الاستعداد لليوم الثاني
مر اليوم الأول دون قتال بسبب المطر وفي اليوم التالي 5 رجب عام 15هـ كانت معركة اليرموك وفي هذه الليلة كان كل الجيش الإسلامي في النصف الأول من الليل في قيام الليل، وبعد انقضاء النصف الأول من الليل وبعد صلاة الفجر وأثناء ترتيب المسلمين صفوفهم قال أبو عبيدة للجيش: أيها الناس أبشروا فإني رأيت في ليلتي هذه فيما يرى النائم، كأن رجالاً أتوني فحفوا بي، وعلي ثياب بيض ثم دعوا لي رجالاً منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم فإنكم أنتم الأعلون، ثم مضينا إلى عسكر عدونا فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا وجئنا حتى دخلنا عسكرهم فوَلَّوا مدبرين"؛ ففرح المسلمون بذلك وقالوا: بشرك الله إن هذه بشرى من الله.
فقال أبو مرثد الخولاني بعد أن سمع هذه الرؤيا من أبى عبيدة بن الجراح: والله إني رأيت أنا الآخر رؤيا؛ فقال أبو عبيدة: فحدِّثْ بها؛ فقال: "إني قد رأيت كأنا خرجنا إلى عدونا فلما توقفنا صَبَّ الله عليهم طيرًا بِيضًا عظامًا لها مخالب كمخالب الأسد وهي تنقضُّ من السماء انقضاض العُقْبَان؛ فإذا حازت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخِرُّ منها منقطعًا، وكان الناس يقولون: أبشروا معاشر المسلمين فقد أيَّدكُمُ الله عليهم بالملائكة "؛ فقال أبو عبيدة بن الجراح: بشَّرَك الله بالخير، هذه والله بشرى من الله.
اقترب الجيش الرومي من الجيش الإسلامي، وكان تعداد مشاة الروم 120 ألفاً وتعداد الفرسان 80 ألفاً، وكان علي الميمنة قائد اسمه جورجير والميسرة عليها رجل اسمه درنجر وكان ناسكاً من العباد وكان يري أن الحق مع المسلمين ولكن هرقل أجبره علي الخروج، وكانت ميمنة وميسرة الجيش من الجنود الروم أما قلب الجيش فمن العرب النصاري بقيادة جبلة بن الأيهم الغساني ليفتدوا الجيش الرومي بأرواحهم
يقول سعيد بن زيد رضي الله عنه عن الروم في هذا اليوم: لمَّا كان يوم اليرموك كنا أربعة وعشرين ألفُا ونحوًا من ذلك، فخرجت لنا الروم بعشرين ومائة ألف، وأقبلوا علينا بخطى ثقيلة كأنهم الجبال تحركها أيد خفية، وسار أمامهم الأساقفة والبطاركة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من ورائهم ولهم هزيم كهزيم الرعد، فلما رآهم المسلمون على حالهم هذه هالتهم كثرتهم وخالط قلوبهم شيء من خوفهم.
وقد سمع خالد بن الوليد رضي الله عنه أحد الجنود المسلمين يقول : ما أَكثر الرومَ، وما أقلَّ المسلمين! فغضب خالد غضبًا شديدًا، واحمرَّ وجهه، واهتز وهو يقول له: بل ما أقلَّ الروم، وأكثر المسلمين! لا يُنصَرُ الناسُ بالعدد، وإنما يُنصَرون بنصر الله لهم، ويُخذَلون بخذلان الله لهم، واللهِ لوددتُ أن الأشقرَ بَرَاءٌ (الأشقر هذا هو فرس خالد بن الوليد، وكان مريضًا فى هذه المعركة فلم يحارب عليه فيها) وأنهم ضوعفوا في العدد أتخوفونني بالروم.
ثم أمر خالد الدعاة أن انطلقوا وحَمِّسوا الناس؛ فانطلق الدعاة يحمسون الناس ويرغبونهم في الجنة فقام أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإنَّ وعد الله حق، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، فلا تبرحوا مصافَّكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدأوهم بقتال، واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت، إلا من ذكر الله.
ثم قام معاذ بن جبل فقال: يا قُرَّاءَ القرآنِ، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى، وأولياء الحق، إنَّ رحمة الله والله لا تُنال، وجنته لا تُدخَل بالأماني، ولا يؤتي اللهُ المغفرةَ، والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله عزَّ وجلَّ، ألم تسمعوا قول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55]، أنتم إن شاء الله منصورون فأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارًا من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ من دونه وليس فيكم متعزِّز بغير الله.
ثم قام عمرو بن العاص؛ فقال: يا أيها الناس، اشرعوا الرماح والزموا مراكزكم ومصافكم, فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فَثِبُوا في وجوههم وُثُوبَ الأسد، فوالذي يرضَى الصدقَ ويُثيب عليه، ويمقت الكذبَ ويعاقب عليه، ويجازِي بالإحسان، لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كَفْرًا كَفْرًا وقصرًا قصرًا، فلا يهولنَّكم جمعُهم ولا عددُهم فإنكم لو صدقتموهم الشدة لتطايروا تطاير أولاد الحجر.
ثم قام القاص وهو أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر المسلمين لا ينجيكم اللهُ منهم اليوم وتبلغون رضوانه إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا إنها سُنَّةٌ لازمة، سنة لازمة أن يحارب المسلمون الكفار وأن يثبت المسلمون في المواطن المكروهة فيحقق الله I لهم النصر، وإن الأرض وراءكم بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحاري وبَرارٍ، ليس لأحد فيها معقل إلا الصبر، ورجاء ما عند الله فهو خير معوَّل.
ويقول أيضاً: فاحتفظوا بسيوفكم وتقرَّبوا بها إلى خالقكم ولتكن هي الحصون التي تلجأون إليها وبها تمتنعون، الله الله إنكم أنصار الإسلام وهم أنصار الشرك.
تغيير في الخطة
قرر خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يحدث تغييراً في خطته فأتى أبا عبيدة وقال: والله يا أبا عبيدة إن هؤلاء قد أقبلوا بعدد وجَدٍّ وحدٍّ وإن لهم لشدة لا يردها شيء، وليست خيلي بالكثيرة، ولا والله لا قامت خيلي لشدة خيلهم ورجالهم أبدًا، وقد رأيت أن أفرق خيلي فأكون في أحد الخيلين، وقيس بن هبيرة في الخيل الأخرى ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة فإذا حملوا على الناس، فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم، وإن كانت الأخرى حملت خيولنا عليهم وهي جامَّة وهم قد انتهت شدتهم وتفرقت جماعتهم، ثم نحمل عليهم وهم كذلك، فأرجو عندها أن يظفرنا الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم، وقد رأيت أن يجلس سعيد بن زيد (وكان في مؤخرة الجيش ) مجلسك هذا (في المقدمة مكان أبي عبيدة، ويرجع أبو عبيدة إلى المؤخرة) ويقف من ورائك بحذائك مائتان أو ثلاثمائة من الفرسان ذوي الوجوه يكونون للناس ردءًا فقبل أبو عبيدة مشورته وقال: افعل ما أراك الله، وأنا فاعل ما أردت.
كما قام خالد بتنظيم الجيش في ثلاثة صفوف حتي يزيد عرض الجيش لأن جيش الروم عرضه كبير وبذلك يستطيعون الالتفاف على المسلمين لذلك غير خالد رضي الله عنه في خطته، كذلك ذهب إلى معسكر النساء وقال لهن: إذا أتاكم أحد المسلمين، فذكروه بالدفاع عنكن، وعن أولادكن (وفي رواية أخرى فاقتلوه).
بداية المعركة والهجوم علي الميمنة
اقتربت الجيوش الرومية من الجيش الإسلامي، ووضح من تحركات الجيش الرومي أنه سيهجم بميسرته وقائدها درنجر، على ميمنة المسلمين بقيادة معاذ بن جبل، فلما رأى معاذ جيوش الرماة تقترب منه صاح في جنده: "يا معشر أهل الإسلام إنهم قد تهيئوا للشدة ولا والله لا يردهم إلا الصدق عند اللقاء والصبر عند القراع".
ثم هجم الروم على المسلمين، وكان قتالاً شديدًا، استمر فترة طويلة، وثبت المسلمون ثباتًا ويشتد البأس من قبل الروم، ويبدءون في الضغط على الجيش الإسلامي، والمسلمون ثابتون لا يتحركون، وخالد وفرقته يرون ما يحدث للمسلمين وهم خلف الميمنة، ولا يتحركون.
وكان خالد، إذ كان يُصَبِّرهُم، ويقول لهم: "رويدًا رويدًا".
أُرْهِقَ بعض المسلمون في الميمنة من شدة القتال، وبدءوا يتراجعون بظهورهم، فتأتي النساء من الخلف، وكان فيهن خَوْلة بنت ثعلبة الأنصارية، فقالت:
يا هاربًا عن نسـوة تقيـات
ميت بالسهم وبالمنيات
فعن قليلٍ ما ترى سبيـات
ولا حصيات ولا رضيـات
فثبت المسلمون وكان أشد الضرب في الميمنة على قبيلة "دوس"، فقام أبو هريرة وهو من قبيلة دوس، وقال: تزينوا للحور العين، وارغبوا في جوار ربكم، في جنات النعيم، فما أنتم إلى ربكم في موطن من مواطن الخير أحب إليه منكم في هذا الموطن ألا وإن للصابرين فضلهم، وحرمة دم المسلم، خير عند الله تعالى من حرمة الكعبة.
هجوم الروم علي ميسرة المسلمين
أمر باهان قائد ميمنة الجيش الرومي بمهاجمة ميسرة الجيش الإسلامي وهاجمت ميمنة الروم هجوماً شديدًا علي الميسرة المسلمين وقائدها قباث بن أشيم، وكان هو أشد الناس قتالاً في الميسرة، حتى إنه كَسَرَ في الروم ثلاثة رماح وسيفين، وكان كلما كسر رمح من رماحه أو سيف من سيوفه، يقول: من يعير سيفًا في سبيل الله، رجلاً قد حبس نفسه مع أولياء الله، وقد عاهد الله لا يفر، ولا يبرح، فيعيره المسلمون أحد السيوف، فيقوم، ويقاتل، حتى يكسر سيفه، فيعيد مقولته، فيعيره أحد المسلمين سيفًا آخر، فيذهب ويقاتل.
كما كان يزيد بن أبي سفيان من أشد الناس قتالاً أيضًا في هذا اليوم، يقول حبيب بن مسلمة: كان يزيد بن سفيان من أعظم الناس غَنَاءً، وأحسنهم بلاءً، هو وأبوه جميعًا، فقد كان أبو سفيان يقاتل تحت راية ابنه يزيد، وكان يمر به فيقول له: يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفًا بالقتال, فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين أولئك أحق الناس بالجهاد والنصيحة, فاتق الله يا بني والزم في أمرك ولا يكونن أحد من إخوانك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الإسلام منك، قال: أفعل.
وعلى الميمنة كان الموقف شديدًا، وبدأ المسلمون يتراجعون ببطء، ويثبت فيهم عمرو بن العاص، واشتد الروم عليهم فإذا بهم يتراجعون ومعهم عمرو، فشعر نساء المسلمين بأنهم يتراجعون، فأسرعت أم حبيبة بنت العاص، فوقفت وراءه، وقالت: قبَّح الله رجلاً يَفرُّ عن حليلته، قبح الله رجلاً يفر عن كريمته، فلما قالت ذلك ثبت المسلمون مرة أخرى، وقالت هند بنت عتبة: قاتلوا أيها المسلمون، فلستم ببعولتنا إن لم تمنعونا.
جاءت الأوامر من باهان بالتقدم أيضًا للهجوم علي القلب، وبذلك التحم الجيش الرومي بكامله، مع الجيش الإسلامي وكان القتال على أشد ما يكون، وكان على المقدمة سعيد بن زيد، وهاشم بن عتبة رضي الله عنهما.
كتيبة الموت
فزع عكرمة بن أبي جهل رضى الله عنه عندما رأى أن المعركة اشتدت على المسلمين فتناول سيفه وكسر غمده ونادى في المسلمين : أيها المسلمون من يبايع على الموت ؟
فتقدم إليه 400 مقاتل منهم الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وكونوا كتيبة الموت عندها اتجه إليه خالد بن الوليد وحاول منعه من التضحية بنفسه فقال له عكرمة رضى الله عنه: "إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه و سلم سابقة أما أنا وأبي فقد كنا أشد الناس على رسول الله فدعني ُأكفر عما سلف".
وانطلق عكرمة وكتيبة والتي فاجأت الروم تنقض عليهم وتقدم عكرمه بن أبي جهل بنفسه الى قلب الجيش الروماني ليكسر حصار المسلمين واستطاع بالفعل إحداث ثغره في جيش العدو.
فأمر قائد الروم أن تصوب كل سهامهم نحو عكرمة فسقط عن فرسه من كثرة السهام التي انغرست فيه عندها صوب الروم سهامهم نحوه، ولما رأى المسلمون ذلك المنظر اندفعوا نحو قائدهم وتقهقر الروم وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وبعد المعركة بحث خالد بن الوليد عن عكرمة ليجده و هو ملقى بين اثنين من جنود الكتيبة وهما الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والدماء تسيل منهم جميعاً فطلب الحارث بن هشام ماءاً وقبل أن يشرب نظر الى عكرمة فقال لحامل الماء اجعل عكرمة يشرب فهو أكثر عطشاً مني فلما اقترب منه حامل الماء قال له عكرمة احمله إلى عياش أولا فلما وصل الماء الى عياش قال لا اشرب حتى يشرب أخي الذي طلب الماء أولاً فالتفت الساقي الى الحارث بن هشام فاذا هو قد فارق الحياة فنظر الى عكرمة فاذا هو وقد استشهد فنظر الى عياش فوجده ساكن الانفاس
المسلمون يبدأون الهجوم
اشتد الأمر على المسلمين في الميمنة والميسرة وكل ذلك وخالد رضي الله عنه ينتظر مع قيس بن هبيرة خلف ميمنة وميسرة المسلمين، وكان ينتظر الفرصة المناسبة للهجوم، وبعد أن اشتد ضغط الروم ووجدوا أن الفرصة سانحة للالتفاف على المسلمين.
بدأت قوات الروم تتسرب خلف الجيش الإسلامي من الميمنة، ومن الميسرة، وخالد بن الوليد يراقبهم عن كَثَب، حتى تسربت القوات الرومية فعلاً وطوقت الجيش الإسلامي من خلفه، وأصبحت قريبة من معسكر النساء.
عندئذٍ تحرك خالد بن الوليد، وقال: يا أهل الإسلام، لم يبقَ عند القوم من الجلد والقتال والقوة إلا ما قد رأيتم، فالشدةَ الشدةَ، فوالذي نفسي بيده، ليعطينَّكم الله النصر عليهم الساعة، إني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم.
وأعطي بذلك الإذن بالبدء في القتال لفرقته ولفرقة قيس بن هبيرة, وانطلق المسلمون بعد إذن خالد بن الوليد، وكأنهم سيل هادر كان محتجزًا خلف صخرة، رافعين أصواتهم بالتكبير على ميمنة وميسرة الجيش الرومي وبوغت الروم بهذا التحرك.
هاجم خالد بن الوليد هجوماً شديدًا علي ميسرة الروم، واقتحم قيس بن هبيرة كذلك ميمنة الروم، وفي أول هجمة للمسلمين قُتِلَ على الفور 10 آلاف مقاتل من الروم ففوجئ الروم بذلك مفاجأة عظيمة، وأيقن فرسان الروم بالهلاك، وشعروا بأنهم مقتولون لا محالة فلم يكن منهم إلا أن فكروا في الهرب.
ورأى خالد بن الوليد أنهم يجهزون أنفسهم، حتى يستطيعوا الالتفاف من خلف خالد والهروب من المهرب الوحيد خلف الجيش الإسلامي، فلم يغتر خالد بمقتل عشرة آلاف رومي، وترك لهم فرصة لكي يهرب فرسانهم ويتبقى له بقية الجيش، فنادى بصوت مرتفع للمسلمين: " أفسحوا لهم الطريق، اتركوهم، ولا تُكرهوهم على القتال"، فهرب في هذه اللحظة ثلاثون ألف فارس من الروم من الميمنة والميسرة.
أما قائد الميسرة الرومي درنجر الذي كان يرى أن المسلمين علي حق لما رأى ذلك، تيقن أن النصر حليف المسلمين، فجاء بثوب، ولفه حول رأسه، وجلس في أرض القتال، وقال: لا أريد أن أرى هذا اليوم المشئوم.
وسرعان ما جاء أحد المسلمين فجز رأسه في ثوبه، لِيَمُوت هذا القائد.
بدأ المسلمون في الضغط على بقية الجيش الرومي، فهجم المسلمون هجومًا شديدًا وحاصروا الروم في المكان الضيق من أرض اليرموك، تجاه الواقوصة، وحاربهم المسلمون حربًا شديدًا، وزادت الحمية في قلوب المؤمنين، ومر خالد على الناس ويحفزهم، ويقول: أيها المسلمون إن عدوكم يألم كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون.
وكان ممن قاتل مع المسلمين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأيضًا جويرية بنت أبي سفيان, وهند بنت عتبة زوجته تحمس الجيش من الخلف.
وفي هذه الأثناء يطلق الروم الكثير من الأسهم فيستقر سهمٌ آخر في العين الأخرى لأبي سفيان، فيعمى تمامًا، وكثرت الإصابات في أعين المسلمين في ذلك اليوم، حتى أصيبت 700 عين.
نهاية المعركة
واقتربت الشمس من الغروب، والهجوم شديد من المسلمين، فى مقابل تراجع من الروم، واقترابوا من الهاوية، واخترق أحد المسلمين جيش الروم ووصل إلى باهان قائد الروم، وقاتله واستطاع قتله، وقد أثر قتل باهان على نفسية الروم وانهارت معنوياتهم تمامًا.
وهنا يمر أبو سفيان ويرفع صوته بالنداء: (يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين).
وأظلم الليل، وكانت ليلة ضبابية، فلم يعد المسلمون قادرين على رؤية أحد من الروم، ويلاحظون أنه يهربون منهم، فتوقف المسلمون عن القتال بعد صلاة العشاء، ووقفت بعض الفرق للحراسة.
وقام أبو عبيدة بن الجراح بنفسه بحراسة القوم في هذه الليلة، خشية أن يباغتهم الروم في الظلام، وفي مروره يجد فارسين، فإذا هما الزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، يدوران حول المعسكر لحمايته، فيقول: يا ابن عمة رسول الله ما الذي أخرجكما؟ فقال الزبير: نحرس المسلمين، ذلك أن أسماء قالت: إن المسلمين مشتغلون بأنفسهم هذه الليلة عن الحراسة، لما لحقهم من التعب والجهاد طوال يومهم، فهل لك أن تساعدني على حراسة المسلمين؟ فأجبتها إلى ذلك، فعزم عليهما أبو عبيدة أن يرجعا، إلى أماكنهم، فرفضا، وظلا من الليل، حتى صبيحة اليوم التالي، ساهرين في سبيل الله.
وبعد الفجر يبدأ النور في الظهور، ويتطلع المسلمون لأرض المعركة، فيُفاجأون إذ يجدون القتلى من الروم نحو 50 ألف قتيل، ويجدون في الواقوصة 80 ألف رومي تقريباً.
وكان شهداء المسلمين 3 آلاف شهيد فقط.
إرسال تعليق