا خائفًا، عليك يا سوريا السلامُ ونعم البلدُ هذا للعدو".
وقبل أن يصل أبو عبيدة إلى أنطاكية، التقي بقوات رومية في منطقة مهروبة ودار بينهما قتال سريع انتصر فيه أبو عبيدة، وتراجعت القوات إلى حصون أنطاكية، وأنطاكية بها جبل يحيطها شرقًا، ومن الجهة الأخرى سورٌ عالٍ جدًّا، ولا شك أن هذا من أسباب جَعْلِ هرقل منها مقرًّا له، فحاصر أبو عبيدة أنطاكية، ولم تصمد كثيرًا؛ فتستسلم، وتقبل الجزية.
وبعد أن فتح أبو عبيدة أنطاكية، وصلت إليه معلومات أن هناك مجموعة من القوات الرومية تجمعت في منطقة مَعَرَّة نصرين شمال شرقي حلب، فأخذ جيشه من أنطاكية إلى معرة نصرين ودار هناك قتال سريع، وفتحت معرة نصرين في النهاية.
ثم انتقل شمالاً إلى قورس وفتحها صلحًا، ثم أخذ جيوشه واتجه شرقًا حتى وصل إلى منبج على نهر الفرات، ففتحها صلحًا، ثم يتجه جنوبًا إلى مدينة بالس ففتحها صلحًا.
ثم خرجت قوة من حلب تفتح مدينة بوقة، وخرجت قوة أخرى تفتح مدينة خُنَاصِرَة، وثالثة تفتح مدينة سرمين، ثم استخلف أبو عبيدة على مدينة حمص عُبَادة بن الصَّامِت رضي الله عنه ويوصيه أن يفتح ثلاث مدن وهم اللاذقية، وجبلة، وطرطوس.
توجه عبادة إلى اللاذقية، وحاصرها فتستعصي عليه، ويأتي أهلَها مددٌ، فيحتال عبادة رضي الله عنه لفتحها، فيَصُفَّ نصف جيشه صفوفًا أمام المدينة، ويجعل النصف الآخر مختبئًا خلفه، وحفر حفرًا عميقة، وخنادق طويلة، وأهل اللاذقية لا يعلمون عن ذلك شيئًا، ثم لما حفر تلك الحفر والخنادق، أخذ جيشه، في النهار، وتوجه باتجاه حمص، موهمًا أهل اللاذقية أنه ينسحب، ولما جَنَّ الليل عاد مرة أخرى وفتحها, وبذلك يكون قد فتحت أغلب بلاد الشام.
إرسال تعليق